جداريات الكنائس السورية واللبنانية قبل قرونأبرز النشاطات في معرض الكتاب الفرنكوفوني اليوم، في بيروت، محاضرة تليها توقيع محمود الزيباوي، الكاتب والباحث، لكتابه "صور مسيحية من المشرق - جداريات الكنائس السورية واللبنانية في القرون الوسطى"، السادسة مساء في "صالة شحادة" والدعوة من "مكتبة البرج".
جمعها محمود الزيباوي بكتاب نادر يوقّعه اليوم
والكتاب من منشورات "المركز الوطني للأبحاث العلمية cnrs"، 198 صفحة من القياس الكبير، مع عدد كبير من الصور الملونة، قدمت له تانيا فالمانس، من كبار المتخصصين بالفن البيزنطي ومديرة في "المركز الوطني للابحاث العلمية".
يعرض الزيباوي في الكتاب آثارا مسيحية من سوريا ولبنان يجهلها الجمهور العريض كما يجهلها الكثيرون من المختصين بالفنون البيزنطية. بعض هذه الآثار دُرس من قبل، لكن غالبها لم يتطرّق إليه من سبقوه إلا باختصار، أو بالإشارة فحسب، وبعضها الآخر غير معروف. لهذا السبب، تطلّب هذا العمل أبحاثا ميدانية طويلة لدرس هذه الآثار وتصويرها. والكتاب هذا مهم لسبب آخر. فهو يجمع للمرة الاولى مجمل الجداريات المحفوظة في سوريا ولبنان، ويتجاوز أحيانا حدود هاتين الدولتين، بدون أن يهمل الهندسة المعمارية، والأيقونات والمنمنمات. إلى ذلك، يشمل هذا العمل ما تحويه هذه الآثار من كتابات مدونة، إلى كتابات تخص آثاراً باتت مفقودة، ما يجعله منجم معلومات.
غالبية هذه الآثار مهجورة، مما يعني أن قدرها الاندثار، أو ان عمرها سيكون قصيراً، وهي الحال التي آل إليها عدد كبير من كنائس الشرق الأدنى، أي الشريط الحدودي الشرقي للإمبراطورية البيزنطية. ويجب أن نأمل في أن يشكل هذا الكتاب، الغني بالصور والموثّق في شكل متكامل، دافعا إلى إدراك السلطات المختصة حقيقة هذا الوضع. وثمة سبب آخر يجعلنا نبتهج بهذا الكتاب، هو أنه يكمل دراسات سابقة ويلقي الضوء على آثار أخرى من فن الشرق المسيحي (مصر القبطية، أرمينيا، جورجيا وكبادوكيا)، كما أنه يتيح لنا إعادة تقويم لبعض الاستنتاجات العامة، وتأكيد استنتاجات أخرى. كذلك، يمكنه أن يساهم في تحقيق دراسات جديدة تتناول أصول العديد من النماذج الإيقونوغرافية التي تتميز عن القاعدة الشائعة في القسطنطينية، وهذه النماذج فلسطينية الأصل، كما يُرجّح.
لم تدمج المنطقة السورية بالمنطقة اللبنانية مصادفة، فآثار المنطقتين متقاربة بشدة، لا يمكن التمييز بينها. جداريات هذه الديار وهندستها المعمارية بيزنطية الطابع، لكنها تتميز بخصائص معينة تجهلها قاعدة القسطنطينية التي عرفت رواجا كبيرا في البلقان، في روسيا، في رومانيا، وحتى في إيطاليا. من جهة أخرى، تقارب هذه النماذج الإيقونوغرافية ما نرى في مناطق أخرى من شريط الإمبراطورية الشرقي. يظهر الاختلاف في البرنامج الإيقونوغرافي، حيث يحلّ مشهد "الشفاعة" مكان صورة "العذراء والطفل" في القسم الأعلى من هيكل الكنيسة. وفي القسم الأسفل، يحل فريق الرسل المنتصبين في وضعية المواجهة مكان مشهد "مناولة الرسل". وهذان الموضوعان إلزاميان في القاعدة المعتمدة في بيزنطية.
نلاحظ كذلك تكرار بعض المواضيع وندرتها هنا وهناك، وهي حال صورة الفارس المنتصر على قوى الشر التي تتكرر ست أو سبع مرات في كنيسة دير مار موسى الحبشي، وهو ما لا نراه أبدا في العالم البيزنطي "الغربي". هناك نماذج شائعة في سوريا منذ القرن الثاني عشر، وهي موجودة في فترات أقدم من هذه التاريخ في بلدان أخرى من هذا الشريط الحدودي الشرقي، وهذه النماذج مجهولة في بيزنطية حتى القرن الرابع عشر. مثال ذلك صورة "القديس جاورجيوس منقذا الفتى الأسير" التي لا تظهر في هذه الحقبة سوى في المناطق التي يظهر فيها الأثر الشرقي كما هو مرجّح، أي في قبرص وكريت على وجه خاص. أما مشهد "الدينونة" في كنيسة مار موسى الحبشي، فهو فريد كما يشهد العديد من عناصره الإيقونوغرافية. بعض الصور التي تجمع بين قديسَين أو قديستين تبدو كذلك حكرا على هذه البلاد، ويبرز ذلك على الأخص في حضور القديستين بربارة ويوليانة جنبا إلى جنب، وهذا ما يبرّره التقويم الكنسي السوري.
تتميز غالبية هذه الجداريات بأسلوبها الذي يقارب الكلاسيكية البيزنطية، كما في قارا، في صيدنايا، وفي كفتون. يظهر هذا التأثر في شكل غير مباشر في مار موسى الحبشي. وغالب الأحيان، نقع على لغة تشكيلية تبتعد عن النماذج البيزنطية القديمة، ويبدو ذلك في إهمال التجسيم والخلفية المذهبة والتفاصيل الثانوية الخاصة بمسرح الحدث. لذلك، يرجح أن رسامي هذه الجداريات هم عموما رهبان خرجوا من بيئة ريفية في سوريا ولبنان.
كل الآثار موصوفة في شكل دقيق. "نراها" حتى في حال عدم وجود صورة لها. المواضيع المصورة موثقة في شكل واف، وبعضها غير معروف للقارئ الغربي، وتم الاستشهاد بالنصوص الكتابية التي شكلت أساسا لها. القصص الخاصة بالقديسين الحاضرين في هذه الجداريات عرضت بدقة. والكشف بالكتابات اليونانية والسريانية يساعد في تحديد موقع الكثير من هذه الجداريات بالنسبة الى تاريخها ولمموّليها.
وفقا لمشروع تكوينه وإنجازه، سيكون هذا الكتاب مفيدا جدا للباحثين المختصين، وسيثير حتما اهتمام الهاوي المولع بالفن والتاريخ.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات