"طفل الأنبوب" إلى أين؟
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
[color="rgb(139, 0, 0)"] موضوع "طفل الأنبوب" بات الكثيرون، اليوم، يتعاطونه كشأن عادي. كنسيّاً، يُنْظَر إليه بنوع من الرضى المشروط. على أنّ أصواتاً تُسمَع، هنا وثمّة، تعتبره مشيناً. التبرير الحاصل أساسه النظر بعين العطف، رعائياً، إلى الصعوبات التي يعانيها بعض المتزوِّجين وتهدِّد سعادة العائلة، أحياناً، أو حتى استمرارها لعجز أحد الزوجَين عن الإنجاب الطبيعي. ربما، إذا توغّلنا قليلاً في تحديد الأسس التي لا يكون الزواج مسيحيّاً من دونها أمكننا أن نحدّد إطار المشكلة على نحو أفضل.
ليس مقبولاً، بدءاً، أن نعتبر أنّ هناك زواجاً مسيحيّاً قد تمّ، وبعد ذلك أن نتّخذ موقفاً من "طفل الأنبوب" وكأنّنا بإزاء زواج طبيعي بين رجل وامرأة لا فرق فيه بين ما هو من الكنيسة وما ليس من الكنيسة. إذا ما قبلنا، مبدأً، أن نعالج المشكلات الناشئة من الزواج المسيحي وكأنّها مشكلات زواج ككل المشكلات الزوجيّة خارج حدود الكنيسة فكأنّنا نتنكّر، عملياً، لمسيحيّة الزواج الذي أُجري. في هذه الحال لِمَ الزواج المسيحي إذا ما كان ليكون في أذهاننا معادلاً للزواج الطبيعي أو المدني؟ الزواج المسيحي لا يكون في الشكل فقط! هذه هرطقة عملية خطيرة قادرة أن تفسد الحياة المعتبَرَة مسيحيّة برمّتها وتالياً كلّ الانتماء الكنسي. ثمّة بديهيّة أنّ المتزوِّجَين لا يأخذان مجرّد برَكَة، في خدمة الإكليل، وحسب بل يُطَعَّمان في كرمة المسيح كزوجَين. وهذا يفترض حتماً أن يأخذا عهداً على نفسيهما أن يجتمعا في المسيح، أي أن يكون المسيح هو الجامع بينهما، كما يفترض أنّهما، بذلك، يلتزمان المسيح سيّداً لحياتهما من حيث إنّ المسيحي ليس بعدُ لنفسه بل للذي اشتراه بثمن (1 كو 6: 19 – 20)، أي للمسيح الذي افتداه بدمه (1 بط 1: 19). فإذا ما كان العهد، من جهة المتزوِّجَين، لينفكّ، إذا ما كفّ المتزوِّجون عن الدوران في فلك المسيح فإنّ الزواج المسيحي، إذ ذاك، يمسي ساقطاً. والمشرِّعون في الكنيسة لا يحقّ لهم أن يشرّعوا ما ينتمي إلى ما هو ساقط. الساقط بحاجة إلى تقويم لا إلى تطبيع، إلى استعادة لا إلى تكريس. المحبّة أو التدبير (الإيكونوميا)، من حيث المبدأ، لا يجوز في ما يضرب الإيمان بالمسيح وتالياً التزام المتزوّجين بوصاياه.
إذ نجعل هذا الفهم للأمور نصب أعيننا نرى، في الزواج المسيحي، المسلّمات التالية وفي خرقها النتائج التالية:
الإنجاب هو ثمر المحبّة والشركة الزوجيَّين وكذا ثمر البرَكَة الإلهيّة. قد تولد ذرّية للزوجَين وقد لا تولد. في حال لم يُرزقا بمولود، إذا ما سلكا بمخافة الله، لا يكون زواجهما ناقصاً في شيء. فقط يكون لله فيهما قصد وتدبير غير المعتاد. هذا عليهما أن يقولا في شأنه: "لتكن مشيئتك" ولو تألّما واشتهيا غير ما قسمه الربّ الإله لهما.
السبب، من جهة الزوجَين، أو أحدهما، قد يكون العقم أو القصور. هل يتداويان؟ طبعاً حيثما أمكنهما! الأدوية والعلاجات رحمة من عند الله. لكنّهما يبقيان، كمؤمنَين، واثقَين، في قرارة نفسيهما، من أنّ ثمرة البطن نعمة من عند الله. الله قادر أن يعطيهما بالأدوية ومن دون الأدوية. ليست الأدوية، في وجدانهما، كافية لبلوغ المبتغى بل، في وجدانهما، أنّهما من دون الله لا يستطيعان شيئاً.
الأزواج المؤمنون بيسوع متى اكتشفوا عجزاً عن الإنجاب بإمكانهم إذاً، إذا ما رغبوا، أن يلجأوا إلى الأطباء وبإمكانهم أن يكتفوا بالصلاة والصوم والصدقة وسائر أعمال المحبّة سائِلين الربّ الإله أن يمنّ عليهم بمولود. اللجوء إلى الله في كل حال ضرورة إيمانيّة. الاعتراف بالخطايا ومساهمة القدسات يساعدان. بعد كل ذلك قد يعطي الله سريعاً أو بعد حين أو في عمر متأخّر. في الكتاب المقدّس وأخبار القدّيسين أمثلة عديدة على ذلك: سارة أنجبت إسحق بعدما تجاوزت سن الإنجاب. رفقة تاخّرت وكذلك حنّة أمّ صموئيل وأليصابات زوجة زكريا. قصد الله أحياناً يستبين وأحياناً لا يستبين. الله لا يحرم أحداً من ثمرة البطن جزافاً.
إذا ما كان اللجوء إلى الأطباء والأدوية والعلاجات عملاً مبارَكاً فإنّ ذلك يكون في إطار كون الإنجاب ثمرة المحبّة والشركة الزوجيَّين وكذا ثمرة البرَكَة الإلهيّة. هذا الإطار، بالنسبة للمؤمنين، غير قابل للتغيير. أقول ذلك وآتي إلى أسلوب "طفل الأنبوب" لأُبدي أنّ مَن ابتدع هذا الأسلوب أخرج الإنجاب من هذا الإطار الزوجي الإلهي واعتبر أنّ الإنجاب يحصل قصراً نتيجة تلقيح النطفة الذكرية للبويضة النسائيّة. هذا ولو كان صحيحاً من الناحية العضويّة فليس بصحيح من الناحية الإنسانيّة الروحيّة. الإخصاب، إذا تمّ، لا يكون ثمرة التلاقي بين رجل وامرأة مؤمنَين بيسوع، بما في هذا التلاقي من دفء المحبّة والتلاقي القلبي والتفاعل الروحي، ولا بما فيه من نقاوة المسرى لديهما وروح الصلاة ومخافة الله والتوق إلى القداسة. "طفل الأنبوب" ينطوي على نظرة أخرى إلى الإنسان ليست هي إيّاها نظرة المؤمنين. في "طفل الأنبوب" هناك سعي إلى نتاج ذي طابع عضوي آلي. في إنجاب الأزواج المؤمنين هناك سعي إلى إنجاب قدّيسين. بلى، مشروع القداسة يبدأ في البطن. الأجنّة التي يُحبَل بها بالاعتراف والصوم والصلاة ومساهمة القدسات والبرَكَة مختلفة عن الأجنّة التي يُحبَل بها من دون ذلك كلّه. النفوس والأجساد التي تتلظّى بعربدة الشهوة تنتج غير أنواع من البشر، وكذا "طفل الأنبوب".
إنّ التسليم بمنطق "طفل الأنبوب" وتالياً بالتصوّر الكامن وراءه لطبيعة الإنسان وتكوينه، يفضي، حتماً، إلى نتائج مأساوية سواء على صعيد المستقبل الفعلي للزواج المسيحي أو على صعيد النظرة إلى الإخصاب والإنجاب. الزواج المسيحي الذي يُفرَّط فيه بسياق المحبّة والشركة الزوجيَّين وكذا بالبرَكَة والتسليم الإلهيَّين، ويستعاض فيه بالموقف العضوي الآلي المدعوم، كلامياً، وكلامياً فقط، بعون الله، هذا الزواج المسيحي لا يعود له أي مبرّر ويتحوّل، بصورة تلقائية، إلى زواج دهري. لا يعود هناك فرق بين مؤمنين بيسوع وغير مؤمنين به. هذا من جهة، ومن جهة أخرى إذا اكتُفي، في الزواج، بالنظرة إلى الإنجاب من زاوية عضوية آلية، فلا يعود هناك، في المبدأ، أحياناً، مانع من الاستعاضة عن بويضات المرأة المتزوّجة ببويضات غريبة وكذلك بنطف الرجل المتزوّج. وهذا، بالضبط، هو ما يحصل حالياً. وحصوله نتيجةٌ تلقائيّة للتسليم بمنطق أسلوب "طفل الأنبوب". بعض الناس ربما يقبل بالبويضات الغريبة والنطف الغريبة وبعضهم لا يقبلها، هذا رهن باعتبارات شخصيّة لا، بعدُ، بمعايير إنسانيّة أخلاقيّة روحيّة صارمة. بعد ذلك يُسأل: هل من الممكن أن تخرج مثل هذه العمليات عن نطاق الزواج بعامة وتُطوَّر؟! كما تجري الأمور ليس ما يمنع من ذلك إطلاقاً! الحدود عملياً تُزال قليلاً قليلاً بين الزواج وعدم الزواج! الزواج، بيسر، ينزلق إلى العلاقات الحرّة، ويطغى على موضوع الإخصاب الجانب العلمي فيما ارتباطه بالزواج يهن وصلابة الاعتبارات الإنسانيّة تموع!
إلى أين يمكن أن يفضي بنا هذا المسار؟ إلى انهيارات عقدية روحيّة أخلاقيّة إنسانيّة متعاقبة مآلها، في نهاية المطاف، إفراغ الإنسان بالكامل من حضور الله في حياته وتالياً إفراغ الإنسان مما تبقّى من إنسانيّته!
[/color]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات