"إلهي، إلهي، أنظر إليّ لماذا تركتني؟"
الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي
هذه الصرخة المخيفة التي تصدر عن معاناة وعذاب ذهني وعقلي وتُذهل الكيان البشري بكامله، ليست إلاّ تعبيراً عن الهجران الروحي الكامل والخبرة الجسدية الروحية لما يعانيه الإنسان عند انفصاله عن الله. هذه لحظة اليأس المطلق. فلم نعُد نشعر بحضور الله، ولكن يسوع بقوّة الثقة الإلهية وبقوّة ارتباطه بالله يعلّمنا أن نصرخ ونعبّر له عن احتياجنا المطلق إليه. لقد جاز يسوع واختبر وذاق تركَ الله الكامل له، حتى يكون الضمان الأكيد لحضوره ووجوده الدائم معنا. هذه الصَّرخة تزعزع ثقتنا بإيماننا وتبدو غريبة ولا تناسب شخصاً هو ابن الله. "أنا في الآب والآب فيّ". (يو14: 10) ولكن بهذه التجربة القاسية التي يعانيها المسيح المائت بجسده على خشبة الصليب يصير أخاً وقريباً من كلّ معذّب ومن كل مجرَّب. يتحدّى التجربة، وفي قمة الجحود والهُجران والعذاب يتوسّل إلى الله ويردد كلمات المزمور (21: 1). "إلهي، إلهي لماذا.....؟" هذا السؤال المؤلم يوجّه إلى الله مراراً كثيرة. وهناك تساؤل بشريّ: إن كان إلهنا صالحاً ومحبّاً للبشر وشفوقاً، لماذا يعيش البعض في الحزن والعذاب والبؤس؟ لماذا السرطان؟ لماذا المجاعات، لماذا الخوف؟ لماذا الأعاصير والكوارث الطبيعية؟ لماذا الأوبئة؟....لماذا....لماذا... والجواب لا يلاقي تفسيراً وحلاً منطقياً، إلاّ في سؤال يسوع: "إلهي، إلهي، لماذا...؟" فيسوع دخل في تجربة التجديف والتخلّي هذه عندما حمل أثقال خطايانا لكنه لم ييأس ولم يتزعزع إيمانه ولم يغب عن باله أنه في الآب موجود معه أزلياً لذلك صرخ إلى الله صرخة سؤال ومناجاة "إلهي، إلهي، لماذا...؟" وإن لم يكمّل بشفتيه كلمات المزمور من شدّة الألم والإعياء ولكنه حتماً كان يردّد بقية المزمور في ذهنه وقلبه. وكان يتأمل في كلمات المرنّم داود الذي يخبّر كيف استُهزىء بيسوع وجُدِّف عليه وتلقّى اتهامات كاذبة، وكيف اقتسم الأشرار ثيابه وسَقَوْه خلاًّ وكيف انحدر إلى الموت. ولكن المزمور الذي يُستهل بوابل من نغمات الحزن والخذلان ينتهي بألوان الرجاء والثقة المطلقة بمعونة الله "من بطن أمي أنت إلهي، فلا تتباعد عني..." (مز21: 8)، "أما أنت يا، رب، فلا تُقصي معونتك عني، بادر إلى نُصرتي" (مز21: 17).
وهكذا بالمِثل أتى الله لمعونة ابنه. والصّرخة الأخيرة لم تكن صرخة الترك والهجران ولكنها كانت "يا أبتاه، في يديك أستودع روحي" (لو22: 46). تلك التي تؤكد أنه لم يكن ممكناً أن يقع يسوع في هاوية العدم والفناء. ولم يكن الله إلا كما هو "أبوه" وكان موجوداً معه ويضبط بحكمة كل شيء. والذي حدث بالواقع أن المسيح "الذي لم يعرف خطيئة، صار خطيئة من أجلنا لنصير ثمن برِّ الله فيه" (2كو5: 21). وذروة آلام المسيح هي في خبرة الترك التي عاشها وهو على الصليب. هذا الترك هو الجحيم عينه. فالمسيح في تلك اللحظات يذوق آلام الجحيم الذي يدخل فيه الإنسان بسبب الخطيئة. ويدخل باختياره في خبرة الموت الروحي ويموت مستسلماً لمشيئة أبيه كما لو كانت خطيئة الإنسان هي خطيئته الشخصيّة. فقد وجد نفسه بالإنسان وشارك في انفصال الجنس البشريّ عن الله نائباً عنه. وصوت المسيح وهو على الصليب هو صوت كل خاطئ منّا "لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس، ويُعتق أولئك الذين خوفاً من الموت، كانوا كلّ حياتهم تحت العبودية" (عب2: 14-15).
نشكر الله بسبب هذه الصرخة البشرية. فهو القادر وحده أن يدخل في هذه الآلام وأن يصرخ شاكياً بلساننا إلى الله بالصلاة. فهو يَفهمنا وأجاب بآلامه عن أسئلتنا كلّها التي نطرحها في ساعة الضّيق والتّخلي: "لماذا؟". فالذي يحدث لنا، سبق وذاقه بجسده وروحه يسوع المسيح ربنا فلماذا لا نريد – نحن الخطأة – أن نذوق ما ذاقه؟ لماذ لا نريد أن نصارع؟ لماذا لا نريد أن نجاهد ونبقى قريبين من الله؟ إنه حاضرٌ تماماً حتى عندما يكون غائباً تماماً. "إن الله يعمل في كلّ الأشياء للخير للذين يحبّونه" (رو8: 28).
لقد نزل يسوع وهو على الصليب إلى المكان الذي ينزل إليه كل الذين يفقدون الله، وهناك أوجد يسوع ملء الحضور الإلهي، وهكذا لم يعد من مكان لا يوجد فيه الله. وبعد هذا الترك الذي ذاقه عنا يسوع لن يتركنا الله أبداً حتى في أشد لحظات الحياة شرّاً فهو في لحظات الصلب والجلد والعذاب والتجربة الصعبة مشغولٌ في إعداد القيامة لنا نحن أولاده المحبوبين. فرجاؤنا كلّه في صرخة يسوع "إلهي، إلهي"، فيها قد تمّ دفع الفِدية. وأما خبرة الترك والخذلان الكامل الذي ذاقه يسوع والذي هو عقاب الخطيئة وجزاؤها، فقد كان من أجل أن لا يتركنا الله أبداً. "القصاصات التي بسبب خطاياي، إنما هي بعيدة من أن تحول دون خلاصي" (مز21: 1).
عندما أُخبِر أحد الآباء عن موت ابنه الوحيد والبارع جدّاً في كل مجالات الحياة، استدار نحو الكاهن وهو يصرخ بيأس: "أخبرني أيها الكاهن أين كان الله عندما دهس القطار ابني؟". فأجاب الكاهن: "كان الله في المكان نفسه الذي كان فيه يوم قُتل ابنه الوحيد معلّقاً على الصليب، لقد كان يُعِدُّ لقيامته من بين الأموات ومنذ ذلك الوقت فالله الآب يُعِدُّ قيامة لأولاده المحبوبين". فشكراً لله الذي أعدّ للبشر مكاناً بين ذراعيه بعد أن وضع أحمال خطايانا، لا في ميزان العدالة، بل في يديه المصبوغتين بدم المسامير. فلنخدمه باستمرار بطاعةٍ كاملة لمشيئته ولنسلّم حياتنا لعنايته ولنمت تحت "ذراعه الأبوية" (تث33: 27) "حتى يُبشَّرَ بالرب الجيلُ الآتي، ويُعلَن برّه للشعب الذي سيولد، الذي صنعه الرب".

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

.gif)

المفضلات