الأكثرية والأقلية
هناك من يحب أن يوجَد في عيون الناس, في تعزيزهم له, والقلّة تسعى أن تنوجد في عيني الرب ورضاه. هناك من يلح على أن يحترمه الناس في ما يظهر, في ما ينفق, وهناك من يسعى إلى أن يَحترم هو الناس في تهذيبه وانتباهه إليهم وخدمة لهم لا يبغي منها أجراً ولا شكوراً. هناك من يصدم ومن يجرح ويتعالى ويفرض جاهه وسلطانه, وهناك من يتوارى حتى يَعبُرَ غضب الرب ويحمل الآخرين في دعائه عندما يلاحظ أنه لا يستطيع النصح. هناك من يعطي عاطفة, وهناك من يطلب عاطفة ويعاتب ويقاطع إذا ظن في الآخرين تقصيراً. من الناس من ينوجد إذا نسوه, وأكثرهم ينوجد إذا وقَّروه ومدحوه والتفوا حوله. بعضهم يخاف الله, وأكثرهم يخيف. بعضهم يمارس سلطان الحب, وأكثرهم يمارس سلطان القوة. بعضهم غنيّ بفقره, وأكثرهم فقير بغناه. بعض يُحس أن اختفاءه اقتراب من الله. وأكثرهم يحس أن ظهوره يمكِّنه من الوجود. من الناس من يأكل كثيراً ويشرب خشية الموت, والقليل لا يأكل ولا يشرب خوفاً من الله. قلةٌ تصلي لإيمانها بالخلاص, وأكثرهم لا يصلي حقيقة وعميقاً لاكتفائه بذاته. قلة ترى الجمال في كل مكان, والأكثرون يرون القباحة عميمة. أكثرهم يكشف عورات الناس هرباً من عوراته, وقلة تستر العورات لأنها تعرف نفسها مفضوحة عند الرب. القلة عفيفة اللسان خوفاً من النميمة, وأكثرهم ينمّ لأنه لا يريد إصلاح نفسه. أكثرهم يغضب لأنه لا يحب, والقلة صامتة إذا أحبت. هناك من يعيش في ثورة عارمة يظن فيها أنه يثبت حقوقه, وهناك من يعيش بلطف دائم لاعتقاده أن اللطف يشفي النفس ويشفي الآخرين من توتر أعصابهم. الأكثرية تفلش نفسها إذ ليس عندها عمق, والعميقون يصمتون سعياً منهم إلى التوبة. الأكثرية تُغري لتتسلط, والقلة تعفُّ التماساً للرضا الإلهي, الأكثرية تريد أن يتحلق القوم حولها, والقلة تهرب من المجد. الكثيرون ينظمون الموائد السخية ليُقال عنهم أنهم كرماء, والقلة قليلة الولائم لأنها تكره الانتفاخ. الكثيرون يحسبون أن البذخ يُعلي من شأنهم, ومن لا يبذخ يوفِّر ماله للمحتاجين. الكثرة تعطي لتُعرف, والقلة تعطي ليعرفها الله. الكثيرون يناقشون ليُقال عنهم أذكياء, والأذكياء الحقيقيون يجادلون قليلاً. الكثيرون يبسطون معارفهم ليُقال عنهم أنهم يقرأون, ومن يعرف كثيراً أدنى إلى الحشمة من الكلام. الأكثرية يفتخرون بعائلاتهم والقول أنها عريقة, والقليل يعرف فضل الله عليه وعلى عائلته. الأكثرون يتحزّبون لعيالهم لأنهم يتحزَّبون لأنفسهم, والقلة تقول أن نسبها وضيع. معظم الناس قبائل ولهم حزازات القبائل, والقلة تلتمس اللطف الإلهي. الأكثرون يريدون علوَّ مقام في الدنيا, والقلة ترجو الصفح الإلهي لتنوجد في الملكوت فقط. الأكثرية مسطحة, والأقلية عميقة. الأكثرية تحيا بالوهم, والقلة تطلب الراهن. معظم الناس يحركها وهج الدنيا, والقلة تطلب وهجاً في السماء. الأكثرية أجساد, والقلة وجوه. الأكثرية تغتذي من الشهوة, والقلة تغتذي من التقشف. الأكثرية تافهة, والقلة تعيش في عالم المعاني. الأكثرية من الدنيا, والقلة من الله.

عن نشرة طرطوس العدد21 سنة 2004