[frame="15 98"]
--
-
لقد ولد لكم اليوم مخلصٌ هو المسيح الرب
أيها الإخوة : تُلقى علينا اليوم هذه البشرى الملائكية ، لتدعونا للدخول في هذا الخلاص الذي تجسد بالمسيح يسوع له المجد .
وهذا ليس حدثا قديماً طواه الزمان . اذ يقول لنا الـملاك اليوم ما قالـه للرعاة :
"لقد ولد لكـم الـيوم مخلص في مدينـة داود، وهو الـمسيح الـرب".
فاذا سمعنا اليوم هـذا الكلام ، لا نشعر بأن ماحدث آنذاك منذ اكثر من 2000 سنة قد انتهى ، ولكـن ندركُ بـأن حقيقة الخلاص والتجسد الإلهي حاصلةٌٌ اليوم ، لأن "الـمسيح هـوهـو امس والـيـوم والـى الأبـد "
ففي كل يوم يتجسد المسيح ما دام هناك أُناسٌ كمريم ، يكرسون حياتهم للرب ويقبلونه مخلصاً لهم . فالعيد في الكنيسة هو استرجاع للحدث الإلهي ، الذي تم في مغارة بيت لحم . والذي نستحضره الآن لنشترك فيه من جديد . والملاك يهتف بنا الآن ويقول : اليوم ولد لكم مخلص هوالمسيح الرب.
فإذا كان العيد استحضاراً للحدث الإلهي وقبولاً له ، فالسؤال هو كيف نفهم نحن هذا الحدث، وكيف نستقبل المولود اليوم ؟ . نحن لا نستطيع أن نغير ما جرى في التاريخ . فيسوعَ لم يولد إلاّ فقيرًا وغريبًا ومهدّدًا ، والإسطبل الذي نزل فيه نسميه مغارةً لنلطف المشهد ونخففَ من فظاعة ما اقترفته البشرية في استقبال يسوع . ولكننا قادرون على أن نأخذ مواقف جديدةً لم يأخذها كثيرون في ذلك اليوم .
السؤال الذي طرحه المجوس على هيرودوس هو : أين ولد المسيح ؟ وكان جوابه : لا أعلم
هذا السؤال أيضا ُُيطرح اليوم على كل واحدٍٍ منا في هذا البلد ، أين ولد المسيح في حياتنا اليوم؟ أين نجده ؟ أو أين نريده أن يولد ؟ أفي زينة الشوارع ، وموائد الصخب والسُكرِ ، أم في حفلٍ نربي فيه أطفالنا على انتطار ببا نويل وهداياه ، ونسيان يسوع الجائع والفقير والمريض الذي لا دواء عنده ولا طعام ! . مهم جداً أن يفرح أطفالنا بالهدايا والثياب الجديدة ، ولكن كم يكون عظيماً أن نربيهم على تحضير هداياهم ليقدموها لهذا اليسوع المحتاج المهمل في حياتنا . هناك بيوت كثيرة يولد فيها المسيح كل يوم ، ولا أحد ينتبه إليه ،
لأن القلوب مغلقة وغارقة في مسرات الدنيا .
والمجوس أيها الأحبة
يسألون هيرودوسيي لبنان أيضا ً، أي حكام لبنان ، سياسيي لبنان ، المسؤولين عن حياة الناس في لبنان ، يسألونهم : أين هو الطفل المولود ؟ أرأيتم مرةًَ أو علمتم أن هناك طفلاً مسيحاً قد ُوِلد اليوم في برية لبنان ، في أكواخِ لبنان ، أيعرف هيرودسيو لبنان أن هناك جياعٌ وفقراء ومشردون وعراة بلا مأوى ، يولدون كل يومٍ في لبنان ؟ أسمِعَ حاكمونا بكاء طفلٍ فقيرٍ لا مأوى له ولا هدية عيد ؟ ، أيعرف حاكمونا أن هناك بيوتاً ُترتَهن وأعراضاً ُترتَهن ، ومؤسساتٍ ُترتَهن ، وجيلٌ من شباننا صار حلمه الرحيل ، وطموحه وثيقة سفرٍ تحمله إلى أرضٍ غريبة ليس فيها هيرودساً جديد .
أيها الإخوة:
الفقراء المحتاجون للرغيف والطبابة وفرص العمل والعدالة والمساواة أمام القانون . هؤلاء هم الأكثرية في بلادنا اليوم ، الذين لا يذكرهم الحكام إلا في خُطبهم السياسية والإنتخابية ، ولا يرونهم أكثرية إلا في المظاهرات و الإعتصامات ، والزعماء والسياسيون يعدونهم بالحل حين يمسكون بالحكم ، وينسونهم عند توزيع المناصب والحصص . هؤلاء المساكين في بلادنا هم صورة المسيح المشرد المتروك بلا دولة ترعاه .
† من أجل هذا الشعب المقهور ولد المسيح ، ليكون لهم تعزيةً ، وليعلموا ان لهم إلهاً منهم ومثلهم ، ليس من يفتح له باباً . إلهٌ منسيٌّ على أرصفة المدينة ليس هناك من يمد له يد العون.
† كثيراً ما نقضي وقتاً بإنتقد يهوديّيِ ذلك الزمن ، الذين إرتضوا عن قصدٍ أو بغير قصدٍ ،
أن يولدَ المخلصُ في مغارةٍ وخارج بيوتهم .
ولكن الأهم أن نسأل أنفسنا : أين نريد نحن اليوم أن يولد المسيح ؟ أمستعدون أن نقبله في وسط عائلتنا وبيننا ؟ أنفتح له قلوبنا لتصير ملكه ويسكن فيها على الدوام ؟ .
المجوس وجدوا المسيح و سجدوا له وقدموا هدايا ، وأما نحن فأين نجدهُ وأين نسجد له ؟ أفي غير الكنيسة ،! وهي الهيكل الذي يطل علينا منه ؟
أم السجودُ هوعلى الموائد المتخمةِ بالمأكولات والسهرات الصاخبة وتبذير المال بالقمار والزينة الفاحشة . حيث ينتهي فيها الساهرون مخمورين ليستفيقوا في اليوم الآخر ويدركوا عندها ، أن هناك من نسوا أن يدعوه إلى فرحهم، وكان هذا المنسيّ هو يسوع .
تزداد الخطيئة في حياتنا ، بسبب عدم الإحساس بوجود الله بيننا، وسكناه فينا . لم يصر المسيح إنساناً لينحصر في جسد يسوع الناصري إبن مريم ، بلً ليصيرَ كلُ إنسانٍ يسوع . ومِن حينه يحُلُ يسوع و يقيمُ في لقاء المحبة ، وفي سلام القلب إلى القلب ، يسوع يولد في سلام العائلة ومصالحة الإخوة ، المسيح يجيء من شمعة يضيؤها قلبُ مؤمنٍ ، ومن أيادٍ طاهرةٍ ترتفع بالصلاة ، ومن دمعة تائبٍ منطرحٍ ساجدٍ يُدرِكُ أن له إلهاً يولد ويصلب ويموت من أجله في كل حين.
أيها الإخوة :
ميلاد المسيح هو ميلاد كل منا ، ولد ليملأ حياتنا رجاءً وقلوبنا تعزيةً . ولكي يسكن فينا . فلنفرغ القلب من كل شهوةٍ لسواه ، ومن كل ما احتل نفوسنا من محبة الدنيا والخصام ، وليتصالح الإخوة والأخوات والأصدقاء والعائلات ، لأن في هذا صلحٌ مع المسيح ، الذي أحبنا جميعاً وصالحنا بجسده ، ليجعلنا واحداً وينزع من قلوبنا كل فرقةٍ وخصام . وبالرغم من كل ما يجري في بلادنا ، فنحن جماعة نحيا على الإيمان والرجاء والمحبة ، التي بها نتضرع لإلهنا الذي ولد متواضعاً في مغارةٍ ، أن يزرع تواضعه في قلوب حاكمينا ووسياسينا ليتخلوا عن الأنانية والتسلط وحب الرئآسة والكلام البطال ، وأن يعزي قلوب المقهورين والمنسيين وأن يغسل قلوبنا بشعاع نور مجده ويرفع عن وطننا كل شدةٍ وضيق ، ويبعد عنا الشققات والفتن ، لننعم بالطمأنينة والسلام .
إذهبوا على هذا الرجاء ، وازرعوا السلام بين الناس ، ليعلموا أن المسيح ولد حقاً ولد . ومجدوا الله الذي نزل من الأعالي وسكن قلوبكم ، ولتحل مسرة الرب عليكم من الآن وإلى دهر الداهرين آمين .
عيد التجسد الإلهي
2006
وهي صالحة حتى اليوم
خادمكم
† الأب بطرس

[/frame]
المفضلات