دير القدّيسين أوغسطين وسارافيم ساروفسكي في تريكورفو، فوكيذا، اليونان
أجرى الحوار الأب أنطوان (ملكي)
دير القدّيسين أوغسطين وسارافيم ساروفسكي في تريكورفو وسط اليونان تابع لأبرشيّة فوكيذا. ما كنّا لنسمع بهذا الدير لولا الأخبار التي قرأناها على صفحات الإنترنت عن رهبان أرثوذكسيّين يغنّون الروك وهذا ما يثير الاستغراب إذ للوهلة الأولى هو خروج عن التقليد الأرثوذكسيّ. رئيس الدير هو الأرشمندريت نكتاريوس ميليتسيوتيس، كاتب عدد من الكتب اللاهوتيّة الملتزمة، وهذا ما زاد من استغرابي فقرّرت زيارة الدير عند أوّل سانحة.
يقع الدير على مقربة من مدينة نافباكتوس الغنيّة بالأديار على قمّة جبل يلفّه الاخضرار الذي يمتدّ إلى بحر كورنثوس. في الدير جرسيّة من ستّين جرسًا مبنيّة على شكل جرسيّة كنيسة الحكمة الإلهيّة (أيا صوفيا) في القسطنطينيّة. لا تقرع هذه الأجراس إلاّ عند عيدي الدير (عيد الطوباويّ أوغسطين وعيد القدّيس ساروفسكي) وفي الأعياد السيديّة.
وصلت إلى الدير من دون موعد ولم يكن الرئيس موجودًا، فاستقبلني الشمّاس المسؤول عن الضيافة، ولمّا عرف أنّي من لبنان أطلق الجرسيّة احتفاءً. بعد تعارف قصير كان لنا هذا الحوار.
- قد لاحظنا أنّ أغلب الأبنية حديثة البناء بغضّ النظر عن نمطها. متى تأسّس هذا الدير؟ وكم هو عدد الرهبان؟
هذا الدير موجود منذ العام 1993 وعددنا 11 مع الأب الرئيس.
- لماذا اخترتم القدّيس أوغسطين شفيعًا؟
الواقع أنّه قبل وجود الدير كانت في هذا المكان كنيسة صغيرة على اسم القدّيس أوغسطين. بعد نشوء الدير تمّ توسيع الكنيسة. حافظنا على الاسم. أمّا القدّيس سارافيم ساروفسكي فمعروف ومحبوب كراهب في العالم الأرثوذكسيّ.
- رأينا عددًا من الأبنية والملاعب الرياضيّة بالقرب من الدير فما هي وجهة استعمالها؟
نحن نستضيف في الصيف مجموعات من الفتيان والشبّان الذين يقضون فترات بين الأسبوعين والشهر يتبعون خلالها برنامجًا محدّدًا من الصلوات والأحاديث والنشاطات الرياضيّة والفنّيّة والثقافيّة. هذه الخبرة بدأناها منذ سنوات وكانت قدرتنا محدودة على استيعاب عدد قليل في كلّ مجموعة. اليوم صار لدينا هذا البناء الذي يستوعب ستّين شخصًا. هذه اللقاءات الصيفيّة أعطت نتيجة حسنة إذ في بادئ الأمر كان كلّ المنضمّين إليها من أبناء العائلات الملتزمة ومن مجموعات التعليم الدينيّ، اليوم صار يأتي إلينا شبّان من عائلات غير ملتزمة، أو ممّن كانوا غير ملتزمين، وصرنا نلمس تغيّرًا في علاقتهم مع الكنيسة.
- ما هو دور الرهبان في هذه اللقاءات؟
لكلّ منّا دور محدّد. المشاركون يلتزمون برنامجًا موازيًا لبرنامج الدير. الأب الرئيس هو المسؤول عن الأحاديث والاعترافات. كلّ من الرهبان الباقين ينظّم الأمور التي لديه خبرة فيها.
- هل وجدتم أنّ هذه اللقاءات تحسّن من تعاطي الشبّان مع الاعتراف؟
نعم تغيّر بحسب خبرتنا وبحسب ما يردنا من كهنة الرعايا التي يأتي منها هؤلاء الشبّان.
· أنتقل الآن إلى الكلام على غناء الروك الذي قدّمتموه. فقد عرفنا من وسائل الإعلام العالميّة أنّ عشرة رهبان من دير القدّيسين أوغسطين وسيرافيم ساروفسكي قدّموا أغاني روك خلال حفلة في أثينا. وقد كان لهذه الحفلة وقع إيجابيّ في أوساط الشباب مع أنّ بعض المؤمنين استنكر الأمر وكذلك بعض أعضاء المجمع المقدّس على الرغم من بركة رئيس الأساقفة خريستوذولس. ما هي حقيقة الأمر؟
في الواقع قد أدّت بعض وكالات الإعلام دورًا سلبيًّا عن قصد أو عن غير قصد. فعلى سبيل المثال قد ذكرت إحدى الجرائد المحلّيّة أنّ عشرة رهبان يغنّون، مع أنّ هذه الجريدة لم يكن لها أيّ مندوب في مكان الحفلة في أثينا، ولم تزرنا في الدير ولم تزر حتّى مركز أبرشيّتنا للتحقّق من الكلام. فقد يكون وصلهم أنّ هناك عشرة رهبان في الدير فنشروا أنّ هناك عشرة مغنّين. الحقيقة أنّ هذا العمل لم يكن مقصودًا به الفنّ فهو نتيجة هذه اللقاءات الصيفيّة التي ننظّمها في الدير. فالأب بندلايمون أحد الرهبان كان مغنّيًا للروك عندما كان في العالم، فقد أبدل كلمات بعض الأغاني المعروفة بكلمات ملتزمة، كما وضع بعض الأغاني الأخرى. مثلاً الأغنية السادسة هي مقتطفات من عظات لرئيس الأساقفة. وهكذا في نهاية اللقاء الصيفيّ قدّم الأب بندلايمون هذه الأغنيات مع مجموعة من الشباب. ليس هناك عازفون، كلّ الموسيقى المستعملة هي من نتاج الكومبيوتر. طلب الشبّان المشاركون تقديم هذه الأغنيات في إحدى الرعايا، فبعد بركة أسقفنا ميتروبوليت فوكيذا أثيناغوراس أقمنا الحفلة وكان هناك حضور غير متوقّع من حيث العدد وانتماء الشبّان الحاضرين. اشتركت في الحفلة ذاتها جوقات من مدارس التعليم الدينيّ وغيرها. بعد هذه الحفلة كثر زوّارنا من الشبّان الذين لم نكن نتوقّعهم إنّما نرجو حضورهم، وصاروا يطلبون المشاركة في لقاءاتنا، كما صاروا يشاركون في الصلوات في رعاياهم. طُلب إقامة حفلة في أثينا فمن بعد إذن مطراننا ورئيس الأساقفة خريستوذولوس أُقيمت حفلة في الإنتركونتيننتال حضرها ما يزيد على الألفي شخص من الأساقفة والسياسيّين الشبّان والشابات. تبعتها حفلة أخرى في زوغرافو تخطّى الحضور فيها أربعة آلاف. كان يسبق كلّ حفلة صلاة تقديس الماء الصغير. جاءتنا تعليقات كثيرة مشجّعة فتمّ تسجيل الـCDالذي لاقى رواجًا خياليًّا.
- مع هذا، ألا يبقى هذا العمل غريبًا عن التقليد الرهبانيّ الأرثوذكسيّ؟
نعم، هذا الأمر ليس عاديًّا كما أنّه ليس نهجًا. القرار لم يكن في الدير فقط. فنحن لم نخرج من الدير إلاّ بعد بركة أسقفنا ورئيس الأساقفة. الكلّ مقتنعون بأنّ الكنيسة لا تستطيع أن تقول دائمًا كلاّ للشباب. هذا لا يعني أنّها سوف تتغيّر لتلاقي طلباتهم وسوف تنجرّ إلى ما ليس لها. شباب اليوم، بخاصّة في اليونان، ضائعون. وإذا لم تتحرّك الكنيسة لمخاطبتهم بلغتهم فهناك مَن سوف يفعل هذا ويخطفهم منها. الأمر لم يكن سهلاً في البدء، ولكن كان في الأفق بوادر نجاح تحقّق جزئيًّا. طبعًا لا نتوقّع ولا نرجو أن تكون الموسيقى الجاذب إلى الكنيسة لكنّها الآن إحدى الوسائل المتاحة. هناك كثيرون نرجو أن تصل الكنيسة إليهم، ولكن بعد مجيئهم إليها لا بدّ من أن يسيروا في خطّها الذي عاشته واختبرته وتحافظ عليه.
- ماذا عن الخبر الذي يقول إنّكم تهيّئون لـCD جديد؟
لقد ذكرت بأنّ هدف هذا العمل لم يكن الفنّ وأنّ هذا النوع من العمل مع الشباب ليس نهجًا يُتبَع. المجموعة الأولى أحبّها المؤمنون وغير المؤمنين وحقّقت ريعًا عاد لتوسيع مكان استقبال اللقاءات الصيفيّة. الإنتاج الموسيقيّ ليس عملنا، ولكن في حال أظهر لنا الربّ ضرورة عمل آخر من هذا النوع فكلّ قرار يأتي في حينه.
- وماذا عن المشاكل مع المجمع؟
في النشرة التي بين يديكم رسائل من خمسة وعشرين ميتروبوليتًا إضافة إلى البطريرك المسكونيّ ورئيس أساقفة ألبانيا وكلّها رسائل بركة وتهنئة وتشجيع، هذا عدا عن الأساقفة اليونان الذين حضروا وشجّعوا. نكرّر أنّنا قمنا بهذا العمل ببركة أسقفنا ورئيس أساقفة اليونان إيمانًا منّا بأنّ هذا لخير الكنيسة والمجتمع. أمّا سوء التفاهم مع بعض أعضاء المجمع فسببه وسائل الإعلام التي شوّهت الصورة. في الأسبوع الماضي استُدعي الأب رئيس الدير إلى المجمع وأجاب عن كلّ التساؤلات التي طُرحت وخرج حاملاً بركة كلّ آباء المجمع المقدّس.
- هذه المقابلة سوف تُنشر في أنطاكية وتحديدًا في مجلّة النُّور العائدة لحركة الشبيبة الأرثوذكسيّة. هل توجّهون أيّة كلمة للشباب الأنطاكيّ؟
كما أخبرتمونا فهناك نهضة رهبانيّة في أنطاكية مع أنّ الظروف العامّة صعبة في بلادكم. ووجود الحركة كما وصفتموها دليل على وجود نهضة شبابيّة. نرجو أن تترافق النهضتان. عندكم آباؤكم في أنطاكية الذين نرجو أن يوجّهوكم لتجدوا اللغة اللازمة للعمل والتغيير حتّى تنمو الأرثوذكسيّة في تلك البلاد وتحمل وجه المسيح للجميع.
المفضلات