[align=justify]الجزء الثاني من القرن الرابع حتى القرن الرابع عشر :
في القرن الرابع ظهرت بعض الخلافات العقائدية بين المسيحيين حول طبيعة السيد المسيح و قد عمد القديس افرام السرياني الذي كان شاعراً بارعاً إلى مجابهة الهرطقات بتأليف التراتيل و تلحينها و تعليمها و من أجل هذه الغاية ظهرت الحاجة إلى وضع نظام للموسيقا الكنسية، فاستشار علماء الموسيقا في عصره و عمد إلى الأخذ عن الموسيقا الفارسية المبنية على اثني عشر لحناً ( اثني عشر مقاماً ) و هي مأخوذة بدورها عن موسيقا بلاد بين النهرين.
يمكن أن نعد القرن الرابع ( تاريخ إعطاء حرية العبادة للمسيحيين ) تاريخ ميلاد الموسيقا الكنسية الحقيقي إذ في ذلك القرن قام مجمع اللاذقية ( غير اللاذقية السورية ) الذي وضع قوانين هامة تخص تنظيم الترتيل الكنسي، كما نشأت الجوقات و نظام الترتيل على أساس جوقتين ترتلان بالتناوب، و ظهر شكل محدود من تعدد الأصوات بالموسيقا يقوم على غناء الأولاد و الرجال معاً ( باعتبار أن طبقة صوت الأطفال غير طبقة الرجال ). و في هذه الحقبة ظهرت الطروبارية و هي شكل من أشكال التراتيل الكنسية المقتضبة التي تعبر عن العيد الكنسي الذي تقال في مناسبة تذكاره.
في القرن السادس أول من وضع نظاماً موسيقياً مبنياً على ثمانية ألحان هو سويرس السرياني أسقف إنطاكية و تم توزيع الألحان إلى أربع ألحان أصلية و و أربع ألحان مشتقة. اللحن يعني تصنيفاً موسيقياً يُعتمد في تحديده على السلم الموسيقي و المجال اللحني و درجة القرار النهائي، و هكذا تكون جميع التراتيل التي يتبع لحنها مجالاً لحنياً معيناً أو قراراً معيناً ضمن نفس اللحن أي ضمن نفس التصنيف اللحني.
السلم الموسيقي المستخدم في هذه الفترة كان نفسه سلم بلاد الرافدين القديم ( الفيثاغوري ) الشبيه إلى حدٍ ما بالسلم الغربي الحديث، و كان التصنيف اللحني في هذه الفترة يستند على ما يبدو إلى قرار اللحن و هنالك أكثر من مدرسة في تحديد طريقة تصنيف الألحان القديمة حسب القرار، و الجدير بالذكر أن التصنيف اللحني القديم في بلاد الرافدين و الشرق الأدنى كان يستند إلى المجال اللحني فحسب و لم يكن يعطى قرار اللحن أي أهمية.
هذا التصنيف الثماني الألحان كان أساس الموسيقا الكنسية السريانية و البيزنطية و كذلك أساس الموسيقا الغربية أيضاً، إذ أن البابا غريغوريوس الذي وضع نظام ترنيم الكنيسة اللاتينية المعروف بالترنيم الأمبروسي أو الغريغوري أخذ هذا النظام عن الشرق مستعملاً أسس الموسيقا الكنسية الشرقية المبنية على ألحان ثمانية، و قد عرف البابا غريغوريوس هذا النظام بحكم أنه كان موظفاً في البلاط القسطنطيني قبل أن يصبح أسقفاً.
و في هذا القرن ظهرت قصائد القديس الراهب رومانوس الحمصي البديعة التي وصلنا منها أجزاء ترتل في صلاة السحر و منها أيضاً قصيدة مديح العذراء المعروفة التي ترتل حتى الآن في كل يوم جمعة من الصوم الكبير.
في القرن الثامن ثبت القديس يوحنا الدمشقي التقسيم إلى ثمانية ألحان في الموسيقا الكنسية بتأليفه كتاب الأكتويخس ( أي الألحان الثمانية ) و هو عبارة عن تراتيل مقسمة حسب الألحان لكل لحن تراتيله الخاصة، كما ألف تراتيل كنسية كثيرة و وضع ألحانها بمشاركة مجموعة من الرهبان الدمشقيين هم القديس قزما الدمشقي و القديس اندراوس أسقف كريت الدمشقي الأصل و القديس ثيوفانس الذي صار أسقفاً على إزمير.
في القرن العاشر تم تنصر بلاد الروس فأخذوا بنظام الترتيل المعمول فيه بالشرق و سرعان ما طوروا به و أنشأوا ألحاناً تبعاً لذوقهم الخاص، إلا أنهم في مرحلة لاحقة تبنوا النظام الموسيقي الغربي المبني على تعدد الأصوات ( الهارمونية ).
هذا العصر أعطانا أقدم مخطوطة موجودة حتى الآن تحوي تدويناً موسيقياً بيزنطياً و تعود للقرن العاشر، و تسمى الفترة من 1950 – 1177 مرحلة بداية تشكيل العلامات في التدوين البيزنطي.
يختلف التدوين البيزنطي كثيراً عن أسلوب التدوين الغربي المعروف، إذ بخلاف التدوين الغربي لا تعطي العلامات الموسيقية الدرجة الموسيقية التي تجب تأديتها بل المسافة بين الدرجة الموسيقية و الدرجة التي تم تأديتها قبلها أي هو نظام تدوين نسبي و ليس نظام مطلق، لذلك نجد مثلاً علامات “صعود درجة” أو “نزول درجتين” و لا توضع علامات تدل على الدرجة نفسها إلا بين الجمل الموسيقية من أجل التقليل من إمكانية وقوع أخطاء في قراءة التدوين الموسيقي، كذلك هنالك علامات عديدة تدل على كيفية الأداء الصوتي ( شد الصوت، التمويج، الوصل …الخ ).
مثال على تدوين موسيقي بيزنطي ( القراءة من اليسار إلى اليمين ) و هي طروبارية القيامة باللحن الخامس ( بيات جواب الحسيني ) من ألحان متري المر
القطعة السابقة نفسها بالتدوين الغربي
مع نشوء و تطور الحضارة العربية ظهر علماء كثيرين أسهموا في تطوير الموسيقا و كان لدراساتهم تأثير غير مباشر على الموسيقا الكنسية. منهم الكندي و الفارابي في القرن التاسع و ابن سينا في القرن الحادي عشر، و هؤلاء جميعاً أخذوا عن علماء الموسيقا اليونان و الفرس و أجروا تطويرات محدودة، و في القرن الثالث عشر ظهر العالم العربي صفي الدين الأرموي الذي تعد أعماله انعطافاً هاما في تطور الموسيقا في العالم.
من أهم ما جاء به صفي الدين ترتيب الألحان المستعملة بشكل علمي دقيق و تبيان الطرق العملية لعزفها على العود و هو أول من أعطى الأهمية للسلم الذي يدعى اليوم بالسلم الذياتوني في الموسيقا البيزنطية و اعتبره أساساً و هو السلم الذي أسماه “راست”. الملفت للانتباه أن سلم الراست حسب ما جاء في مخطوطاته مطابق لما هو عليه سلم الراست في الموسيقا التركية و يماثل السلم الذياتوني في الموسيقا البيزنطية اليوم لكنه يختلف عن سلم الراست المستعمل في الموسيقا العربية حالياً حيث كانت درجتا السيكاه و الأوج أعلى بقليل من مثيلتيهما في الموسيقا العربية الحالية.
كذلك وضع صفي الدين سلمه الموسيقي المؤلف من 17 جزءاً غير متساوٍ و نرى أن نظام الكومات المستعمل في الموسيقا البيزنطية في القرن التاسع عشر بني على تقسيم إلى 68 كوما متساوية متأثراً بعمل صفي الدين كما يقول الباحث السوري خليل الله فيردي حيث
68 = 17 × 4 و هذا ما سمح بإدخال اصطلاحات نصف و ثلث و ربع الدرجة في الموسيقا البيزنطية حيث أصبح قياس البعد الطنيني ( بين دو و ره ) 12 كوما و هو رقم يقبل القسمة على 2 و 3 و 4، إلا أن نظام 68 كوما ألغي الآن بسبب عدم دقته الرياضية.
و كان لعمل صفي الدين تأثير كبير في الموسيقا العربية و البيزنطية كما في الموسيقا الغربية أيضاً.[/align]
المفضلات