الخطيئة والشرّ
والسنة 2009
سؤال يُسأل: هل من فرق بين الخطيئة والشرّ؟ لا شك أن الخطيئة، كلفظة، تُستعمَل، أحياناً، بمعنى الشرّ، ولكنْ، بالأكثر، ثمّة تمييز يُفَضَّل أن يُقام بين اللفظتين. الشيطان، مثلاً، لا يوصف، عادة، بـ"الخاطئ" بل بـ"الشرّير"، كما في الصلاة الربِّية: "نجِّنا من الشرّير". كلّ مَن يبتعد عن الله ويخالف وصاياه هو خاطئ. الخطيئة هي كل فعل، وبالإجمال كل حالة لا يرضى عنها الله. هناك الخطيئة كفعل وهناك الخطيئة كحالة. عندما تقول: "الإنسان يرتكب الخطايا" تقصد أفعال الخطيئة. ولكن قد تقول: "فلان عائش في الخطيئة" فيكون قصدك أنه يعيش في حالة الخطيئة. أما الشرّ فصفة قد تنطبق على خاطئ ما وقد لا تنطبق عليه. إذاً هناك خاطئ شرّير وهناك خاطئ غير شرّير. طبعاً للخطيئة، بعامة، مفاعيل شرّيرة بمعنى أنها، بما فيها من طاقة سالبة، تؤثِّر سلباً، بصورة واعية أو غير واعية، لا بمرتكبها وحسب بل بالآخرين أيضاً، والخليقة عامة، من حيث إنه ليس إنسان جزيرة، ولا هناك إنسان منفصل، كيانياً، عن الخليقة. لكن الخاطئ يتحوّل شرّيراً، بكل معنى الكلمة، حين يرمي، عن تصوّر وتصميم، إلى أذيّة غيره والأرض ابتغاء مكاسب خاصة أو إشباع متعة مريضة. الخاطئ يوجد، بعامة، مُعرضاً عن الوصية الإلهية، أما الشرّير فيوجد مقاوِماً ومحارِباً لله ومُفسِداً لخليقته. هذا حال الشيطان وأبالستِه. كذلك حال إنسان الخطيئة ابن الهلاك المقاوم والمرتفع على كل ما يُدعى إلهاً، الذي تتكلّم عليه الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي (3:2 – 4). وهذا، أيضاً، حال البشر الذين يحاربون الله ويُفسدون خليقتَه. هؤلاء يصيرون باقتبالهم هذا الفكر وسلوكهم فيه أبناء الشيطان ويصير الشيطان أباهم ومُلهمَهم ومُحرِّضَهم وشاحنَهم بكل روح خبيث وفكر جهنمي. الخطيئة تنشأ من ضعف، كأن يتشاره الخاطئ ويُكثر الكلام، عن إثبات ذات، ويكذب، عن خوف، ويقامر ويسكر ويتعاطى المخدّرات ويشاهد الأفلام البرنوغرافية... أما الشرّ فينشأ، في العمق، من حسد يعبِّر عن ذاته بنهج إلغائي، كأن يسعى الشرّير إلى تشويه سمعة سواه والتآمر عليه واختلاق التهم في شأنه وإثارة الآخرين ضدّه وتزوير الوقائع ذات الصلّة به وتحطيمه وصولاً إلى إزاحته من موقعه وإلغائه أو تدجينه واستغلاله. الخاطئ يستمتع باستهلاك نفسه وجسده، والشرّير يستمتع باستهلاك نفوس الآخرين وأجسادهم. الخاطئ إنسان ضمر فيه الحسّ، والشرّير تشوّه فيه. أعماق الخاطئ تبقى مائلة بيسر إلى الصلاح، لذا يكون قابلاً للتوبة بالآلام. أما أعماق الشرّير فقد فسُدت، لذا لا يكون قابلاً للتوبة إلا بالله. الأول، بشرياً، قابل لأن يعود من غيّه إلى نفسه، أما الأخير فلا مسعى بشري، في شأنه، يُجدي. الخاطئ كتلة ضعف والشرّير كتلة كبرياء.
أن تجد أشراراً في العالم ليس بغريب. هذا مؤلم ولا شك. كل يوم نعاني مفاسد الأشرار لا سيما في السياسة. ولكن لا آلمَ من وجود الأشرار، فيما بيننا، في كنيسة المسيح، الذين يجدّفون على اسم الله، في السرّ وفي العلن، لا بأقوالهم بل بأعمالهم. أقوالهم تبقى نورانية، في العادة، ليَسهُل عليهم أن يبرِّروا أنفسهم، في عيون نفوسهم والآخرين، حيث تدعو الحاجة. هؤلاء امتلأوا من أنفسهم لدرجة أنهم باتوا يتكلّمون، بيسر، باسم الله ويصنعون الموبقات وينشرون المفاسد ويحيكون المؤامرات ويحطِّمون مَن يقف في طريقهم، بلا حسّ ولا وخز ضمير. يعفّون عن البعوضة ويبلعون الجمل! هؤلاء، لا سيما متى كانوا في موقع المسؤولية، إذ تلاحظهم العامة تميل إلى الفساد والتراخي واللامبالاة وتشعر، بإزائهم، بأنها مبرَّرة ، أو تيأس أو تنصرف عن الإنجيل برّمته، إلا إذا عزّاها الرب الإله بوجهٍ، هنا وثمّة، تعاين فيه وجه السيّد وتلاحظ فيه قبساً من روح الله، يجعلها تقتنع بأن يسوع لا زال في بعض النفوس مقيماً، ولمّا يمت، ولو كادت الظلمات أن تملأ الأرض والكنائس!
منذ أيام دخلنا السنة 2009. هل من جديد تحت الشمس؟ الله أعلم! يعرف الله الذين له في القلب. فقط نلاحظ في أعماقنا كثافة من الظلمة وكذا وجوهاً، فيما بيننا، مقيمة في عتاقتها لا تكفّ عن التكلّم في الجدّة والإنجيل وكأن الأرض بنا سماء. يا لَهذا المبلغ الذي بلغه العمى فينا! ويحي من ينقذني من جسد الموت هذا؟! هل بلغنا حدّ اللاعودة من كثرة ما احتفّت بنا الظلمة في قلوبنا والعالم؟! الإيمان بيسوع بات عملة نادرة. نؤمن بكل شيء أكثر مما نؤمن بيسوع. أنخاف الله بعد؟! لعمري نحن نخاف الكلاب أكثر مما نخاف الله! تكلّم يا بولس! أما زالت هناك زاوية بإمكانك أن تتربّع فيها لتكلّمنا عن الإيمان والمحبّة والخلاص والصليب؟! طبعاً كثيرون في سنتك يقرأونك ويكتبونك ويسمعونك بآذانهم، ولا غرو فأنت لديهم رجل فكر من الطراز الرفيع. ولكنْ هل يسمعونك بقلوبهم؟ هل يتتلمذون عليك في روح ربك الذي تكلّمتَ فيه؟ استعر يا بولس مصباح ديوجين وسر في شوارعنا، في ليلنا الداكن، وابحث لنا عن وجه على قلبك وعلى قلب ربك واكشفه لنا حتى نسير في إثره ولا نضلّ في مناخ الإرتداد الكبير هذا. "هذا الشعب يعبدني بشفتيه أما قلبه فمبتعد عني بعيداً". حفرتَ، في زمانك، أبار المحبّة لتروي العطاش بالمياه الفوقية لما صدحتَ:"المحبّة تتأنى وترفق. المحبّة لا تحسد. المحبّة لا تتفاخر ولا تنتفخ ولا تقبّح ولا تطلب ما لنفسها ولا تحتدّ ولا تظنّ السوء ولا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق. وتحتمل كل شيء وتصدّق كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء. المحبّة لا تسقط أبداً" (1 كو 13). لكن الآبار تشقّقت (إر 2) ولا ماء بعدُ فيها. فقط أطلال وكثبان رمال وكلام كثير! الناس قلّما يشعرون بأن شيئاً تغيّر. ألِفوا الفساد. يشعرون بأنهم بألف خير. الكنائس تُشاد والكتب تُطبَع والمحاضرات تُعدّ والأنشطة على قدم وساق. ولكن لا خبز في المعجن. لا محبّة بعدُ تذكر بل كلام وعواطف فارغة. قبليّات! عصابات! كل يَلقى نفسه، في العمق، وحيداً! في الداخل فراغ وعتمة. ضدُّ المسيح تتنشّأ روحه في ربوعنا ولا حسّ بالإستقامة بعد أو يكاد. فقط قطيع صغير يأوي إلى كهوف الأرض وقفارها. الزانية تتربّع على العرش وخدام المعبد وشعوب الأرض يحتفّون بها. لذا لا جديد يُشرف علينا إلا لماماً في السنة 2009! كله سائر إلى الوراء، إلى العتيق! تبارك الله رغم كل شيء!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
المفضلات