لاهوت الفداء
عنما أراد آدم أن يغتصب الألوهة من الله فيصير عارفاً الخير والشر فشل وسقط من الفردوس وبسقوطه تصدعت علاقته مع الله لأنه خسر الأحضان الأبوية التي كانت تكفيه في كل شيء، وتصدعت علاقته بذاته لأنه صار ميالاً إلى الشر فهو بطبيعة خلقه ينزع إلى الخير وبعد السقوط صار ينزع لا إلى الخير فحسب بل وإلى الشر أيضاً وصار يعيش صراعاً وتشتتاً وانفصالاً وضياعاً في شخصيته بين الخير والشر، كما تصدعت علاقته بأخيه الإنسان وبالخليقة من حوله فعندما أخطأ آدم سأله الله "لماذا أكلت من الشجرة التي نهيتك عن الأكل منها" فأجاب آدم من فوره: "المرأة التي أعطيتني إياها هي التي اكلت..." وعندما سأل الله حواء قالت له "لست أنا بل الحية أغوتني.."وبهذا تكسرت علاقة الإنسان بالإنسان وبالخليقة المحيطة به، وبخطيئة الخليقة دخلت الفوضى في النظام الإلهي لا بل إنها أكثر من فوضى، إنها غهانة لمجد الله ومحبته وكان بالإمكان أن تغفر هذه الخطيئة بدون أن تصلح. لكن ذلك لن يؤدي إلى إزالة الخطأ، ويبقى النظام الإلهي مضطرباً.
إذاً كان يجب أن يكفر عن المعصية بطريقة مناسبة، ولم يكن بوسع الخليقة أن تقدم هذا التكفير، إذ لا يمكن لشخص محدود أن يمحو إهانة أخذت أبعاداً لامتناهية لأنها تعرضت للكائن غير المحدود. لذلك أراد هذا الكائن أن يقدم عوضاً عنا تكفيراً غير محدود، يكمن في موت يسوع على الصليب "فصار الإله إنساناً ليُصَيِّر الإنسان إلهاً " كما يقول القديس أثناسيوس الكبير.

بأي معنى يعوض هذا الموت عن الخطيئة؟
فلندع جانباً بادئ ذي بدء النظرية "المعنوية" الذاتية الشائعة في أوساط البروتستنتية المعاصرة، والقائلة بأن موت يسوع يخلصنا لأن منظر كرمه هذا يؤثر علينا ويثير فينا الندامة والتوبة. إن هذا القول صحيح في العمق لكنه لا يكفي، لأن لموت يسوع على الصليب قيمة فدائية موضوعية. ولنطرح أيضاً جانباً نظرية أخرى تناقض الأولى كلياً وكانت تحظى برضى البروتستنتية القديمة، ألا وهي النظرية "الجزائية" القائلة بأن موت يسوع كان "قصاصاً" من الآب لا بد منه لتعويض المعصية. فيكون الصليب، في هذه النظرية، عملاً ثأرياً، ثأراً إلهياً حقيقياً.
نقترب من الحقيقة بنظرية "التكفير" التي تضع جانباً كل فكرة الثأر، وتدعي أن التكفير عن المعصية يتم، ليس بالأوجاع بحد ذاتها، بل بقبولها الطوعي، أما نظرية الاستعطاف فتتقدم على سابقتها خطوة أخرى في اتجاه الحق، إذ تقول بأن يسوع يكفر بصورة لائقة ومرضية (satis,facti) بواسطة الطاعة والمحبة اللتين يظهرهما الله في آلامه. تختلف هذه النظرية عن نظرية "التكفير" على صعيدين اثنين. تشدد من جهة، ليس على قبول الأوجاع، بل على تمجيد الله المقدم في وسط الأوجاع ومن جهة أخرى فإنها لا تعتبر الأوجاع ضرورية، بل تؤكد أن ما هو ضروري هو الاستعطاف للتكفير كلياً عن الخطيئة.
لكن يمكن القول انه كان لحياة يسوع كلها قيمة تكفيرية تعويضية لا تقاس، وأنها كانت تشكل، حتى بدون الآلام، عملاً مرضياً لله بصورة فائقة، متجسدة، شفى يسوع الطبيعة الإنسانية وقدسها. لكنه اختار الصليب كشكل أسمى من الاستعطاف لأنه يفترض مزيداً من المعطائية والمحبة: " لا يوجد حب أعظم من بذل الحياة..." وتجدر الإشارة أن المسيح، بقبوله واختياره الصليب، لم يكن الوحيد الذي "يطيع"، إذ أن الأقانيم الإلهية الثلاثة أرادت ذبح الإله الإنسان على الصليب لأنها محركة بما يمكن تسميته الطاعة لطبيعتها الخاصة ومحبتها "الفائقة" الجوهرية. وجه الآب والروح الابن نحو الصليب لأجل متطلبات "مجدهم" القصوى"، أي من أجل إعلان المحبة الإلهية. برأفة لا حدود لها. واخيراً نقول أن يسوع يدمج البشر في جسده السري، لم يكتفِ بالتحمل عنا، بل حملنا معه على العود المقدس.


مدخل إلى العقيدة المسيحية
زمن التريودي - الحاشية 60