أعظم كذبة في التاريخ
الأحد بعد الفصح: ظهور الربّ لتوما (يوحنّا 19:20-31)
عظة الأب أنطوان يوحنّا لطّوف
يتبارى الأطفال في أيُّهم يلفّق الكذبة الأكبر. "كان جدّي يطال النُجوم؛ في بيتنا حصان يطير". لكن ليست هذه أكاذيب كبيرة لأنّ فداحة الكذبة لا تُقاس بالمُبالغة والخيال، بل بالأذى الذي تُسبِّبُه. فما هي الكذبة الأعظم، التي سبَّبت الأذى الأعظم؟
عند فجر القيامة دحرج الملاك الحجر بحُضور المجدليّة ومريم الأُخرى، والحُرّاس. بعدها حيكت أعظم كذبة في التاريخ:
"جاء بعض حَرَس [القَبر] إلى المدينة وأخبروا رؤساء الكهَنة... فاجتمعوا هُم والشُيوخ، وبعدما تشاوروا أعطوا الجُند مالاً كثيرًا وقالوا لهم: قولوا إنّ تلاميذه أتوا ليلاً فسرقوه ونحن نائمون. وإذا بلغ الخبَر إلى [بيلاطُس] الحاكم أرضيناه ودفعنا الأذى عنكُم" (متى 11:28-14).
استجمع رؤساء اليهود كلّ مكرهم وتداركوا جميع الاحتمالات، كأن يُحاسب بيلاطُس الحُرّاس، رغم أنّ الحُراس كانوا يهودًا وغير خاضعين له (متى 65:27)، وطمأنوا الحراس واشتروا ضمائرهم. إنها كذبة مُحكَمَة بدهاء، حقًا!
والحُرّاس الذين بلغت إليهم ومضة القيامة فارتعدوا "وصاروا كالأموات" (متى 1:28-4)، لم يشهدوا للقيامة، بل باعوا بالمال والمركز حياتهم الأبديّة، ولولاهم لما أمكن رؤساء اليهود إنكار القيامة. والمُذهل أنّ الرؤساء والحُرّاس معًا تيقّنوا من القيامة لكن شكّكوا بها وروّجوا للكذب لأجل مال ومصلحة، "فانتشرت هذه الرواية بين اليهود إلى اليوم" (متى 15:28).
مع انطلاق المريمتَين لإعلان الحقيقة الأعظم التي غيَّرت الكون، كانت الكذبة الأعظم تُحاك في محفل الباطل لتُسبّب الضَّرر الأعظم لجنس البشر وهلاك ملايين النُفوس عبر التاريخ.
بعدها حاول الشرّير أن يُدخل الشُكوك إلى الكنيسة قبل انطلاقها، فهاجم توما. وإذا تأملنا ما اختبره توما مع السيّد، لاعتقدنا أنّه يصعُب أن يشكّ.
رافق توما يسوع في كرازته وعاين آياته وسمعه ينبئ بموته وقيامته ثلاث مرّات (متى 21:16-23؛ 22:17-23؛ 17:20-19)، ومرّة رابعة ينبئ الجُموع (يوحنّا 20:12-36)، كما عاين إقامة لعازر؛ وسمع بُشرى القيامة من المجدليّة (يوحنا 18:20) وتلميذي عمّاوس، وسمعان (مرقس 12:16؛ لوقا 33:24-35) والأحد عشر (يوحنا 25:20).
ولم يكن يحقّ له أن يقول: "إن لم أضع إصبعي لا أؤمن". فهذا يعني أنّه لا يُصدّق الربّ ولا التلاميذ ولا المجدليّة. لهذا قال له يسوع: "طوبى للذين لم يروا وآمنوا". ألمح إليه أنّه ليس له كبير أجر لأنّه آمَن!
لم يؤمن توما لأنّ شكّه كان من الشرّير. فإذا كان إبليس جرّب يسوع في البريّة "وتركه إلى حين" (لوقا 13:4)، فلماذا لا يعود إليه ليُجرّب توما؟ وإذا كانت القيامة هي الحدَث الأعظم الذي يسحق مملكة إبليس، فالقيامة هي أوّل ما يستهدفه إبليس.
وضربة إبليس مُحكَمة لأنّه جرّب توما وقت إرسال يسوع للتلاميذ: "خُذوا الروح القُدس. مَن غفرتم خطاياهم تُغفَر لهم... كما أرسلني الآب أُرسلُكُم أنا". ولو بقي توما على شكّه لما أفاده هذا الإرسال، ولما تلقّى الروح القُدس ولما نال سُلطان مغفرة الخطايا. بالأكثر، لما نال الخلاص ملايين الناس الذين آمنوا على يده، وقد بشّر الهند وأقام الكنيسة التومويّة إلى اليوم.
تدخَّل الربّ لإنقاذ توما، لكنّ بقيت الشُكوك تنخر الكنيسة. فالشرّير اليوم يُشكّك بصدقيّة الكتاب المُقدّس وعقيدة الكنيسة وجدوى التوبة والأسرار، والقيم المسيحيّة، والتسامُح والرحمة والتضحية وعمل الخير؛ ويُشكّك بوجود الملائكة (والشياطين)! والعقاب الأبديّ والحياة الأبديّة.
بالمُقابل، يُروّج الشرّير لتعاليم فاسدة تُشوّه صورة المسيح وتعاليمه ومُعجزاته، والحبَل البتوليّ، وتُنكر قوّة التقوى والصلاة، وتُضعف الحياة الروحيّة، وتُروّج للإباحيّة والإجهاض والقتل، وتُشجّع المُنافسة غير الشريفة والانتقام وحبّ المال والكسب غير المشروع، وإهمال المريض والمُتألّم، واستغلال القويّ للضعيف.
فهناك اليوم مَن يعتقد أنّ الكتاب المقدّس ليس كلّه صحيحًا، وأنّ المسيح شخص عاديّ وقيامتُه حدثت رمزيًّا، وأنّ حفظ يوم الربّ ليس ضروريًا، وأنّ قادة الكنيسة يتسلّطون على الناس، ولا بأس بالجنس قبل الزواج، والخيانة الزوجيّة، والمُساكنة، وأنّ جهنّم غير موجودة، والشيطان غير موجود، أو أنّه سينال الخلاص، وأنّ الله مُحبّ لدرجة أنّ جميع الناس يذهبون إلى السماء!
يُمطر الشرّير الكنيسة بكمّ هائل من الأكاذيب، ويعرف أنه يصعب الردّ على جميع تلك الأكاذيب. وكان فولتير، عدوّ الكنيسة، يُخاطب حُلفاءه قائلاً: "اكذبوا، اكذبوا. لا بُدّ أن يعلَق شيء من كذبكم"!
وللشرّير إمكانيات هائلة لترويج الباطل عبر وسائل الإعلام، ووسيلتُه الحجّة الواهية والإغراء وتجميل الموبقات. وتنطلي الأكاذيب على كثيرين ، بينما يعتقدون أنّ إيمانهم سليم. هذا الواقع مؤلم جدًا، وهو من علامات نهاية الأزمنة: "متى حاء ابن الإنسان هل يجد الإيمان على الأرض" (لوقا 8:18)؟
وكيف تعيش الكنيسة الوحدة والانسجام إذا اختلف إيمان أفرادها؟ وكيف يرعى الراعي أفرادًا لا يؤمنون بلاهوت الكنيسة وأخلاقها بالكامل، وبسُلطان الكنيسة والكتاب المُقدّس وسُلطان الراعي نفسه، وقد فصَّل كلّ منهم إيمانًا انتقائيًّا حسب رأيه ذوقه ومزاجه ورغباته ومصالحه، وأحيانًا حسب شهواته؟
وماذا كان ليحدث لو نجح الشرير في تشكيك التلاميذ، فبشّر كلّ منهم بإيمان مُختلف؟ طبعًا، لعمّت الفوضى في اللاهوت والأخلاق. لكن هذه حالُنا اليوم، وقد قال الكتاب "ثيابُكم أكلها العثّ" (يعقوب 2:5). والعثّ هو الشُكوك والثياب هي القداسة. ولا قداسة خارج الكنيسة. وسيّان الخُروج عن تعليم الكنيسة في أمر كبير أو صغير، لأنه على المؤمن الالتزام بجميع تعاليم الكنيسة، وإلاّ لكان خلاصُه مشكوكًا فيه.
وماذا يُفيد الربّ "مؤمن" لا يؤمن إيمانًا كاملاً بتعليم المسيح، وبتعليم الكنيسة الأخلاقي بالكامل؛ ويُمارس إيمانه بمزاجيّة وانتقائيّة، ولا يُصلّي، ولا يقرأ الكتاب، ولا يُجاهد لمُحاربة الخطيئة والتقدّم في الفضيلة، ويُشكّك بسُلطة الكنيسة والراعي؟ وما فائدة مجيئه إلى الكنيسة؟ وإنّنا لنسأل توما: "إذا كنتَ تشكّ بقيامة الربّ، فلماذا جئت في المرّة الثانية إلى العليّة"؟
وما فائدة مجيء كلّ مُشكِّك إلى الكنيسة، لأنّه يُشكّك سواه، والربّ أوقع عليه الدينونة بقوله: "الويل لمن تقع عن يده الشُكوك. خير له أن يُعلَّق في عنُقه حجر الطاحون ويُلقى في البحر، من أن يُشكِّك أحد إخوتي هؤلاء الصغار" (متى 6:18).
فعلى المؤمن الحذر واليقظة والجهاد لأجل معرفة الإيمان بعمق، لأنّ المعرفة السطحيّة تجعله فريسة سهلة لشكوك الشرّير. ولا بُدّ من دراسة كلمة الله ومعرفة أساسيّات تعليم الكنيسة والالتزام بها جميعها. ولا بدّ من تفحّص الآراء المُختلفة في ضوء كلمة الله ورفض ما هو مُخالف للتعليم الصحيح. ولا بُد من التواضُع لنُدرك أنّ الكنيسة ومُعلّميها المُستقيمي الإيمان أكثر فهمًا منّا لكلمة الله، وأنّ علينا أن نقبل تعاليمهم، مُغلّبينها على آرائنا الشخصيّة.
بهذا نصير أهلاً لنحمل بُشرى القيامة إلى العالم. ومتى دهمنا الشكّ فلنطلب من الربّ أن يتدخّل ليمحق التجربة في مهدها. فحرب الشكوك التي يخوضُها الشرّير طاحنة، وقد ابتدأت مع حوّاء في الفردوس، وسوف تنتهي بغلَبة الربّ النهائيّة على إبليس في أخر الأزمنة، حين "يُبيده الربّ يسوع بنفَس من فمه ويمحقه بضياء مجيئه" (2 تسالونيقي 8:2).
كتبَ يوحنّا أنّ هذه الآية صنعها يسوع بعد قيامته "لتؤمنوا بأنّ يسوع هو المسيح ابن الله، ولتكون لكم إذا آمنتُم الحياة باسمه". وليست هذه الآية دخول يسوع والأبواب مُغلقة وحسب، بل دخوله إلى قلب توما ليُغيّر قناعاته وينصُره على شكوكه.
فالغَلبة النهائيّة هي للربّ يسوع على جميع أفكار الظُلمة: "النور يُشرق في الظُلمات ولم تُدركه الظُلمات" (يوحنا 5:1). ونحن كلّنا إيمان بمقال الربّ لتوما في العشاء الأخير: "أنا الطريق والحقّ والحياة، لا يأتي أحد إلى الآب إلاّ بي" (يوحنا 14:6). والطريق والحقّ والحياة التي أعطانا إياها يسوع تتجلّى في كتابه المُقدّس وتعاليم كنيسته وإيمانها القويم. صلاتُنا أن يجترح الربّ معنا آية توما ويدخُل قُلوبنا المُغلَقة ويُحرّرنا من مزاجيّتنا ولامُبالاتنا ويُعطينا الجهاد، فنتغلّب بنعمته على شكوك الشرّير ونؤمن إيمانًا ثابتًا بكلّ ما تُعلِّمُنا إيّاه الكنيسة، ونهتف نحوه مع توما قائلين: "ربيّ وإلهي". آمين.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات