نظرتنا الى العذراء مريم لا تتخد كامل معناها إلا من خلال سر الحياة , اعني سر مصير الإنسان والكون كله . ولذا نرى تقليد كنيستنا الشرقية لا يعتبرها أبدا موضوعا مستقلا بحد ذاته أو موضوعا جامدا , بل يراها دائما من خلال دورها في التاريخ وفي تدبير الله العالم للخلاص , ومن زاوية ديناميه هذا الدور : ينظر إلى الله من خلالها أو ينظر إليها كشفافة لله , مع كل ما تحتويه الشفافية والصفاء من عمل حي وحركه : قبول كامل من جهة وعطاء مطلق من جهة أخرى .
العذراء والده الإله " ثيوطوكس "
ان الملاك جبرائيل قد بشر مريم العذراء بأنها ستلد " ابن العلي " . " عمانوئيل " " الله معنا " , فقبلت وصارت منذئذ أما لله , وفي تلك اللحظة انفتح باب السماوات وطريقها , وصار فيما بعد لقب " والده الإله " هذا " ثيوطوكس " تسميتها الغالبة والسائدة والثابتة في التقليد الشرقي وقد ثبت مجمع افسس (431 م) مسكونيا هذه التسمية ذات الواقع اللامتناهي , والعذراء إنما بهذه الصفة معروفه وموقره ومتوسل إليها .
وقد استطاع القديس يوحنا الدمشقي القول بأن " اسم والده الإله وحده يحوي كل سر التدبير الإلهي للخلاص ".
وبهذا الخصوص يؤكد التقليد الشرقي على أن دور العذراء ضروري ولا بد منه وهي التي بإسهام " إيمانها وإرادتها " كانت كما قال كاباسيلاس " : عامله مع الله من اجل خلاص البشر " ويوكد التقليد أيضا على حميميه اتحاد الله بالجنس البشر المتحققعه في والده الإله .
فبواسطة العذراء مريم اخذ الإله المتعالي وجه إنسان في مجاوره لا تقبل تحديدا . وصفه كونها تنتج رباطا عضويا واتحادا فريدا على الإطلاق بينها وبين شخص كلمه الله الذي اتخذ جسدا من جسدها وأراد أن يكون ابنها بالمعنى الكامل للكلمة " وفصل الاثنين إنما هو خرق لسر التجسد في اشد عمقه وجوهره
" لان ملء الألوهه –الانسانيه " هو في يسوع ومريم . لا انفصام . إنها الطبيعة البشرية التي تؤلهنا " (اندراوس اسقف اقريطش ) ,
" الحالة الراهنة لإنسان الجديد " ( غريغوريوس بالاماس )
" سماء جديدة وارض جديد , وبحر جديد " ( ثيودورس الستوديتي )
" عجينه جديدة ونسل جديد " ( كاباسيلاس ) .
ولا يفوت التقليد البيزنطي , أخيرا , ان يظهر الصلة الشخصية ( الفريدة ) بين والده الإله والثالوث القدوس في فكره الاتحاد العرسي والزواج السري .
فيقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث : " إن الله الأب قد اختارها عروسا لابنه الوحيد " ويسميها آخرون " عروس الأب " , " والحبيبة " الوارد ذكرها في سفر نشيد الأناشيد .
ويسميها بروكلس القسطنطيني " حجله الرب وتابوته " انه اتحاد الحب الأقصى الكامل . الحاصل بالروح القدس الذي يمتلكها .
والده الإله والكنيسة
كل ما تقدم ينطبق أيضا ويتحقق على صعيد الكنيسة : أننا بدون عناء نعقل العذراء رسما للكنيسة برمتها , منفتحة بكليتها وقابله ومستقبله للروح , حاويه المسيح الطفل في صدرها بشكل وسام مدور .
وفضلا عن ذلك , فان سر والده الإله يتعذر فهمه على المنوال الفردي المحصور بها فقط : ففي الكتاب المقدس هو نهاية مطاف تربيه طويلة الأمد , هو كفى صفوه هذه التربية تصل نعمة الأيمان الى النضج التام :
" طوبى للتي أمنت أن سيتم ما قيل لها من قبل الرب" . وحينما " تتمحض وتلد ايمانا "
( القديس يوستينوس )
فسبيلها هذا هو سبيل الكنيسة بأسرها . فالعذراء القديسه هي أساسا مركز الكنيسة الرسوله غير المرئي ولكن الحقيقي . وكل البشرية وقبلها الكنيسة , مدعوه الى الدخول في هذا السبيل .
وتتماثل مريم أيضا بالكنيسة في وظيفتها كأم , في أمومتها البتول وخصبها الروحي ,
فابيفانيوس يسميها " أم الأحياء "
واقليمس الاسكندري يصف الكنيسة مقابلا أياها بمريم , مازجا هاتين البتوليتين , هاتين الأمين في صوره واحده فيقول : " لا يوجد سوى بتول – أم واحده ويطيب لي أن اسميها الكنيسة " .
وأخيرا فأنه يحتفل بعبد انتقال العذراء كفصح ثان سري يعظم فيه منذ الآن وقبل نهاية الأزمنة مجد مريم الإنسان المؤلهة الأولى . وهكذا تتطابق دعوه مريم مع طابع الكنيسة الأخروي : أنها علامة مصير الكنيسة الأخير , رسم أورشليم السماوية . مدينه الله النهائية , وإذ هي " أكرم من الشاروبيم وارفع من السارافيم " فإنها تمثل معنى الخليقة والكون والتحقيق الأكمل لسر الكنيسة .
والده الإله والحياة الروحية
أما على صعيد الحياة الروحية الداخلية فتبدو مريم وكأنها دعوه الإنسان , دعوه الاسره البشرية , فإنها تجسد في شخصها القداسة البشرية
" وحدها دائما بتوله , جسما ونفسا وروحا ( القديس غريغوريوس بالاماس ) , وتمثل تلك " العفة " أي ذلك الكمال , اللاانثلام الكياني الذي هو جوهر الملكوت : وهذا ما نحن مدعوون إليه جميعا , يقول القديس جرمانوس القسنطنطيني : " صار الإنسان روحا يا ام الله , حينما صرت هيكل الروح "
. ويصرخ أوريجانس : " ماذا يجدني نفعا أن أقول بان يسوع قد أتى في الجسد الذي تناوله من مريم إن لم أتبين أنه آتى أيضا في جسدي ؟ "
. ويعرف القديس مكسيموس الرجل بأنه الشخص الذي تستعلن فيه ولادة الرب على خير منوال . ويقول القديس غريغوريوس النيصصي : " ما تحقق في جسم العذراء مريم البريئة من الدنس يحصل ثانيه في كل نفس تبقى بتولا "
ويقول القديس يوحنا السلمي : " فيك أنت أيضا يولد كلمه الله إن كنت مستحقا لذلك " حياه مريم الداخلية مقدمه قربانا لله بروانه وصمت , منشغلة كلها به . منكبه في كيانها برمته على الصلاة , قوتها اليومي , في أعماقها , من كل قلبها , كل هذا منسابا من اهتمامها الأول بتطابقها مع المشيئة الالهيه , بالانقياد والانصياع لها بلا انقطاع , بالبقاء تحت تأثير الروح , فهي بذلك تتبين وتقبل فقط ما يأتي من الله .
فمريم ادن نموذجا ومثلا أعلى للقد اسه تتقدمنا في طريق حياه الله " مرشده " و"قائده" و"جنديه محاميه " و"عمودا ناريا".
والده الإله الشفيعة
إن تقليد الكنيسة لواع جدا وعلى الدوام لتكافلنا وتضامننا مع العذراء . ولكن قد يكون الأمر أكثر ابانه حينما يتعلق بدورها كشفيعه من اجل العالم , بتلك الوساطة لدى ابنها , التي يعترف بها التقليد لمريم بإلحاح هذه مقداره , ذلك لأن الموضوع في النهاية هو موضوع مصير الجميع , هو شأننا أجمعين , بالحقيقة ان كلمه " نعم " التي تفوهت بها مريم يوم البشارة قد هزت السماء والأرض معا وحركتهما , فكانت بداية معركة " كونيه " حقا .ولهذا ترنم الكنيسة في عيد انتقال العذراء : " وفي رقادك ما اهملت العالم وتركته يا والده الإله ..." ففي قلب تاريخ الخلاص , مريم هي ام الجنس البشري الذي تصلي من اجله وتشفع فيه , انها تستر العالم بجناحها وتحرسه بزنارها , تصلي وتبكي على خطايانا , وتعرضها أيقونه " الشفاعه " هي ويوحنا المعمدان معا , تقدم للمسيح يوم الدين , صلاه الكنيسة , شفاعه الرحمة ,
يقول القديس ثيودورس الستوديتي : " إن والده الإله قد أغمضت جفني جسدها , ولكنها ترفع الآن ألحاظ نفسها كنيرين مشعين عظيمين لا يستطيعان ان ينطفئا , لأنها تسهر علينا وتتشفع لدى الله في حماية العالم .
ولئن كانت كنيستنا الارثوذكسيه تؤكد أن المسيح هو الوسيط الأوحد والمخلص الأوحد , فانها لاتخشى أن توجه الى العذراء الدعاء المذهل : " أيتها الفائقة قدسها والده الإله خلصينا " . " لان مريم الغذراء تخلص بشفاعتها لا غير " فالشفا عه – أعني سر الشفاعه على العموم – هي ضرورة لعالمنا المسكين الهائم , فضلا عن أنها حقيقة وان كانت غير منظوره , نحن إنما نفهمها حينما نتأمل واقع تضامن الناس وتكافلهم , بل يعطي لنا أحيانا الإحساس بحقيقتها وفعلها : فأين العجب إذن أن أعلن التقليد الابائي أن خلاص العالم يتم بشفاعه العذراء ؟
يقول القديس يوحنا الدمشقي " انها بالحقيقة صارت سيده الخليقة عندما صارت أما للخالق ".
ويقول كاباسيلاس : " انها تستطيع حتى نقل حدود الأوقات التي حددها هو " , وإذ هي " ينبوع الشفاء العام " فهي تقدس حتى العالم الطبيعي بأسره . لان ما صارت إليه يسبق فيحقق المجئ الثاني منذ الآن وانتقالها يغلق أبواب الموت .
في ميلادك حفظت البتوليه وصنتها , وفي رقادك ما اهملت العالم وتركت يا والده الإله , لأنك انتقلت الى الحياة با أم لحياه الدائمة , فبشفاعاتك أنقذي من الموت نفوسنا "
جمع في دير السيدة العذراء " ينبوع الحياة " – دبين

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات