يقول القديس مار إسحق السرياني:
[اُدخل بشغف إلى ما داخل كنز بيتك الذي هو في داخلك، وسوف تُعاين الأمور التي في السماء، إذ ليس إلاَّ مدخل واحد وحيد إليها؛ أما السُّلَّم الذي يقودك إلى الملكوت فهو مُخبَّأ داخل نفسك. اهربْ من الخطية، واغطس داخل نفسك، ومن داخل نفسك سوف تكتشف الدرجات التي تصعد عليها]. (عن الميمر الثاني)
هكذا يكتب القديس مار إسحق السرياني. وهو يقصد أن يؤكِّد لنا أنه يوجد في داخل كل واحد منا، بيت كنز سرِّي. إنه الملكوت الباطني، وهو مُدهش في عُمقه وتنوُّعه. إنه موضع العَجَب والفرح، موضع المجد، موضع تتم فيه المواجهة والحوار مع الله. فإن غطسنا داخل نفسنا، فسوف يكتشف كل واحد منا الأبدية داخل قلبنا. من هنا يبدأ سلم السماء، حيث أنا كائنٌ هنا وفي هذه اللحظة. إنها بوَّابة السماء داخل كل واحد. هذا الملكوت الباطني، حاضر معي الآن، ولكنه - في نفس الوقت - هو ملكوت الدهر الآتي. إنه الطريق المؤدِّي لكليهما. هذا السلَّم هو باختصار: الصلاة.
والصلاة هي استعلان الحياة الباطنية للمسيحي وللكنيسة، وهي الرباط الروحي لأعضائها مع الله الثالوث، وكل مؤمن مع كل المؤمنين. والصلاة لا يمكن فصلها عن الإيمان، فهي الجو الذي تعيش فيه الكنيسة، أو هي المتنفَّس الذي تتنفَّس من خلاله الكنيسة. والصلاة هي الرباط الذي يربط النسيج الحي لجسد الكنيسة كله، والذي يتغلغل في كل جزء منه. رباط الصلاة يتغلغل كل جسد الكنيسة، بحيث يقود كل جزء فيه إلى الحياة المشتركة للجسد، فيُحيي كل جزء فيه، ويُغذيه، ويُطهِّره، حسب قول القديس بولس في رسالته إلى أفسس (4: 16): «فبه (أي بالمسيح) يتماسك الجسد كلُّه ويلتحم بفضل جميع المفاصل التي تقوم بحاجته» (الترجمة العربية الحديثة).
فالصلاة توحِّد كل عضو في الكنيسة مع الآب السماوي، وكل أعضاء الكنيسة التي على الأرض بعضهم مع البعض، وأعضاء الكنيسة على الأرض مع الأعضاء السمائيين. فرباط الصلاة لا ينقطع، بل بالعكس يزداد قوة ويتمجَّد في الملكوت السماوي.
وعن وصية الصلاة بلا انقطاع، تتكلَّم أسفار العهد الجديد هكذا: «صلُّوا بلا انقطاع» (1تس 5: 17)، «مُصلِّين بكل صلاة وطِلبة كلَّ وقت، في الروح» (أف 6: 18). والمسيح - له المجد - في إنجيل لوقا 18: 1 مكتوب عنه أنه: «قال لهم أيضاً مثلاً في أنه ينبغي أن يُصلَّى كل حين ولا يُمَلُّ».
وقد ترك لنا المسيح نفسه نموذجاً كاملاً للصلاة الشخصية، وهي الصلاة الربانية (لو 11: 2). فالصلاة هي:
أ - نمط حياة الكنيسة؛
ب - أداة أو وسيلة نشاط الكنيسة؛
ج - هي قوة غلَبَتها على قوى الشيطان والعالم.
والصلاة نوعان: ”صلاة جمهورية“، و”صلاة خاصة“. وهناك صلاة تُتلى بالكلام، وبالترنيم. وهناك الصلاة العقلية، وهي الصلاة الباطنية، أو هي صلاة الذهن في القلب.
ومضمون الصلاة:
أولاً: تسبيح لله، وتقديم المجد له؛
ثانياً: الشكر على بركاته وإنعاماته كل يوم؛
ثالثاً: التوسُّل إلى رحمة الله من أجل غفران الخطايا، ولطلب خيراته للنفس والجسد، سواء تلك السماوية أو الأرضية.
- والتوبة أمام الله قد تأخذ أحياناً شكل الحديث مع النفس، وتُسمَّى مناجاة.
وسواء صلاة العبادة الجمهورية أو الصلاة الخاصة، فالصلاة هي الوقوف أمام الله. وفي الصلاة ليس بالضرورة أن نسأل الله طالبين شيئاً، فقد لا تحتاج الصلاة إلى استخدام كلمات. فأعمق وأقوى الصلوات هي التي فيها يقف المصلِّي أمام الله في صمت وسكون الانتظار. وسواء كنا في صلاة العبادة الجماعية بالكلمات، أو بالأفعال الرمزية الطقسية والسرائرية، أو في صمت وسكون الانتظار؛ فالموقف الدائم هو: إننا واقفون أمام الله.
والوقوف أمام الله، هو في حدِّ ذاته مواجهة واجتماع بين شخص وشخص. والغرض من العبادة ليس مجرد إظهار المشاعر، بل الدخول في علاقة شخصية مباشرة مع الله الثالوث الأقدس.
وقد تكون الصلاة من أجل الشخص المُصلِّي، أو من أجل الآخرين. والصلاة من أجل الآخرين تُعبِّر عن المحبة المتبادلة بين أعضاء الكنيسة. ومن حيث إن المحبة، كما يقول القديس بولس الرسول: «لا تسقط (أو لا تزول) أبداً» (1كو 13: 8)، فإن أعضاء الكنيسة على الأرض ليس فقط يصلُّون بعضهم من أجل البعض، بل أيضاً وبحسب ناموس المحبة المسيحية، فهم يصلُّون أيضاً من أجل الذين رحلوا وانتقلوا إلى الكنيسة التي في السماء. وكذلك وبنفس الناموس، فإن الأعضاء الذين في السماء يصلُّون من أجل أولئك الذين على الأرض، ومن أجل رقاد إخوتهم الذين على الأرض المحتاجين إلى معونة صلواتهم.
ونحن - أنفسنا - أيضاً نلجأ إلى الذين هم في السماء بالتوسُّل لأن يصلُّوا من أجلنا ومن أجل إخوتنا. وفوق هذا الرباط الذي بين السمائيين والأرضيين، هناك أيضاً الملائكة المُوكلون بحراستنا وصلواتنا إليهم لكي يُعينونا في جهاد خلاصنا، فهم «... أرواحاً خادمة مُرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص» (عب 1: 14).
إن قوة الصلاة من أجل الآخرين أكَّد عليها البشيرون والرسل في أناجيلهم ورسائلهم كثيراً. فالمخلِّص يقول للقديس بطرس الرسول: «طلبتُ من أجلك لكي لا يَفنى إيمانك» (لو 22: 32). والرسول بولس كثيراً ما كان يُناشد المسيحيين أن يصلُّوا من أجله: «لأني أرجو أنني بصلواتكم سأُوهَب لكم» (فليمون 32)، «أيها الإخوة صلُّوا لأجلنا لكي تجري كلمة الرب وتتمجَّد كما عندكم أيضاً، ولكي نُنقَذ من الناس الأردياء الأشرار» (2تس 3: 2،1).
وحينما كان القديس بولس بعيداً عن شعبه في روما، فإنه كان يطلب من تلاميذه أن يُشاركوه في الصلاة: «فأطلب إليكم أيها الإخوة بربنا يسوع المسيح وبمحبة الروح، أن تجاهدوا معي في الصلوات من أجلي إلى الله، لكي أُنقَذ من الذين هـم غير مؤمنين في اليهودية، ولكي تكون خدمتي لأجل أورشليم مقبولة عند القديسين» (رو 15: 31،30). والقديس يعقوب الرسول يُعلِّم شعبه: «صلُّوا بعضكم لأجل بعض لكي تُشفَوْا. طِلْبة البار تقتدر كثيراً في فعلها» (يع 5: 16).
أما القديس يوحنا اللاهوتي فقد رأى في رؤياه كيف أن في السماء 24 شيخاً واقفين أمام عرش الله، وقد خرُّوا أمام الخروف، ولهم كل واحد قيثارات وجامات من ذهب مملوءة بخوراً «هي صلوات القديسين» (رؤ 5: 8). هذه الصلوات ترتفع أمام الله كرائحة بخور زكية من القديسين إلى العرش السماوي.
هذه الصلاة والعبادة التي لا تنقطع ”نهاراً وليلاً“، أي التي صارت جزءاً من كياننا، يقول عنها القديس غريغوريوس اللاهوتي: ”تذكَّر الله أكثر مما تتنفَّس“ (العظة 27: 4)، كما تقول إبصالية السبت (في التسبحة اليومية): ”كل نَفَس أتنسمه، أُسبِّح اسمك القدوس، يا ربي يسوع المسيح مُخلِّصي الصالح“. فإن الصلاة هي أكثر مـن أساسية بالنسبة لنا، إنها صارت قطعة أساسية من نفوسنا، أكثر من أنفاسنا ونبضات قلبنا. لقد خُلقنا لكي نصلي. فالصلاة هي طبيعتنا الحقيقية، وكل شيء في حياتنا يجب أن يتحوَّل إلى صلاة. ?
منقول عن مجلة مرقس

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات