ترميم واسع للفسيفساء المقدسة يموّله أمير قطر
في دير القديسة كاترينا للروم الأرثوذكس بجبل سيناء
ايقونة لبطرس الرسول. "فسيفساء التجلي" وفيها المسيح في الوسط وظهر موسى وايليا وتلامذة السيد: يعقوب ويوحنا جاثيان وبطرس ساجدا تحت قدميه.
ايقونة من الفسيفساء ليوحنا الرسول.
وسط المشهد غير المتوقع لجبال الغرانيت النائية التي تحيط بها صحراء سيناء الوعرة والمقفرة في مصر، تقع مستوطنة تشتهر منذ قرون بكنوزها التاريخية الفريدة.
لقد تأسس دير القديسة كاترينا حيث يعيش رهبان من الروم الارثوذكس ويصلّون منذ 1500 عام، في القرن السادس على يد الامبراطور جوستينيان، وكان يقع من قبل في قلب الامبراطورية البيزنطية، سمي الدير تيمناً بامرأة استشهدت بسبب إيمانها المسيحي، ويقال ان رهبانا من الدير اكتشفوا رفاتها بطريقة عجائبية فوق جبل سيناء.
غير ان للموقع ابعادا مقدسة اقدم بكثير، فهو ايضا محط تكريم باعتباره المكان الذي ظهر فيه الله للنبي موسى في عليقة مشتعلة وتكلم معه.
بنيت كنيسة في المكان عام 330. والجبل مقدس بالنسبة الى اتباع الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والاسلام، وقد شيّد مسجد هناك في مطلع القرن الثاني عشر.
بعد الغزو الغربي للمنطقة عام 640 وانتشار الاسلام، حافظ الدير على وجوده وكان معزولا بحكم موقعه الذي كان يتعذر الوصول اليه عمليا.
ويذكر احد التقاليد ان وفدا من الرهبان زار النبي محمد وطلب حمايته، وان النبي زار الدير ايضا. وفي وثيقة اعطيت للرهبان ولا تزال محفوظة في المكتبة، كتب النبي محمد "بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب كتبه محمد بن عبد الله الى كافة الناس اجمعين بشيرا ونذيرا ومؤتمنا على وديعة الله في خلقه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما كتبه لأهل ملته ولجميع من ينتحل دين ال******* من مشارق الارض ومغاربها قريبها وبعيدها فصيحها وعجميها معروفها ومجهولها كتابا جعله لهم عهدا فمن نكث العهد الذي فيه وخالفه الى غيره وتعدى ما امره كان لعهد الله ناكثا ولميثاقه ناقضا وبدينه مستهزئاً وللعنة مستوجبا سلطانا كان او غيره من المسلمين المؤمنين – لا يغير اسقف من اسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا حبيس من صومعته ولا سايح من سياحته ولا يهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم ولا يدخل شيء من بناء كنائسهم في بناء مسجد ولا في منازل المسلمين... وهم في ذمتي وميثاقي واماني من كل مكروه".
تحت قمة الجبل مباشرة هناك حفرة صغيرة في الغرانيت تشبه اثر قائمة الجمل، وبحسب التقليد البدوي، هذا هو المكان الذي بدأ فيه النبي محمد رحلته الليلية نحو السماء.
المكتبة هي من كنوز الدير الثمينة، فهي تحتوي على نحو ستة آلاف مخطوطة يعود اقدمها الى ما قبل بناء الدير. ومن هذه المخطوكات Codax Syriacus وهي ترجمة للأناجيل من القرن الخامس، وتأتي مباشرة في المرحلة الثانية من حيث القدم بعد المخطوطة الشهيرة Codax Syriacus التي اخذها باحث الماني من المكتبة في القرن التاسع عشر. وثمة مجموعة رائعة من الصور الدينية التي يعود بعضها الى المرحلة التي تأسس فيها الدير. ويشتهر الدير ايضا بالبازيليك البيزنطية الاسلوب التي شيّدت عام 527 ب.م. وزيّنت في اواخر القرن السادس بفسيفساء شديدة الروعة. تجسد الصورة الاساسية في "فسيفساء التجلي" اللحظة التي تجلى فيها المسيح على قمة جبل بحضور موسى وايليا وتلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا. تنبثق اشعة من النور من صورة المسيح المركزية، بينما يجثو يعقوب ويوحنا على ركبتيهما في الجانب الآخر، ويسجد بطرس مذهولا تحت قدميه. وتحيط بالصورة المركزية ميداليات دائرية تحتوي على صور الرسل والانبياء. وفي جانبيها صورتان لرئيس دير وشماس من ذلك العصر، وفي الاعلى صورتان لموسى الذي يظهر في الصورة الاولى وهو يحدق مندهشا الى السماء وينزع خفّيه بينما يكلمه الرب من العليقة المشتعلة، في حين يبدو في الصورة الثانية وهو يتلقى لوحتي الوصايا العشر.
طوال سنوات، كانت هذه الاعمال الفنية الرائعة في خطر حيث كانت المياه تتسرب تدريجاً خلف الالواح، كما ان الملاط القديم الذي كان يثبت القطع الصغيرة الملونة في مكانها، تعرض للتلف. وخلّف احتراق المواد في الكنيسة ترسبات سوداء زيتية على سطح الفسيفساء، ناهيك عن ان المنطقة عرضة للهزات الارضية، وصمود الفسيفساء طوال هذه الفترة هو اقرب الى المعجزة. في الواقع، لدى الرهبان انفسهم ايمان راسخ بأن ارادة الله وحدها هي التي حفظتها. اجرت احدى الجماعات بعض التصليحات في منتصف القرن التاسع عشر، وقبل خمسين عاما، اجرى فريق اميركي مزيدا من التصليحات الطارئة.
ولكن قبل اقل من عشرة اعوام، ادرك المعنيون انه اذا لم تجر عملية ترميم واسعة النطاق، فسوف يواجه العالم خطر خسارة هذه الاعمال الفنية العظيمة. وتمت الاستعانة بمنظمة متخصصة في ايطاليا هي مركز الحفاظ على الآثار Centro di Conservatione Archelogica، من اجل الحصول على رأيها في الموضوع. يُعرَف مديرها، الدكتور روبرتو ناردي، على نطاق واسع بأنه خبير عالمي في الحفاظ على الفسيفساء. عندما زار دير القديسة كاترينا وتسلق السقالة الموضوعة امام الفسيفساء، ذعر لدى رؤيته ان معظم الالواح اصبحت منفصلة، وانها تنتأ من الجدار وتتحرك كلما ضغط عليها. كان يمكن ان تنهار الفسيفساء بكاملها في اي لحظة. وفي بعض الاماكن، كانت الثغرة بين الفسيفساء والجدار خلفها تصل الى اربعة سنتيمترات.
وهكذا بدأ عام 2005 العمل على ترميم الفسيفساء. وقد تحمل امير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، كلفة المشروع كاملة والتي بلغت نحو 500 الف دولار.
ان اهتمام حاكم مسلم بتمويل مشروع لترميم رمز مسيحي موقّر هو في انسجام تام مع روحية الدير الذي يضم مسجدا في حناياه وتربطه منذ وقت طويل علاقات جيدة بالمجتمع البدوي من حوله، اذ يؤمن العمل والمأكل والمأوى لكل من هو في حاجة اليها بغض النظر عن انتمائه الديني.
وتحتوي مكتبة الدير على الوثيقة القيّمة الآنفة الذكر التي يقال ان النبي محمد كتبها بنفسه ووقعها بكف يده.
وقد بدأ فريقان من المتخصصين بالحفاظ على التراث، بالعمل على ترميم الفسيفساء، وكانا يتناوبان على العمل في فترات تمتد كل منها لشهرين.
ربما كان من الاسهل انتزاع كل القطع وتنظيفها وتثبيتها في اساس جيد من الاسمنت، غير ان ناردي تردد في القيام بالامر، واعتبر انه يجب ترميم الفسيفساء في موقعها.
في البداية، رفعت رباطات لتثبيت الواح الفسيفساء في مكانها، ثم استُعملت مكانس كهربائية صغيرة جدا لتنظيف الغبار والملاط المهترئ المتراكم منذ قرون بين القطع. فضل ناردي وملاؤه استعمال مواد تقليدية بدلا من الراتينج الحديث او الاسمنت، لأن لا احد يعلم مدى قدرة هذه المواد على الصمود في وجه مناخ صحراوي قاس في المدى الطويل. وبعد اجراء اختبارات، صنع ملاط تقليدي من الصخر المسحوق الممزوج مع الكلس والقش المقطع. وقد استغرق المرممون، عامين لتثبيتها في مكانها. ثم اخذوا استراحة قصيرة بينما كانوا يستعدون للمرحلة الاخيرة والاهم. فالجزء الاخير الذي عملوا على ترميمه كان صورة المسيح المتجلي المركزية، وقد استغرق ذلك شهرا كاملا.
كان نحو اربعة في المئة من القطع مفقودا، ووجد المرممون انفسهم امام معضلة. هل يطلون الاجواء التي فقدت منها القطع كما فعل صموئيل قبل 160 عاما، ام يعيدون صنع القطع الاساسية.؟ وبعد كثير من النقاش، قرروا اعتماد الخيار الثاني. فقد لاحظ الدكتور ناردي ان فسيفساء زجاجية ذات سطح غير مستو تنبض بالحياة كما لا يمكن ان يحصل ابدا في سطح مطلي. وهكذا عثروا على صانع زجاج من البندقية استطاع ان يعيد انتاج ما لا يقل عن 35 لونا مختلفا تتطابق مع مجموعة الالوان في الفسيفساء الاصلية، واستبدلوا القطع المفقودة.
رهبان دير القديسة كاترينا راضون جدا عن هذا الترميم الرائع الذي تحقق بفضل سخاء امير قطر.
المفضلات