من شهداء الإيمان في العصر الحديث
الأب جورج كالسيو
من رومانيا
الراعي والمعترف
بقلم الراهب رياسافور الأدرياني
![]()
الأب جورج كالسيو
في 21 نوفمبر عام 2006، انتقل من عالمنا الفاني إلى عالم الخلود، معترفٌ عظيم في الكنيسة الأرثوذكسية، هو الأب جورج كالسيو(1) الذي رقد في الرب عن عمرٍ يناهز الثمانين، بعد إصابته بسرطان في البنكرياس، وبعدما قضى أكثر من ربع حياته في سجون رومانيا الشيوعية. لقد برز كشاهد على محبة الله وغفرانه ومقدرته على إقامة الإنسان من الموت، ذلك نتيجة ما اجتازه من خبرات.
في سنة 1997، كتبت مجلة: ”الكلمة الأرثوذكسية“ عددين، نشرت فيهما محاضرتين للأب جورج كالسيو عن خبرات سجنه. وقد أصدرت أيضاً ”أخوية القديس هيرمان“ كتاب الأب جورج الذي عنوانه: ”المسيح يدعوك“. أما هنا في هذا المقال، فنحن بصدد سرد شرح مختصر عن حياة الأب جورج، ووصف لأيامه الأخيرة التي بها نُكرم ذكرى انتقال هذا الأب المعاصر البار. وقد تم تجميع موضوعين ما زالا في ذاكرة العديد من أبنائه الروحيين، وأيضاً موضوعين آخرين يتم ظهورهما لأول مرة، الأولى: عظة للشباب المعاصر، وقد تم ترجمتها من اللغة الرومانية؛ أما الثانية: فهي عن ”الكنيسة الباطنية“.
وُلد الأب جورج كالسيو ديمتري في 23 نوفمبر سنة 1925 في ماهموديا - تولسيا - برومانيا، من أبوين تقيَّين هما ستيفن وإيلينا. وكان جورج هو الطفل الحادي عشر والأخير لهذه العائلة. وترعرع في ظل أسرة من الفلاحين القرويين.
لقد نقلت والدته لأولادها إيمانها العميق عَبْرَ صلاتها الحارة وثقتها في الله أن يحل كل معضلات حياتهم. وشجَّعه كاهن القرية ليُكمل تعليمه، حيث إنه الوحيد في كل إخوته الذي تعلَّم. ولما أكمل دراسته انتقل إلى بوخارست (العاصمة)، حيث تقابل مع حركة روحية تُعرف باسم: ”العلَّيقة المشتعلة“، تَجْمَع بين المستنيرين والإكليريكيين الذين تكرَّسوا لأجل صلاة يسوع.
وبعد سنتين من دراسته للطب في عام 1948، تمَّ القبض عليه بتهمة التنديد بالماركسية والشيوعية بصفتهما الفلسفتين الوحيدتين اللتين يتم تدريسهما في المدارس.
وخلال الستة عشر عاماً التالية، تنقَّل بين أسوأ سجون الشيوعية في رومانيا. وكان سجن ”بيتشتي“، في ذلك الوقت، يتم فيه إعادة تأهيل ومحاولة خلق إنسان شيوعي جديد. وكان المسجونون يتعرَّضون لعذابٍ شديد حتى يُجبَرون على جحد كل ما يؤمنون به أو يحبونه من جهة الأسرة أو من جهة الله. وبمجرد أن تُحرز العذابات تقدُّماً في تغيير أذهان المسجونين، يصير هؤلاء المسجونون الذين تغيَّروا هم أنفسهم أداةً لتعذيب النزلاء الآخرين كخطوة نهائية في إعادة تأهيلهم.
ولا يوجد شخص يستطيع أن يحتمل حِدة هذه العذابات العنيفة. وكثير من المسجونين حاول الانتحار هروباً من الخطوة الأخيرة لهذا المنهج والتي لا يتحملها أحد. أما جورج فرغم نشأته التقية لم يكن مُعدّاً لأهوال ”بيتشتي“، فقد اضطر يوماً أن يقول لآخر: ”أنت تعرف جيداً أنك غداً ستنطق بما هو ضد الله، ولكن دقائق قليلة تقضيها في صلاة المساء تطلب فيها من الله أن يغفر لك ويُعينك، وإذا بكل الأمور ستسير بصورة حسنة جداً“.
ورغم العذابات غير الإنسانية، ورغم إنكار جورج لله، إلاَّ أن التجربة التي جازها أعانته ليُقرر معرفته التي لا تحتاج إلى دليل عن محبة الله للإنسان.
وبرغم تجربة التأهيل التي انتهت عام 1952، إلاَّ أن عذابات جورج استمرت في أفظع سجون رومانيا. وفي واحد من هذه السجون الذي يُدعى ”جيلافا“، حيث كانت زنزانته على عمق 20 قدماً تحت الأرض، تقابل جورج مع زميل له كان يحتضر يُدعى ”قسطنطين أوبريزان“. هذا الزميل أعان بإيمانه وشخصيته المسيحية نفوس زملائه النزلاء ليُنهض إيمانهم، حيث رأوا بأنفسهم في آخر أيام حياته، كيف أن جسده بدأ ينحل، بينما كانت روحه تتجلَّى على شِبه المسيح.
وبعد موت قسطنطين، تم ترحيل جورج واثنين من النزلاء الأحياء إلى سجن آخر، يُدعى سجن ”إيود“. وهناك تقابل جورج مع اثنين من الكهنة قد تم القبض عليهما، وقد قال عنهما جورج: ”إنهما قد أتيا لتعزية قلوبنا، قد جاءا إلينا بالمغفرة ولنتعزى بكلماتهما. وبهذه الطريقة، وشيئاً فشيئاً، شُفِيَت قلوبنا وأرواحنا، وعاد إلينا إيماننا“.
الزنـزانة التي سُجن فيها الأب جورج مع رفيقه قسطنطين، وهي تقع تحت الأرض
في عام 1964، أُطلق سراح جورج، مع عدم الترخيص له بالعودة إلى دراسة الطب. لذلك اتجه لدراسة اللغة الفرنسية.
وفي عام 1965، تزوج جورج من ”أدريانا دوميترياس“، وكانت باحثة بيولوجية، كان أخوها من ضمن النزلاء الذين سُجنوا معه.
وبعد سنوات قليلة من زواجه بأدريانا رُزقا بابن أسمياه ”أندريا“. وبعد ثلاث سنوات تمَّ قبوله ليُدرِّس اللغة الفرنسية وهو لم يُنه بعد دراسته.
وفي أثناء فترة سجنه، قرر جورج أن يُسلِّم حياته لله، ومِن ثمَّ قرر أن يُرسم كاهناً. وقد منعته الحكومة الشيوعية من حضور محاضرات المعهد اللاهوتي علانيةً، ولكن بفضل تدخُّل البطريرك جوستينيان، استطاع جورج أن يُكمل السنوات الأربع من دراسته اللاهوتية بنجاح قبل أن تكتشف ذلك قوات الأمن السرِّية في رومانيا. وكان البطريرك قد عيَّنه أستاذاً للُّغة الفرنسية في المعهد اللاهوتي، وبهذا قد سُمِحَ له أن يُعلِّم في المعهد. وفي 30 يناير سنة 1973، تم رسامته كاهناً.
وفي المعهد اللاهوتي تجمَّع الطلبة حوله، إذ كانوا في الأمسيات يُصلُّون ويدرسون الكتاب المقدس ويتناقشون. وتدفقت أعداد كثيرة من الطلبة من أقسام أخرى ليستمعوا للأب جورج من خلال هذه الاجتماعات غير الرسمية. وبدأت شرارة الإيمان تضطرم، بينما توافدت الأخبار إلى القوات الأمنية عن مدى انتشار الإيمان، فأمرت هذه القوات بتوقُّف هذه الاجتماعات. ولكن بالرغم من ذلك، استمرت هذه الاجتماعات حتى عام 1978، حيث ألقى الأب جورج في ربيع هذا العام (1978) سبع عظات ذائعة الصيت موجَّهة للشباب. وفي هذه العظات، أدان الأب جورج بشدة الفلسفة الوجودية والفلسفة الشيوعية الإلحادية. وبعد فترة وجيزة، تمَّ فصله من التدريس في المعهد اللاهوتي، ثم تمَّ سجنه للمرة الثانية.
وقد أوضح الأب جورج في خطاب مفتوح، الأسباب التي أدَّت إلى اضطهاده، وقد أوجزها في النقاط التالية:
- طلبه التبشير بالحرية دون تحفُّظات.
- اعتراضه على تدمير الكنائس.
- مناداته بحق المسيحيين - كباراً كانوا أو شباباً - في الدخول إلى الرهبنة؛ وهو ما كانت ترفضه السلطات الحكومية.
لقد قُدِّم الأب جورج إلى المحاكمة وتعرَّض لحكم الإعدام بتهمة ”كشفه لأسرار الدولة“، وذلك من خلال عظاته السبع. ولكن فيما بعد تمَّ تخفيف حكم الإعدام إلى الحكم بسجنه عشر سنوات.
أثناء فترة سجنه، عومل معاملة قاسية، وذلك في سجن (إيود)؛ حيث دبَّر القائمون على إدارة السجن محاولة قتله بالجوع وبالبرد وبالإرهاب. وفي هذا الصدد يقول الأب جورج: ”هذه المحاولة التي دُبِّرت لقتلي بدأت في 20 يوليو عام 1980 ولمدة 10 أيام. ثم تمَّ عزلي في مكان ليس به نوافذ ولا يدخل فيه هواء، ولا أمتلك فيه سوى معطف ممزَّق وبلا أزرار وزوج من السراويل القصيرة المتهرِّئة بدون منطقة. وكان الطعام يُقدَّم لي كل ثلاثة أيام. أما عندما يحل المساء، فيتم وضع لوح خشبي للنوم عليه لمدة 6 ساعات فقط. أما الـ 18 ساعة المتبقية، فكان عليَّ أن أقضيها على الأرض الأسمنتية. وبعد 10 أيام أعادوني إلى وضعي الأول لمدة يومين، ثم عزلوني مرة ثانية لمدة 10 أيام أخرى. وقد استمرت لعبة الموت هذه أكثر من مائة يوم“.
وذات مرة وُضع الأب جورج مع اثنين من المجرمين العُتاة القَتَلَة، وكان قد سبق التنبيه عليهما من قِبَل القوات السرِّية بالتدبير لقتله. ولكن بدلاً من ذلك، فقد استطاع الأب جورج من خلال وداعته واتضاعه وصلاته التي لم تتوقف من أجل هذين المجرمين، أن يُحولهما ويُغيِّر حياتهما ليُقدِّما نفسيهما للرب. وفي أثناء هذه الفترة، أُنعِمَ على الأب جورج باختبار مُعاينة النور الإلهي.
ثم أخيراً، تم عزل الأب جورج تماماً لمدة 7 شهور، حيث بدأ يفقد تدريجياً القدرة على الكلام. وفي أثناء هذه الفترة، كان موضوع سجن الأب جورج قد بلغ صداه إلى الغرب، وذلك من خلال المنظمات العالمية المسيحية، ومنظمة حقوق الإنسان، عَبْرَ الرومانيين المنفيين؛ بما في ذلك المثقف المتدين ”بيرسيا إلياد“، والكاتب المسرحي ”يوجين يونسكو“ اللذين ندَّدا بسجن الأب جورج وطالبا حكومات الغرب بالضغط على الدكتاتور الروماني نيقولا شاوشيسكو لكي يُطلق سراحه.
كما أتى إلى رومانيا بعض رجال الكونجرس الأمريكي والرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، مُطالبين الرئيس شاوشيسكو بإطلاق سراح الأب جورج.
وفي أغسطس عام 1984، تمَّ إطلاق سراح الأب جورج بعد قضاء نصف مدة العقوبة. وفي العام التالي كان ما يزال الأب جورج تحت التحفُّظ وهو مُقيم داخل بيته، حيث كانت القوات السرِّية تحيط ببيته ولا تسمح إلاَّ لعدد قليل من الأقرباء والأصدقاء بزيارته. ولم يكن يُسمح له ولا لأسرته بمغادرة البيت إلاَّ لمزاولة العمل أو الذهاب إلى المدرسة أو الكنيسة، وكان هذا لا يتم إلاَّ بعد أخذ تصريح بذلك من رجال الشرطة السرِّية. أما بالنسبة لممارسة مهامه الرعوية، فقد حُرم منها تماماً.
كان الدكتاتور الروماني شاوشيسكو يُدرك أن حرية الأب جورج وكرازته، تُهدِّد وجوده الشخصي، وذلك بسبب الضغوط التي كانت تُمارس ضد هذا الدكتاتور من قِبَل الحكومات الأجنبية لمطالبته بأن يتكفَّل بمنح حرية أكثر للأب جورج.
وفي أغسطس عام 1985، تمَّ طرد الأب جورج مع أسرته من رومانيا. وبعد أن توقَّف الأب جورج لفترة وجيزة في روما، أكمل طريقه إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
(يتبع)
( عن مجلة: The Orthodox Word
No. 255,2007, Platina, Ca., USA)
الاشراف : الجزء الثاني من هذا الموضوع : http://www.orthodoxonline.org/forum/...ead.php?t=5460

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس

...... سعدت كثيرا" أن الموضوع أفادكم .gif)
.gif)

المفضلات