"موعدٌ في العُلّية"
عشتُ كلَّ تفاصيل الحياة ,في مدها وجزرها ,في تفاصيل ثنائياتها:
من ولادة وموت , حب وكراهية وفاء وخيانات, انتصارات وهزائم, صراحة وكذب, وداع ولقاء, آمالٌ و خيبات...
ووجود هذه الثنائيات يشعرني بأنني "إنسان" ومع ذلك لا أدري لماذا أشعر بالوحدة ؟
رغمَ أنها قد وُزِعتْ بتناسقٍ على مدى الدقائقِ والأيام بحيث تَشغلُ تفكيري ليل نهار...
عندما يتصارع الموت والحياة على سرير واحد …
و عندما يتخاصم الحب والكراهية ,عندما تغتال الخيانة الوفاء…
وعندما تخيب الآمال… في لحظات الفوز والانكسار …
وعند أصعب لحظات الوداع أتوق للقياك …هذه الثنائيات ورغم تضادها تذكرني بك في كل لحظة,
فلا داعي بأن أرهق ذاكرتي وآمرها بأن تستدعي صورتك !
رتبت كل هذه التفاصيل في حقيبة, ورحلتُ على ظهر غمامة ربيعية ثملة,
أغمضتُ عينّي كي لا أشعرَ بطول المسافة ولا بثقلِ الزمن وأخرجتُ صورتك إلى القمة.
ها قد وصلت!
لفحت وجنتّي نسمةٌ حارةٌ جداً, حارة كقبلة المشتاق, نسمةٌ من نسائم المدينة القديمة…
قبلةٌ من أزقتها من شجرها من حجارتها من كنائسها من أديرتها...
كنتُ أمسك في يدي ورقةٌ كتب عليها عنوانك, ورقة مصفرّة كنت قد احتفظت بها بين ثنايا كتاب رسمتَ حروفه بوحي من روحك...
وأهديتني إياه .
رحت أسأل المارة عن العنوان لكن لم يتعرف عليه أحد! لم يتذكرك أحد!
قيل لي أن المعالم تغيرت وأن فندقاً قد ُشيّد مكان هذا العنوان...
وأن الناس تغيروا !
أمطرت عيناي دموعا غزيرة ..
بكيت كطفل تائه لا حول له ولا قوة.
عزمت على زيارة الفندق, إن هم نجحوا في إزالة معالم ذلك المكان فإن ذاكرتي لم تستطع أن تمحوه…
وصلت الفندق طلباً للراحة فلقد نال التعب من جسدي…
استسلمت لعتمة الغرفة المتواضعة جدا ًو التي يبدو كأنها قد تُركت على حالها منذ مدة بعيدة جداً...
قيل لي أنها لم تستعمل منذ نزل فيها أحدُ الأشخاص مع مجموعة من أصحابه وأقام فيها لمدة قصيرة جدا !
بدأت ملامحها تتضح عندما تسلل القمر بشعاع فضولي من نافذة تتوق لرؤية وجه الصباح .
وبدأتُ أشعر أن كل شيء في هذه الغرفة يوحي بحضورك...
أو كنت حاضراً؟
رائحة الغرفة منعشة... رائحة مسك ؟...رائحة بخور؟
الفرش متواضع جداً !
في الوسط مائدة صغيرة بالكاد مرتفعة عن الأرضية عليها كأس ما تزال دافئة فيها القليل من خمره عتيقة لذيذة وبقايا فتات الخبز متناثرة على المائدة,
كحبات القمح المنثورة على وجه التراب عمداً كي تشبع العصافير …
كالمنِّ منثوراً على وجه الصحراء ليشبع المسافرين ...
أشبعتني و أسكرتني كأسك...
هنالك حيث كنت متكأً, كان البساطُ دافئاً, والمسند حيث أسندت ذراعك قبل أن تريحها على الخشبة, كان دافئا أيضاً..
أسندت رأسي حيث كنت متكأ وراحت حبات المسبحة تنزلق بسرعة كي تعجل في حضورك.
في تلك الليلة جئت لتؤنس وحدتي ...
عند قدميك حيثُ كنتَ واقفاً رميتُ بكل ما أحمل من تفاصيل الحياة...
طويتُ كل ثنائياتها..
لنصبح: أنا وأنت ... واحداً.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس.gif)

المفضلات