درجت، في الأيّام الأخيرة، موجة استعراضات طرد الأرواح الشرّيرة، سواء في الإعلام المرئي والمسموع أو في كنائس مختلفة، هنا وثمّة، يتهافت عليها الناس بدافع الفضول ومطالعة الجديد والغريب والآتي من العالم الآخر! هذا مسعى مستحدَث لغزو الإعلام والروح الاستعراضيّة مُقدَّساً آخر من مقدَّسات الكنيسة. يبدو أنّه لم يعد هناك من حرمة لشيء بإزاء الكاميرا! الإنسان، عندنا، يتحوّل، بصورة متزايدة، إلى كائن إعلامي ممثّل والكنسيّات إلى مراسح ومسرحيّات: الصلوات، التراتيل، القداديس الإلهيّة... نفهم أن يُطرَح موضوع "الأرواح الشرّيرة" في التراث الكنسيّ من باب التعريف والبحث والدراسة، ولكن أن يُدعى الناس أو عدسات المصوِّرين إلى جلسة طرد للأرواح الشرّيرة فشأن آخر يدلّ على عدم مسؤولية في الموقف، كنسيّاً، وعلى جهل بطبيعة ما يجري في جلسة من هذا النوع سواء على صعيد التعاطي مع الشياطين أو على صعيد التأثيرات التي تخلِّفها مثل هذه الممارسة في نفوس الحاضرين أو المشاهدين.
إيضاحاً للأمر نبدي الملاحظات التالية:
أوّلاً . الروح الخبيث كائن حيّ. إبليس يصفه الربّ يسوع بـ "القتّال" و "الكذّاب" (يو 8: 44)، والروح الذي يعمل في أبناء المعصية يسمّيه الرسول بولس بـ "رئيس سلطان الهواء" (أف 2: 2). الأرواح الخبيثة قادرة، فقط إذا سمح لها الله، أن تدخل في وصال مع الناس وتؤثّر فيهم. المؤمنون بالرّبّ يسوع محميّون بالأمانة للوصيّة الإلهيّة والقدسات وذِكر اسم الرّبّ يسوع. غير أنّ التعاطي المباشر مع الأرواح النجسة خطر ومحظّر كنسيّاً. في سِفر أعمال الرسل أنّ أبناء سكاوا، رئيس الكهنة، في أفسس، كانوا يُقسمون على الأرواح الشرّيرة بيسوع الذي يكرز به بولس، فوثب عليهم الإنسان الذي كان فيه الروح الشرّيرة وغلبهم وقوي عليهم حتّى هربوا من البيت عراة مجرّحين (أع 19: 13 – 16). وفي سيرة القدّيس البارّ بطرس الأنطاكي الصامت (25 تشرين الثاني) أنّ خادماً ارتدى ثوب النسّاك وأخذ يفعل ما يفعله الرهبان المتوحّدون لجهة تمثيل طرد الروح الخبيث من مجموعة من الفتيات يلهون ويدّعين أنّهن ممسوسات. فما كان من الروح الخبيث سوى أن دخل في الخادم وسكن فيه!
ثانياً . كلّ خطيئة يرتكبها الإنسان هي بتأثير مباشر أو غير مباشر من الأرواح الخبيثة. الكاتب الكبير سي. أس. لويس كان يتحدّث عن دائرتَي تأثير أساسيتَين يمكن أن يدخل فيهما الإنسان: دائرة التأثير الإلهيّ ودائرة التأثير الشيطانيّ. في الأولى يأتي الإنسان كلّ صالحة وفي الثانية كلّ خطيئة. كذلك كلّ علّة يعانيها الإنسان هي من تأثير شيطانيّ مباشر أو غير مباشر. على أنّ هناك فرقاً بين أن يصنع الإنسان الخطيئة بإيحاء أو بتأثير من الشيطان وأن يكون الروح الخبيث ساكناً فيه. كلّ إنسان خاطئ، تعرّض ويتعرّض لتأثيرات شيطانيّة، ولكن ليس كلّ إنسان مسكوناً من الشيطان. سكنى الروح الخبيث في إنسان ليس أمراً سهلاً القطع فيه. التمييز بين النفسانيّات والروحيّات ليس متاحاً لكلّ إنسان. مَن ليس سالكاً في القداسة وليس له روح التمييز من فوق لا يمكنه أن يعرف، يقينيّاً، حقيقة ما في الإنسان الذي تبدر عنه ظواهر غريبة. فقط يخمِّن. والتخمين في مسائل من هذا النوع غير جائز وخطير.
ثالثاً . المناخ السائد في الجلسات الاستعراضيّة ليس مناخاً روحيّاً، بالمعنى الصارم للكلمة، بل مناخ نفسانيّ شيطانيّ. طالما هناك عدسة مصوِّر وتسجيلات صوتيّة وجمهور وواقع مسرحيّ فلا يمكن أن تكون هناك صلاة روحيّة. الصلاة والحال هذه تكون نفسانيّة، أساسها الأفكار والمشاعر والأحاسيس والنصوص والأشكال الخارجيّة والتمثيل. قد يكون هناك كاهن لابس ثيابه الكهنوتيّة، لكن السياق لا يكون ليتورجيّاً بالمعنى الدقيق للكلمة. الجو المسرحيّ يستدعي التصرّف المسرحيّ، لذلك يُتعاطى طرد الأرواح الشرّيرة، في مثل هذا الجو، في سياق غير مؤاة ويؤول لا محالة إلى إيحاءات مغلوطة مشبَعة بالاضطراب كأن يحسب بعض القابلين للإيحاء بيسر أنّهم مسكونون من روح خبيث، وهم براء منه، وأن ينسب الوسيط خطأ إلى هذا أو ذاك ممّن يبدون تصرّفات غريبة سكنى الأرواح الخبيثة فيهم. وقد يسقط بعضٌ أرضاً من قوّة الإيحاء الذاتي الواهم، وقد يصرخون أو يتشنّجون ويتفوّهون بكلام غير صحيح عن أنفسهم. عندما تشتدّ وتيرة الضغط النفسي – وهذا مناخ موافق لذلك – فإنّ الضبط النفسيّ عند بعض الناس يضعف ويُبدون ردود فعل مقلقة حقّاً. التماسك الفكريّ والنفسيّ يتداعى!
رابعاً . ثمّ إن الأرواح الخبيثة، في مناخ مسرحيّ نفسانيّ، يتراوح ردّ فعلها بين العنف والسخرية فترفع درجة الأذى والهياج النفسيّ والقلق والتشويش سواء بين الجمهور أو المشاهدين أو لدى الكهنة الوسطاء. وبالإيحاء والتوتّر الجماعيّ والذاتيّ قد تجد الأرواح الخبيثة السبيل ممهَّداً لتأثير أكبر في الناس وربما إلى سكنى بعضهم. وهكذا تتحوّل الجلسة الاستعراضيّة لطرد الأرواح الخبيثة إلى جلسة لاستدعاء الأرواح الخبيثة إذ تكون النفوس منفتحة عليها.
هذا موقف العديد من آباء الكنيسة، والمعاصرين أيضاً أمثال الشيخَين برفيريوس وبائيسيوس.
الشيخ برفيريوس الرائي، الراقد في 2 كانون الأوّل 1991، والمعروف كأحد أبرز الروحانيّين في القرن العشرين، جاءه، مرّة، كاهن يتعاطى الاستعراضيّة في طرد الأرواح الشرّيرة. دونكم ما قاله له:
"أتظنّ نفسك القدّيس أنطونيوس الكبير لتدّعي طرد الأبالسة؟! لماذا تثير هذه الأبالسة بما تفعله ثمّ تترك ضحاياها عرضة، بلا سند، لتعذيبها؟... إنّ ما يجري، اليوم، لجهة مَن يظنّون أنفسهم أنّهم طاردون للأرواح الخبيثة، ويديرون، علناً، وأمام جمهور، جلسات طرد للأرواح الشرّيرة، هو خطيئة عظيمة وأمر غير مقبول البتّة. ألا تعلم أنّ الأبالسة تهاجم الأفراد المعافَين الذين يتابعون جلسات طرد الأرواح الخبيثة ويحملونهم على الظنّ أنّهم هم أنفسهم مسكونون؟ وإلى ذلك يهاجمون الكهنة أيضاً ويهيجونهم؟... ما هو أنجع من إعطاء الأوامر للأبالسة بالخروج ممَّن يعانون... هو الصلاة إلى الله في القدّاس الإلهي والأسرار وبقيّة الصلوات لكي يرسل نعمته إليهم. بهذه الطريقة تُظلِّل نعمة الله المريض بِرَطَبِها ويحفظ الكاهن نفسه من الوقوع في التجربة أو الإثارة أو ارتكاب خطأ ما... على أنّي لا أقول إنّه لا تجوز تلاوة الاستقسامات على الذين لا طاقة لهم على مساعدة أنفسهم، لكن ذلك يجب أن يجري بالكثير من التمييز وفي الصمت" (من كتاب "نصائح مختارة" بالفرنسيّة 2007 ص 162 – 163).
على هذا نقول: ليس موضوع طرد الأرواح الشرّيرة للهواة، ولو كانوا كهنة. لا يدّعينّ أحد ما ليس له، ولا يتسرّعنّ أحد في تعاطي أمر لا يُعطى إلاّ لبعض المتمرّسين، بعمق، في أصول الحياة الروحيّة. كذلك ليحفظ المؤمنون أنفسهم من حضور أو مشاهدة ما يجري، على هذا الصعيد، سواء على الشاشة الصغيرة أو في الكنائس لئلا يعرِّضوا أنفسهم لمغامرة خطرة ولعنة. مَن يلعب بالنار تحرقه! فامتنعوا!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
منقول : http://serafemsarof.com/vb/showthread-t_4295.html

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس



المفضلات