المعمودية ومعانيها الرمزية
إن دور الرمز هو أن يربط ويضع علاقة بين الناس . وكذلك الدخول في الجماعة المسيحية يحدث أثر عدد كبير من الرموز الغنية بمعانيها المتنوعة التي تعطي هذه الجماعة هويتها وطابعها .
من خلال هذا البعد الرمزي – خاصة الغطس في الماء – سنحاول أن نكشف معاني سر العماد ، ولنعد قليلاً إلى العهد الجديد لنرى كيف كانوا يمارسون العماد في الجماعات المسيحية الأولى . لانه ، والحق يقال ، ليس طقساً خاصاً بالمسيحيين وله من المعاني المختلفة ما يجعله حاملاً لاتجاهات عديدة ، وذلك لما للماء من قيمة كونية شاملة في كل أنحاء العالم. المهم إذاً هنا أن نحدد معنى العماد بالنسبة لنا نحن المسيحيين . لذلك نطرح هذا السؤال : ماذا قصد يسوع من العماد وماذا كان يعني بالنسبة للجماعة الأولى ؟
أ : من عماد يوحنا إلى العماد المسيحي :
لم يخترع يسوع طقس العماد ، بالعكس هو أيضاً أنحنى أمامه . وكذلك تلاميذه ، أي أنهم قبلوه من تقليد سبقهم ، و( المعمدان) صفة لم ترتبط بيسوع ولكن بيوحنا . ففي ذلك الزمان كانت طقوس الماء كثيرة في اليهودية غايتها كلها إستعادة الطهارة الأولى القانونية . وأحد هذه الطقوس المجلب للأنتباه هو طقس تعميد الدخلاء ، أي أنهم كانوا يعمدون الوثنيين الراغبين في التهود . وهذا الدمج كان يحدث عن طريق الختان والتعميد . ويعتقد أن طقس التعميد هذا أقدم حتى من يوحنا المعمدان . لكنه لم يكن يعني بالنسبة للدخيل أكثر من تطهيره من دنس الوثنية .
ماذا كان العماد يعني بالنسبة ليوحنا ؟ إن لهذا السؤال أهميته ، لأن يسوع وتلاميذه في الفترة الأولى مارسوا هذا النوع من العماد (يوحنا3: 22-24) وإن أرتبط العماد المسيحي بالروح القدس وبالعنصرة فلا يمكن إذاً أن يكون موجوداً قبل القيامة .
إن ما يتميز به عماد يوحنا(مرقس 11: 3. ،لوقا7:29 ،رسل1: 22، رسل8: 28) هو صلته الوثيقة بشخصية يوحنا . فالعماد هو دائماً نحو شخص آخر ، إذ لا يمكن للإنسان أن يعمد نفسه . ويوحنا هو الذي يعمد . أي انه يأخذ المبادرة .
أما لماذا عمد يوحنا ؟ فالجواب بالنسبة له هو أنه إعتبر نفسه نبي الأزمنة الأخيرة التي ستفتتح ، وأن الله سيتدخل بصورة حتمية ، وأن نبؤة حزقيال قاربت أن تتحقق : سأنضح عليكم ماءً طاهراً فتطهرون .. وسأعطيكم قلباً جديداً ( حز 36 : 25 – 26 ) . لقد شعر يوحنا أن الله أرسله ليعد الطريق لمجيء الله ( مرقس 1: 3) وأن عماد الماء ليس سوى علامة تحضير قبوله . يعني التوبة الجذرية لدى المعمد . لذلك كان يطالب باعتراف بالخطايا وعودة إلى الله وحياة أخوية عادلة ، إنها الفرصة الأخيرة ، ولذلك لن يتكرر هذا العماد أيضاً .
صفة أخيرة أمتاز بها عماد يوحنا : أنه يعطى للجميع دون تفرقة للعشارين والعسكر والوثنيين واليهود . لكن هدف هذا العماد ليس فردياً أنه جماعي ، ولذا فهو يعطى أيضا جماعيا فالمطلوب هو تكوين شعب مستعد لاستقبال الرب الأتي وكل معمد يدخل في جماعة الساهرين للمسيح.
أخيرا شعر يوحنا إن عماده مؤقت ، وان عليه أن يترك المجال للعماد الثابت ، عماد يسوع .( يأتي بعدي من هو أقوى مني ، أنا عمدتكم بالماء، واما هو فيعمدكم بالروح القدس ) مر 7:1 .ان يوحنا في عماده يضع الأسس الحقيقية للعماد المسيحي . أي إن الذي يعمد هو البادئ ، وان للمعتمد معه علاقة مباشرة ( في المسيحية المسيح دائما هو الذي يعمد ) وهذا العماد هو علاقة توبة جذرية غير قابل للتكرار . علامة معطاة للكل دون تفرقة ، تشد الجماعة وتوحدنا في أيمان خاص وعهد مشترك .
هكذا إذا بعد العنصرة عندما سيكرز الرسل قائلين : (عليكم أن تعمدوا ). لن يحتاجوا إلى شرح معنى العماد ، لأنه موجود ومفهوم ، لكن معناه بعد المسيح سيأخذ بعدا آخر . لم يعد العماد مؤقتا . وقد بدا الزمن الجديد زمن القيامة واعطى الروح القدس ، وحضوره هو علامة الزمن الجديد .
ب : العماد المسيحي :
العنصرة : بدا العماد المسيحي بالعنصرة . وقد قص لنا لوقا ، كيف حدث ذلك . فقد أمر يسوع تلاميذه قبل صعوده . (ألا يغادروا أورشليم بل أن ينتظروا ما وعد به الأب وسمعتموه مني ، ذلك إن يوحنا قد عمد بالماء ،واما انتم ففي الروح القدس تعمدون بعد أيام غير كثيرة ) رسل 4:1 . وحدثت العنصرة .. وقام بطرس يشرح معنى ذلك الحدث . كيف تحقق تدبير الله وتم كل شيء . لقد تدخل الله في تاريخ البشر بواسطة يسوع بشكل نهائي . الأزمنة الأخيرة هي إذا هنا والعالم الجديد قد بدأ و(( يسوع هذا قد أقامه الله .. ورفعه بيمينه ونال من الأب والروح القدس الموعود به . فأفاضه وهذا ما ترون وتسمعون )) رسل 2: 32 .، فلما سمعوا ذلك الكلام تفطرت قلوبهم ، فقالوا لبطرس ولسائر الرسل : ماذا نعمل أيها الأخوة ؟ قال لهم بطرس : (( توبوا ، وليعتمد كل منكم بأسم يسوع المسيح، لغفران خطاياكم ، فتنالوا موهبة الروح القدس ...)) فالذين قبلوا كلامه أعتمدوا ، فأنظم في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس (رسل 2: 37 –41).
في هذا النص نرى بروز كل العناصر المكونة للعماذ المسيحي ...
أولاً : الحدث الأساسي ، أي فصح المسيح ( موته وقيامته ) يصبح واقعياً بواسطة عطية الروح . العماد إذاً هو اتخاذ موقف من هذا الحدث الذي أسس الكنيسة .
ثانياً : العماد علاقة دخول في شعب جديد بدأ منذ يوم العنصرة .
ثالثاً : صيغة العماد تعتمد على قرار شخصي ( يستقبل ) هذا الحدث أي إن الإيمان هو عبارة عن قبول الكلمة المعلنة .. الإيمان هو توبة أي إنه اهتداء إلى الله القادم نحونا .
رابعاً : هنا لدينا إذاً عنصران مهمان : الكلمة المعلنة وعلامة العماد التي تظهر مفعول هذه الكلمة كلاهما موجودان في النص .
الكلمة ( الكلام ) :
كل الأسرار المسيحية هي عبارة عن التقاء بين حقيقة بشرية رمزية مع كلام يعلن عطية الله بواسطة يسوع .
في العماد يدخل عنصر الماء . والماء ينقي ويغسل ويجدد ويحيي .. لكن هذه الحقيقة التي في الماء لا تكفي . الكلمة هي التي تعطي للسر بعده المسيحي ورموزه الخاصة ( الكلمة هي التي تحيي (لأننا لو حذفنا الكلام : أليس الماء سوى ماء ؟ وعندما يأتي الكلام ويضاف على العنصر المادي يتحول هذا إلى سر ، والسر هو مثل (الكلمة المنظورة) ))(القديس اوغسطينس) .
فبالكلام الذي يرافق طقس العماد يدخل الإنسان في علاقة من تاريخ الخلاص ، وقبل كل شيء مع الحدث المركزي لهذا التاريخ :ـ موت وقيامة المسيح ( طالع روما 6 : 3 ) .
في هذا النص الرائع وفي نصوص أخرى سيشرح بولس العماد بمثابة (انغماس ) في الموت مع المسيح والصعود منه كالقيامة إلى حياته الجديدة . وطقس عمادنا يعتمد على الكلام ليشرح هذا البعد الحقيقي للمشاركة في موت و قيامة المسيح ، وهذا ما حدث مرة واحدة من أجل كل البشر . أي أن المسيح مات مرة واحدة وبموته جعل للعماد فاعلية تشمل كل المؤمنين فتحييهم إلى حياة جديدة .
نرى إذاً إن هذا المفهوم قد تجاوز المعنى الرمزي الذي في الماء ، فقد صار العماد المسيحي أغنى من كل ما سبقه ، لأنه يرتبط بتاريخ الخلاص ويدخل في عمل الله . ولولا هذا الطابع التاريخي لتحول العماد إلى طقس سحري . فالتاريخ ماضي وحاضر ومستقبل ، والعماد ، والحالة هذه ، سيحمل مكتنزاً معاني جديدة وغنية ، نذكر منها :
- -ماء العماد : هو الماء الذي رفرف عليه روح الله يوم الخلقة الأولى ، إنه يشير إلى إن خليقة جديدة تبدأ الآن ( يوحنا 3 ) .
- -ماء العماد هو ماء الطوفان الذي طهر الأرض كم رجاستها وأعادها نقية لتبدأ عهداً جديداً ( 1 بطرس 3 : 2. )
- -ماء العماد هو ماء البحر الأحمر حيث عبر فيه الشعب نحو أرض جديدة ( 1 قو 1. : 1 )
- -ماء العماد ، إنه الماء الحي الذي خرج من الصخرة ليروي عطش الشعب في الصحراء .
- -ماء العماد هو ماء الأردن الذي تعمد فيه يسوع .
- -ماء العماد هو الماء الذي خرج من جنب يسوع على الصليب ليشهد لذلك الحب الذي بذل نفسه حتى الموت .
ونكرر ونقول إنه لولا عطية الروح القدس ( لأنه يجب على الإنسان أن يولد من الماء والروح ) لما تحقق ما يعلنه الكلام في طقس العماد .
لقد فهم آباء الكنيسة هذا الغنى في طقوسنا وتوجهت كتاباتهم وخطبهم إلى شرحها . كل ما كتبوه يؤول إلى المسيح الممجد ، واستطاعوا بذلك أن يصوغوا عواطف شعبنا وجملوا الاحتفالات الدينية بالرموز والمعاني .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات