الإيمان بين الحدث و النصفادى اليكساندر
لم يُبنى الإيمانالمسيحى يوماً ما على النص. سواء كان هذا النص معصوم أم لا، فالنص شاهد للإيمان، وليس أساساً للإيمان. الكتاب المقدس نفسه يقول ذلك:"وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُقَدْ قَامَ فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ" (1 كو 15 : 17). أى أن الإيمان المسيحى،مبنى بشكل مُباشر على "الحدث"، و ليس على النص. هذا الحدث هو الإختراقالإلهى للتاريخ البشرى. ان الله قرر ان يدخل الى عالمنا، و يُعطينا سبيل جديد آمنللحياة الإلهية. سواء كان الكتاب المقدس معصوم حرفياً، او موضوعياً، أو غير معصومعلى الإطلاق؛ فهذا لا علاقة له بالإيمان المسيحى، لأن الإيمان غير مبنى على النص،ولا يُستقى من النص. كما قال العالم كريج ايفانز:"حقيقة الرسالة المسيحية، لا تعتمدعلى عصمة الكتاب المقدس، او قدرتنا على التوفيق بين الأربعة أناجيل، لكن على قيامةالمسيح. و الموثوقية التاريخية للأناجيل، لا تعتمد على عصمة الكتاب المقدس أو علىإثبات انه لا يوجد اى نوع من الخطأ بهم"[1].
سواء كان هذا النصثابت او غير ثابت، سواء إحتوى على تناقضات حقيقية او تناقضات ظاهرية؛ فهذا لا علاقةله بمدى ثقتنا فى تاريخ الأناجيل الأربعة فى تقديم ماهية يسوع الناصرى. فهل يجب انيكون يوسيفوس معصوم كى نقبل منه حقيقة ما؟ بل إن إقرار الحقيقة التاريخية له قواعدهو آلياته الخاصة، بغض النظر عن عصمة الوثيقة[2]!
إن إيماننا مبنى علىالمسيح نفسه، و قيامته من الموت هى جوهر عقيدتنا. قيامة الرب من الموت هى أفضلتفسير للبيانات و الأدلة المتوفرة، و هو ما جعل أكبر علماء العهد الجديد فى القرنالعشرين، نيكولاس توماس رايت، بلا مُنازع، يقول:"البيانات التاريخية الموجودة الآن،هى أنه هناك إيمان عريض، تشكل بتماسك و آثر بشكل واسع: أن يسوع الناصرى قام جسدياًمن الموت. هذا هو إيمان كل المسيحيين الأوائل الذين نملك بياناتهم. لقد كان هذاالإيمان هو مركز تطبيقهم المميز، القصص، الرمز و الإيمان؛ لقد كان هو أساس إدراكهمأن يسوع هو المسيح و الرب، إصرارهم ان الله الخالق قد بدأ العهد الجديد المُنتظر، وفوق الكل، رجائهم فى قيامتهم الجسدية فى المستقبل"[3].????: منتديات الشبكة الأرثوذكسية العربية الأنطاكية - منتدىالشبيبة الأرثوذكسيةhttp://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?t=8194
لذلك أكدت كثيراً فىكتاباتي السابقة، على ضرورة إعقالنا لدور الكتاب المقدس فى إيماننا المسيحى. الكتابالمقدس ليس سوى أحد سُبل إنتقال الإيمان، و الإيمان هو المسيح. أن يكون الكتابالمقدس نفسه، نصه، موضع إيمان؛ فهذا فكر غريب عن الإيمان الذى سلمه لنا آبائنا. تأمل قوانين إيمان الكنيسة الأولى. لا نجد فى أى من قوانين الإيمان او إعترافاتالإيمان، أى إشارة الى ضرورة الإعتقاد بإيمان معين حول الكتاب المقدس. بالتأكيد،كان الكتاب المقدس هو شكل مكتوب للتقليد الرسولى فى الكنيسة الأولى، لذا حظىبتوقيره و إحترامه. فى النهاية، الكتاب المقدس هو كلمة الله. لكن أحداً من الآباء،لم يضع إعتقاد معين حول الكتاب المقدس نفسه،نصه.
أنظر كيف سببّ القديس ابيفانيوس أسقف سلاميس، الإيمانبالثالوث قائلاً:
"يعترف الأنطاكيين بأنالآب و الإبن و الروح القدس، هم واحد فى الجوهر؛ ثلاثة أشخاص، جوهر واحد، إله واحد؛لأن هذا الإيمان هو الحقيقى، و هو الذى سلمه لنا الأوليين، و هو الإيمان النبوىو الإنجيلى و الرسولى، هذا الإيمان الذى أعترف به آبائنا و أساقفتنا، حينماإجتمعوا فى نيقية فى حضرة الملك العظيم و المُبارك، قسطنطين"[4].
فالكتاب المقدس هو أحدوسائل التسليم الرسولى؛ الذى يُوجد له العديد من الوسائل. لكن تقديس الوسيلة ليسبأى حال إيمان مُستقيم.
يُعلم الكتاب المقدسايضاً، بأن الكنيسة هى:"عمود الحق، و قاعدته" (1 تى 3 : 15). و هو الإعتقاد الذىيشرحه القديس ايريناؤس قائلاً:
"لقد إستلمتالكنيسة هذه الكرازة و هذا الإيمان، فرغم أنها منتشرة فى العالم كله، لكنها حمتهذا الإيمان، كما لو انها موجودة فى بيت واحد. كذلك تؤمن الكنيسة بهذه الأمور كمالو ان لها روح واحدة و قلب واحد، و هى تكرز بهم بتناسق، و تعلمهم و تُسلمهم، كما لوان لها فم واحد. لأنه بالرغم من أن لغات العالم كثيرة،فإن سلطة التقليدواحدة. إن كنيسة الألمان لا تؤمن بشىء مُختلف ولا تملك تقليداً يختلف عنالموجود عند كنيسة الأسبان، او عن كنيسة الكلتيين، ولا حتى فى كنائس الشرق، ولا فىمصر، ولا فى ليبيا، ولا حتى فى الكنائس الموجودة فى الأماكن المركزية للعالم. و لكنكما أن الشمس، التى خلقها الله، هى نفس الشمس فى العالم كله، فكذلك تُضىء الكرازةبالحقيقة كل مكان، و تُنير كل من يرغب ان يأتى لمعرفة الحقيقة"[5].
فالحق العقيدى واحد فىكل الكنائس التى يسير فيها التسليم. و الكتاب المقدس، مع كونه كلمة الله، فإنه ليسكلمات الله. يشرح العالم الأرثوذكسى، جون بريك، ذلك قائلاً:"الكتاب المقدس قد كُتِببلغة بشرية و يوضح حدود الفهم و الإدراك الحسى البشرى. الكتاب المقدس يحتوى علىكلمة الله و يُعبر عنها. لكن كلمة الله لا يُمكن إختزالها فى النصالكتابى"[6]. من هذا نستخلص،أن الكتاب المقدس هو كلمة الله، لأنه يحتوى على كلمة الله، و ليسلأنه فى حد ذاته "كلمات" الله.
هذا الكتاب هو كلمةالله، لأنه يسرد لنا تاريخ الخلاص الإلهى المُقدم للإنسان. لكن أعود و أقول، أنالخلاص هو فى المسيح، و ليس فى النص. الخلاص فى الحدث، و ليس فى النص. حقيقةالإيمان المسيحى تثبت بالتاريخ، لا بالمواقف المُسبقة. يُمكنك ان تعتبر كتب العهدالجديد هى مجرد كتابات بشرية، غير مُوحى بها و غير معصومة؛ فبالنقد التاريخى، ستبقىالنتيجة: أن قيامة الرب يسوع من الموت هى حجر الزاويةلإيماننا.
إن الوحى ليس قاصراً على كتب بعينها، و لم ينقطع إتصالالروح القدس بالبشر بعد إنتهاء القرن الأول. إذا كنت تعتقد بإختلاف حلول الروح القدس على التلاميذعن حلول الروح القدس فى المعمودية، فعليك أن تشرح ذلك الإختلاف فى ضوء ما قالهالمسيح:"وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُبِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُلَكُمْ" (يو 14 : 26). فما هو الفارق بين حلول الروح القدس على التلاميذ يومالخمسين، و حلوله اليوم على كل مؤمن يموت و يُدفن مع المسيح فى المعمودية؟ يقولالأب متى المسكين:
"كلمة الرسل هى عينهاشاهدة لحقيقة حلول الروح القدس فيهم، و الذى يهمنا جداً فى هذا هو أن الكلمة أصبحتمرتبطة بهذا الحلول إرتباطاً صميمياً، بحيث أن كل من يتعمق الكلمة يكتشف فيها الروحالقدس،أو بالحرى يدخل ضمناً فى حالة حلول!"[7].
فليس هناك فرق بينتعليم الروح القدس لبطرس قديماً، و تعليم الروح القدس لأى مؤمن اليوم. لأنناأُعطينا الموهبة، و مُنحنا النعمة الأكبر، أن نعرف حتى فكر المسيح، كما قال القديسبولس:"و أما نحن فلنا فكر المسيح" (1 كو 2 : 16).
إن ما يحدث الآن، هو ما وصفه دانيال والاس أكثر من مرة،بأنه وضع الكتاب المقدس بدلاً من المسيح. المسيح كلمة الله، و الكتاب المقدس كلمةالله،إذن المسيح هو الكتاب المقدس! هذا مفهوم مُشوه عن طبيعة الكتاب المقدسكونه كلمة الله، و طبيعة المسيح كونه كلمة الله. للأسف، ينتج عن هذا أن يصبح الكتابالمقدس هو مركز الإيمان المسيحى، بدلاً من المسيح نفسه. يؤمن الفرد بأن الكتابالمقدس هو كتاب الله، أى ان الله أوحى به، و بالتالى فهذا الكتاب يجب ان يكون معصوملأن الله لا يصدر عنه خطأ، و من ثم يستقى العقيدة التى يريد ان يعلنها الله له منهذا الكتاب. الآن، إذا تم توجيه نقد بسيط للكتاب المقدس، يبدأ كل شىء فى الإنهيار! فإذا ثبت لفرد ما أن الكتاب المقدس غير معصوم، يسقط كلشىء.
يتبع

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
2. Ibid, Vol 1
المفضلات