[frame="8 80"]
"بنيتم على أساس الرسل والأنبياء والمسيح نفسه هو حجر الزاوية"[1] يدلّنا بولس، بهذه الآية، على قيام كنيسة، ليست مبنيّة من حجر رخامي مصقول، ومراقبة مهندسين واجتهاد عمّال ورسّامين، هي نحن حجارتها الحيّة؛ إذ نبني أنفسنا بيتًا روحيًّا، فنكون، عندها، كهنوتًا مقدّسًا نقرّب لله ذبائح روحيّة يقبلها الله بيسوع المسيح، الذي هو حجر الزاويّة المختار، والمؤمن به لا يخزى[2]. ليس معناه، أن يكون لنا مركز في هذا البناء فقط، بل أن نكون نحن حجارة بنّاءة نسهم فعلاً بذاتنا في قيام هذه الكنيسة، التي هي نحن، لا أن تكون الكنيسة بيتًا غير منظور، بل بيتًا إلهيًّا يبنيه الروح القدس ويقيم فيه "أما تعلمون أنّ أجسادكم هي هيكل الروح القدس"[3]؛ ولم يقل "هياكل" لأنّنا نحن"على كثرتنا جسدٌ واحدٌ، لأنّ هناك خبزًا واحدًا، ونحن نشترك في هذا الخبز الواحد"[4]، فإذا ما بنينا، نحن، أنفسنا بناء متينًا، على أساس الرسل والأنبياء، وحجر زاويتنا، الذي يربط البناء كلّه، ويثبّته ضدّ العواصف والرياح، هو المسيح؛ نصبح حصنًا حصينًا تجاه كلّ تيّار، ونصدّه، فلا يعود شيء يزعزعنا أو يثنينا عن عزمنا. بوليكربوس (76؟ -156 م.) وقف بوجه المضطهد وقال له: "ها قد بلغت الثمانين وأنا مع المسيح ولم أر منه إلاّ كلّ خير، فلن أتركه وقد فني عمري"... باسيليوس الكبير (330 - 379) وقف بوجه فالانس الأريوسي (364 - 378)، ولم يرهبه، وأوقفه عند حدّه، وأفهمه: "أنّ الكنيسة ليست حجرًا، بل الكنيسة هي بشر...".
لم يبن المسيح كنيسة ما ولا كاتدرائيّة ما، في أي مطرح من مطارح الأرض، بل أقام كنيسة حيّة لم تبنها "أيدي بشريّة"[5]، وهذه الكنيسة هي نحن... لو راجعنا أو فتّشنا، في العهد الجديد، عن كلمة: "كنيسة"، لا نجد بناء ولا قبّة ولا جرسًا بل نجد أنفسنا نحن: الأنا والأنت والهو، إذ ليس هناك، "... عبد ولا حرّ، ولا رجل ولا امرأة... بل كلّنا في المسيح واحدٌ"[6]. ألم يقل لنا الربّ يسوع: "حيث يجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي كنت بينهم؟"[7]. فهل نحن نجتمع كما أرادنا المسيح أن نجتمع؟ المسيح جعل البعيدين قريبين، لأنّه هو سلامنا، الذي أبطل بجسده العداوة وخلق من الاثنين واحدًا، وصالح الجميع مع الله بصليبه[8]...
لم يرسل المسيح تلاميذه ليبنوا كنيسة، بل ليقيموا ويؤسسوا كنيسة "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يعملوا بكلّ ما أوصيتكم به وها أنا معكم طول الأيام إلى انقضاء الدهر"[9]. فالكنيسة، من منطلق العهد الجديد هي نحن، ونحن علينا واجب إلزامي أن نسعى إلى تبشير غير المؤمنين، وندعوهم إلى عرس الحمل[10]، ونجلس جميعًا إلى مائدة الرّب، إلى وليمة "عرس الحمل"[11].
الكنيسة هي جسد المسيح السرّي، وما كان جسد المسيح حجرًا، أو بناء، نحن هنا كنيسة حقيقيّة، هنا الكهنة الذين أقامهم الربّ فيها، وهنا نحن أعضاء جسد المسيح[12]. وبولس أشار إلى التراتبيّة الكنسية: "أنتم جسد المسيح وكلّ واحد منكم عضو منه. والله أقام في الكنيسة الرسل أوّلاً والأنبياء ثانيًا والمعلّمين ثالثًا..."[13]. الكنيسة مؤسّسة إلهيّة وإنسانيّة في آن معًا، فالإنسان يجد في الكنيسة النور والغفران والنعمة للتسبيح بمجد الله، بما أنّنا نلنا ختم الروح القدس[14]، وهذه المؤسّسة هي فريدة في تصميمها، لأنّه تصميم إلهي، وفي قيامها لأنّ الله أقامها، فما علينا، نحن، أعضاء جسد المسيح، إلاّ أن نعمل لامتداد هذه الكنيسة الواحدة في تعليمها وإيمانها وعملها وأسرارها الإلهية...
نرى في الرؤيا أسماء لسبع كنائس[15]. وهي أفسسس، سميرنا أو إزمير، برغامس (برجما)، تياطيرة (آق حصار)، سرديس (عاصمة مملكة ليديا القديمة)، فيلادلفيا (اسم يوناني لعمّان)، اللاذقيّة (اسمها اليوم: إسكي حصار: واحدة في تركيا وواحدة في سورية)[16]؛ وهذا ليس معناه، أنّ هذه الكنائس منفصلة عن بعضها، أو كلّ منها تعلّم تعليمًا مغايرًا للأخرى، لا، بل إنّها كنيسة واحدة مهما اختلفت الأسماء، وهي كالأبرشيّات في يومنا، وما تعلّمه الواحدة هو ما تعلّمه الأخرى (التعليم الارثوذكسي واحد في كلّ أصقاع الأرض). ألم يقل بولس "لو بشرناكم نحن أو بشركم ملاك من السماء بخلاف ما بشرناكم به، فليكن ملعونًا... إن بشرّكم أحد بخلاف ما تلقيتموه، فليكن ملعونًا"[17].
إنّ الله قد أعدّ خطّة طويلة المدى، إذ سار بالعالم خطوة خطوة، ليجمع شمل أبنائه المشتتين[18]؛ فالكنيسة هي جماعة البشر المتمتّعين بالخلاص[19]، وهذه الخطّة قد رسمها الله قبل "إنشاء العالم"[20]، وجعلها لخلاص البشر...
إنّ الله، قبل أن يقع الإنسان في الخطيئة، دعا الإنسان ليعيش في جماعة، إذ ينمو ويتكاثر[21]، ويتمتّع بصداقة وثيقة مع الله[22]؛ لكن لمّا وقعت الخطيئة، أصبح آدم أبًا لبشريّة متفكّكة، فرّق البغض والحسد بينها[23]، بدلاً من أن يكون أبًا لشعب متآلف يعيش مع الله، فهربت البشريّة المتفكّكة من وجه خالقها[24]. لذلك كان لا بدّ من آدم جديد[25]؛ وآدم الجديد هذا يؤسّس خليقة جديدة[26]. فإنّه، مع الخليقة الجديدة لا ينفع الختان ولا عدمه، بل إنّ ما ينفع [read]هو أن يكون الإنسان خليقة جديدة، والسلام والرحمة على من يسلك هذا السبيل[27]... هذا ما علينا أن نكونه...[/read]
[/frame]
[1] أفسس 2/20.
[2] 1 بطرس 2/5-6.
[3] 1 قورنثس 6/19.
[4] 1 قورنثس 10/17.
[5] عبرانيّين 9/24.
[6] غلاطية 3/28.
[7] متّى 18/20.
[8] راجع أفسس 2/13-16.
[9] متّى 28/ 19-20، وراجع مرقس 16/15-20 ولوقا 24/48-49 وأعمال 1/8.
[10] رؤيا 19/7.
[11] رؤيا 19/7-9.
[12] روما 12/4-5.
[13] 1 قورنثس 12/27-28.
[14] أفسس 1/12-14.
[15] رؤيا ¼.
[16] رؤيا فصل 1 و2.
[17] غلاطية 1/8-9.
[18] يوحنّا 11/5.
[19] أعمال 2/47.
[20] أفسس ¼.
[21] تكوين 1/27-28 وتكوين 2/18 وتكوين 9/1-2.
[22] تكوين 3/8.
[23] تكوين 11/8-9.
[24] تكوين 3/8 و4/14.
[25] 1 قورنثس 15/45 وكولسّي 3/10-11.
[26] 2 قورنثس 5/17-18.
[27] غلاطية 6/15-16.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات