دمشق 18 ـ 11 ـ 2009
القـدس وأدبـاء من دمشـق
" نحن وإياكم مقدسيون ... وفي جهادنا المشترك اليوم بات اللقاء بين المسلمين وال***** لقاء خلق واحد في وسط عروبة صافية ".
بهذا خاطب بطريرك العرب المثلث الرحمات البطريرك الياس الرابع معوض مؤتمر القمة الإسلامي في لاهور عام 1974 .
تحتل القدس كرمز لفلسطين مكاناً خاصاً في قلوب أبناء سورية عامة وأبناء دمشق خاصة, فمن ربوعها انطلقت الديانات السماوية, وفي أحضانها ترعرعت أواصر الربط بين السماء والأرض, وفي أزقتها وأحيائها سار الرسل والأنبياء ناشرين رسالة الإيمان بالخالق, ومن أقصاها المقدس عرج الرسول العربي إلى السماء, وفي رحمها ولد ونشأ ابن الإنسان , وفي جلجلتها صلب وقام من بين الأموات مؤكداً لانتصار الحق على الباطل .
القدس زهرة المدائن والعاصمة الوحيدة في العالم التي ارتضى الله أن يجعلها جنة السماء على الأرض, كانت ومازالت وستبقى ملهمة القلوب والنفوس, إلى رحمته وبركته,
القدس استبيحت وسفكت دماء أبنائها عربوناً لوفائهم وتعلقهم برسالة السماء , والوحش الذي أعلنها صرخة مدوية مازال صداها يتردد من قرن لآخر , بأن " دمه علينا وعلى أولادنا " , مازال حتى اليوم يؤكد بشراسة وضراوة أن له الحق بها وبشعبها وبتراثها وتقاليدها , مستغلاً غباء من يدعون بأنهم أتباع يسوع الناصري الفلسطيني في العالم الغربي , بتزوير هويتهم وإيمانهم وكتبهم وتقاليدهم وتقليدهم المقدس .
وما من مدينة أجدر من دمشق في احتضان ورعاية " القدس عاصمة للثقافة العربية "
وما من أدباء عرب أفضل من أدباء سورية بتبني موضوع القدس كأنه موضوع سوري خاص , كالجولان السوري المحتل , ولم يستطع أدباء دمشق إلا أن يكونوا في طليعة المنادين بعروبة القدس وبحق العودة لأبنائها , وبتحريرها من الوحش الذي ازداد همجية وبربرية بالمساعدات المجانية الآتية من خلف البحار , فانبروا يدحضون الأكاذيب منوهين إلى الحقائق , ويزرعون الأفكار التي تتردد أصداؤها في " كل من له أذنان للسمع فليسمع " , في كافة المحافل والمؤتمرات والندوات والصحف والمجلات , بالإضافة لكتبهم ومقالاتهم والتي عبرت عن قلقهم وآمالهم , عن تطلعاتهم وإيمانهم .
ومن هؤلاء الأدباء الدمشقيين توقفت أمام كتابين واسمين كان لهما دورهما في فضح الأكاذيب ورفع راية الحقيقة ولاسيما أنهما يعبران عن المشرق المسيحي العربي الأصول والجذور, وهما:
1 ـ قدس الأب الياس زحلاوي الكاهن المسيحي العربي والدمشقي , عضو اتحاد الكتاب العرب ومؤسس جوقة الفرح ,وكاتب المسرحيات ,ومدرس تاريخ المسرح , وعضو لجنة دعم الشعب الفلسطيني , والذي شارك في مؤتمرات وندوات ومسيرات لتأييد حق أبناء فلسطين في أرضهم ونيل استقلالهم وإعلان دولتهم , وهو من مواليد دمشق عام 1932 .
2 ـ والسيدة مهاة فرح الخوري الأديبة العربية الدمشقية, عضو اتحاد الكتاب العرب , ومديرة مكتب مجلس كنائس الشرق الأوسط , وعضو المؤتمر المسيحي للسلام , ومؤسسة ومديرة مكتبة دار العائلة سابقاً , وهي أول ترجمان نسائي محلف منذ عام 1974, وكانت أول سورية تحاضر في الجمعية الوطنية الفرنسية عام 2001, وهي من مواليد دمشق عام1930.
ففي كتاب بعنوان " أمن أجل فلسطين وحدها ؟ " من إصدار مركز الغد العربي للدراسات لعام 2006 تابع قدس الأب الياس زحلاوي رسالة كتابه الصادر عام 2004 عن دار عطية وهو بعنوان " من أجل فلسطين " , عبر جمعه في صفحات كتابه الجديد لمقالات ومقابلات أجراها حول القدس وفلسطين ورسائل وجهها إلى أصحاب القرار في العالم , ونشرت في صحف ومجلات " تشرين " و" تشرين الأسبوعي " و" البعث " و" الكفاح العربي " و " الشاهد" و "الهدف " و" المحاور" و" آفاق" و" أوروبا والعرب " و " المحيط " و " حوار العرب " و " أيام الأسرة " و " أمارجي " .
وقد قام المرحوم المناضل وابن فلسطين الدكتور جورج حبش بتقديم هذا الكتاب قائلاً : " يطل الأب الياس زحلاوي على قرائه , بوصفه كاهناً عربياً مسكوناً بهواجس أمته , وقضاياها المصيرية ... يسعدني بالتأكيد ويشرفني أن أقدم لهذا الكتاب الذي يعبر عن صرخة حق, وآلام كاهن عربي يشعر بآلام شعبه ... أختم بتوجيه تحية تقدير وإعجاب للأب الياس زحلاوي لدوره التنويري كرجل دين مسيحي ... " .
أجد نفسي ملزماً بنقل بعض اللمحات للقارئ العربي, فقدس الأب زحلاوي يذكر خجله وتردده من الكتابة حول الانتفاضة ص 36 " فنحن هنا , نتكلم , وهم , هنالك يموتون ...عنا جميعاً " , وأستطيع أن أقدر غضبه وسخطه من الأنظمة حين كتب ص 37 " أفلا تستحق الانتفاضة فضلاً عن التبرعات الشعبية , أن يخصص لها رسمياً , من قبل الأنظمة العربية , بعض المليارات " ,واعتماداً على الرسالة التي وجهها كاردينال بوسطن " برنار لو " إلى الرئيس بوش بتاريخ 4 / 12 / 2002 , والتي بحسب الأب زحلاوي ص163 " فيها وقفة تاريخية لمسئول كنسي كبير " فقد دعته هذه الرسالة للتساؤل " ترى ما كان وزن العرب في الولايات المتحدة الأميركية والعرب في فلسطين تحديداً, في إحداث مثل هذا التغيير لدى كاردينال بوسطن , وما الذي يسعنا فعله نحن العرب , كي ندعم مثل هذا الموقف الشجاع والإنساني , ليمتد تأثيره ويتسع ؟ " , ويزداد غضب الأب زحلاوي على ما يبيته الغرب المسيحي للشرق المسيحي فيكتب صارخاً ص93 في رسالة إلى أصدقاء في الغرب " ... ولتكن لكم الشجاعة لتذكير رجالات الكنيسة الجبناء , الذين يتولون مسؤولية رهيبة هي هدايتكم وقيادتكم, أنهم قد ينجحون بسبب صمتهم المخزي حيال الفلسطينيين, وكذلك بسبب دعمهم غير المشروط لليهود , في تحقيق إنجازين فظيعين :
1 ـ تكريس الشعب اليهودي كشعب قتلة, لا أكثر ولا أقل.
2 ـ زوال مسيحي العالم العربي, عاجلاً أم آجلاً.
من تراه سيغفر لهم هذه الخطيئة المزدوجة, التي لا مغفرة لها ؟ ! " .
وفي إحدى رسائله المؤرخة بتاريخ 21 / 12 / 2004 إلى الرئيس شيراك يكتب له : " هل الذي يلاحظه كل متتبع للسياسة الفرنسية والأوروبية , إن على صعيد السياسة العالمية , أو على صعيد الصراع العربي ـ الإسرائيلي , يطابق ما كان مرجوّاً ومتوقعاً ؟ ... أما حان الوقت لتقف في صف الحقيقة والعدالة, وإذن في صف المظلومين, حتى لو قامت عليك الدنيا ".
ولا ينسى قدس الأب زحلاوي في اهتمامه بفلسطين دوره كرجل دين مسيحي يدعو للحوار والتآخي فيكتب ص 277 : " ألا ليت الذين يرنون إلى الغرب في خوف وتحرق , يرحلون عنا ويدعوننا مع أبناء شرقنا , نواجه معاً بشرف مصيرنا المشترك , وليت الغرب " الحريص " على مسيحيي الشرق , يدعنا ومسلمي الشرق نتدبر أمورنا فنحن من دونه قادرون على العيش في وفاق , لبناء حياة كريمة ... وليرفع يده عن الشرق, وليكف عن دعم الظالم القائم فيه بسببه, ولاسيما في فلسطين المحتلة وفي العراق المحتل ".
وتحت عنوان " لأجلك ياقدس " أصدرت الأديبة مهاة فرح الخوري كتابها في بداية عام 2009, الذي طبع في مطابع ألف باء ـ الأديب الدمشقية العريقة ,وتصدر غلاف الكتاب لوحة من رسم الأستاذ الياس زيات حيث عبرت عن القدس السجينة " امرأة مرتدية الزي الفلسطيني متوجة بسور المدينة ,وعلى يسار المرأة الرمز يتماهى الهلال والصليب تحملهما مئذنة وقبة كنيسة,وتظهر المدينة محاطة بأسلاك شائكة " .
يتألف الكتاب من محاضرات وندوات ألقيت, ومقالات نشرت في صحف ومجلات مثل"حمص " و " تشرين " و " تشرين الأسبوعي " و " الثورة " و " الثقافة " و " البعث " و" صدى المعركة " و " الثقافة الأسبوعية " و" الأسبوع الأدبي " و" المجلة البطريركية " و" البناء "و " النهار " , ومع الكلمات المسطرة بدموع الحزن والغضب والفرح , كانت هناك صوراً مرافقة تذكر إن لم تجدي الكلمات .
ومع مقدمة بعنوان " فلسطينيات الأديبة مهاة فرح الخوري " تحدث المفتي العام الدكتور أحمد بدر الدين حسّون عن دور أديبتنا على الصعيد السوري قائلاً : " من خيرة وأوائل من ساهم في إرساء قواعد العيش المشترك بين أتباع الشرائع السماوية وتعزيز الوحدة الوطنية السورية " ,وأما على الصعيد الفلسطيني فإن " كتابتها عن فلسطين لم تكن إلا نبعاً من فيض البيئة التي عاشت , والظروف المحيطة التي مرت , فهي من رحم المعاناة تكتب , ومن شفافية الموقف تستلهم , ومن روح العطاء والإيمان تمسك قلمها " .
ويقدم لنا صاحب السيادة المطران جورج خضر وصفاً آخر لأديبتنا حيث يكتب " يهيمن على قلمها قلبها فتتحسس الشأن القومي والإنساني الشامل معاً بكل جوارحها ... الكاتبة تكتب أحياناً وكأنها تبكي ... وفي نجواها كثيراً ما استدعت فلسطين ... في أيدي القراء كتاب يقرأ بسهولة وبحب لطابعه الرقيق ولإلهامه الروحاني, عروبته ثقافة صافية, لطيفة تبرز منها في الكتاب دمشق والقدس ".
وتحت عنوان " مهاة فرح الخوري ورسالتها المريمية " شارك الشيخ حسين أحمد شحادة في تقديم هذا الكتاب بقوله : " وكأن مهاة فرح منذورة من أول بواكيرها الأدبية لهذا الدور المريمي في تخصيص لغتها دفاعاً عن آلامنا وحقنا الإنساني في الحب والفرح ... وأراني ألتاع بلوعة مهاة فرح الخوري من فداحة الحزن الذي لحق بالعرب".
"ياقدس عاصمة الثقافة العربية 2009 هاك هديتي ومحبتي ".
بهذه الكلمات الواضحة والصريحة تبدأ الأديبة مهاة فرح الخوري كتابها المهدى إلى القدس , لتتابع قائلة ص 19 : " ألا تستحق عاصمة الإسراء والمعراج والشهادة تحية إكبار وإجلال وهدية متواضعة توجز ما طفق به القلب وتبناه الفكر ؟ كلمات محبة وحنين ومنطق " .
وتحت عنوان " لا تحزن أيها الطفل الفلسطيني... قتل رسول السلام قبلك على الأرض نفسها... " تحتفل أديبتنا بعيد الميلاد على طريقتها كاتبة ص 77 " جاء بابا نويل محملاً بهداياه الكثيرة اللماعة , راح يطرق أبواب أطفال فلسطين , وإذا بهم خارج البيوت يهرعون ليثبتوا حقهم في الحياة يدافعون عن النفس , بماذا ؟ ببعض الحجارة , لاحيلة لهم سواها , بحجارة وتصميم " .
وتحت عنوان " جوقة الفرح مع أطفال الحجارة وفلسطين " تشيد الأديبة مهاة بجوقة الفرح كون إنشادها " نداء جميل جريح لفلسطين , للقدس ... إنها صرخات, أنغام من حناجر أطفال تمجد إخوانهم هناك, أطفال الحجارة, تهلل للبطولة.. إنها تسجيل وتأريخ للشهادة " .
وفي رسالتها إلى صاحب القداسة البابا يوحنا بولس الثاني ص 183 تكتب " دمشق غصت بأهلها , بزحف مقدس قل مثيله ...استقبلتكم بالورود والرياحين ... نداء من أعماق القلب من مواطنة عادية... رحمة , رأفة بأطفال أبرياء , بنساء وشيوخ في فلسطين يعانون عذاباً وظلماً وقهراً واستشهاداً , نداء ورجاء لتتحقق أنشودة الميلاد ".
وفي " كتاب مفتوح " وجهته إلى الرئيس بوش ووزيرة خارجيته تكتب صارخة منادية بلسان مواطنة سورية عادية " هذا الشعب ... هل يستحق كل هذه المصائب والكوارث والنكبات التي تهبط بثقلها عليه فتعصفه وتجتاحه من " طفلكم المدلل إسرائيل " يا أسياد العالم ".
ماذا أقول ؟ وماذا أكتب ؟ فالكتابان بحر تعددت شواطئه, والمقالات المكتوبة بهما رمال توزعت حباتها كدرر في موانئ العالم, لذلك أترك لك قارئي العزيز العودة إليهما ومطالعتهما, وأرفق فائق شكري وعظيم تقديري للكاتبين المتألقين, ولكل من كتب عن القدس وفلسطين.
اليان جرجي خباز

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات