أول من بشر بولادة السيد المسيح
جورج حنا عبدالله
الأكراد أول من بشربولادة السيد المسيح، وأول من من قام بزيارته إن مايرويه أنجيل ( متى ) وفي الإصحاح الثاني منه تحديداً، حول الوقائع التي رافقت ولادة السيد المسيح في مدينة ( بيت لحم )، من أرض فلسطين، وزيارته ومن ثم التبشير برسالته من قبل (مجوس) أتوا من المشرق حاملين معهم هدايا ثمينة، لاشك أن تلك الزيارة تحمل معاني ورموزاً وتنبؤات مستقبلية، تدفع بالمرء إلى الأيغال بعيدا في التفكير والتأمل، وإلى استخلاص الكثيرمن الحقائق والدروس العبر، في مكان وزمان كان يجري من خلالهما الكثير من التفاعلات الحضارية والتأثيرات الدينية والثقافية المتبادلة – وبدون انقطاع – بين شعوب وأعراق متعددة، ومتباينة تعيش متجاورة ضمن هذه المنطقة التي تدعى بـ ( الشرق الأدنى القديم). وهي رقعة ضيقة من الأرض نسبياً. كانت يوماً ما مهداً للأنبياء والرسل، ومهبطاً للوحي والرسالات السماوية عموماً. ومن ربوعها امتدت هذه الرسالات والحضارة الإنسانية إلى جميع انحاء العالم المعروف آنذاك، وبذلك ساهمت في امتزاج الثقافات العالمية وإلى التأثيرات المتبادلة بين أفكار الشعوب والأقوام، دينياً كانت تلك التأثيرات أم ثقافية، مما أدى إلى تقارب الكثير من المفاهيم والقيم والمثل الإنسانية العليا في العالم حتى اليوم. وحول البشرى المذكورة، وتماذج الثقافات يورد الإنجيل مايلي ( ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودس الملك، إذا مجوس من الشرق قد جاؤا إلى أورشليم قائلين: أين هو المولود ملك اليهود. فاننا رأينا نجمة في المشرق وأتينا لنسجد له. فلما سمع هيرودس الملك إضطرب وجميع أورشليم معه. فجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم أين يولد المسيح. فقالوا له في بيت لحم اليهودية . . . . حينئذ دعا هيرودس المجوس سراً وتحقق من زمان النجم الذي ظهر فيه ثم أرسلهم إلى بيت لحم وقال: إذهبوا وافحصوا بالتدقيق من الصبي. ومتى وجدتموه فاخبروني لكي آتي أنا أيضاً وأسجدله فلما سمعوا من الملك ذهبوا وإذا بالنجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتى جاء ووقف فوق حيث كان الصبي . . . . وأتوا إلى البيت ورأوا الصبي مع أمه مريم فخروا وسخدوا له. ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا ذهباً ولبناً ومراً. ثم أوحى لهم في الحلم أن لا يرجعوا على هيرودوس انصرفوا في طريق أخرى إلى كورتهم . . . . حينئذ لما رأى هيرودس أن المجوس سخروا به غضب جداً. فأرسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها من ابن السنتين فما دون ) – متى – 2. بعد هذا السرد الشيق والطريف الذي أورده الأنجيل حول الزيارة التاريخية التي قام بها الكهنة المجوس للسيد المسيح، ألا يحق لنا أن نتساءل، من هؤلاء المجوس؟ وما هي علاقتهم بالمسيحية، وما هو مغذى زيارتهم لطفل المغارة الذي سيصبح فيما بعد نبياً لإحدى أشهر الديانات السماوية الثلاث في العالم؟ ولتوضيح ذلك نقول: بان الميديين هم أسلاف الأكراد الحاليين، أو كما يقول: المستشرق الروسي ( مينورسكي ) في كتاباته حول أصل الأكراد وتاريخهم، من أن الأكراد هم أحفاد الميديين، كما يذهب آخرون إلى ان المجوس أو الماغا، هو اسم قبيلة ميدية كردية صرفة، كان موطنها ميديا الشرقية، وليس اسماً لمهنة دينية، كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، مثلما هو الحال لدى بعض اليونانيين القدماء الذين أشكل عليهم الأمر، فظنوا المجوس إسماً لطائفة دينية بخلاف ما رأينا. ومن الصحيح القول: بان رجال هذه القبيلة الميدية، قد تحولوا بأجمعهم إلى كهنة للإله الآري (ميثرا) الذي هو من صنعهم تماماً، ثم للإله الزرادشتي ( اهورا – مزدا ) فيما بعد، وقد توارثوا هذا الأمر كابراً عن كابر، أي ما نريد قوله هو: أن الوظيفة الدينية انحصرت في هذه القبيلة الكردية الميدية دون سواها من القبائل، شأنها في ذلك شأن عشائر السياد العربية الذين يعتبرون أنفسهم أحفاداً لـ ( علي والعباس ) فلا يحق لأحد غيرهم الإنتساب إلى السياد ما لم يتصل نسبه بهذين الرجلين، أحدهما عم الرسول، والآخر ابن عمه. ومثلها لا يحق لأحد أن يكون كاهناً ميثراوياً دون أن يتصل نسبه بالقبيلة الميدية الماغية هذه. وقد أكد المؤرخ اليوناني ( هيرودوتس) هذه الأقوال عندما ذهب أيضاً، إلى أن المجوس ( الماغا) اسم قبيلة من الميديين: وإن الفرس والميديين يختارون كهنتهم من بين هذا القوم أو القبيلة . . . ويعمل أفرادها بالعرافة والكهانة والتنجيم. ( كتاب . ميديا .إ.م. دياكونوف – ص 360 ). هؤلاء هم المجوس من الكرد الذين زارو السيد المسيح وبشروا برسالته، ظهروا لنا بعد الأدلة السابقة انهم – وبكل تأكيد – ميديون أكراداً – وسنأتي على ذكر تفاصيل ديانتهم وتأثر المسيحية بها لاحقاً. ويروي الأنجيل، كيف أن نجمةً قادتهم إلى مكان وجود المسيح في بيت لحم وإنهم التقوه مع أمه العذراء وقدموا له هداياهم، وكانت الهدايا ثلاثة أشياء، ذهباً، ولباناً، ومراً، الأمر الذي يبعث على الإعتقاد بان هذه الهدايا ليست سوى إشارات رمزية واضحة إلى ماهية المولود الجديد ومستقبله، وعلى إنه إله أو بضع من إله أي ابنه، الأمر الذي سنوضحه بعد قليل. أما كيف استشففنا من هذه الهدية الرمزية، معنى الإلوهية، فنعتقد ان ذلك أمر بيّن. ولكن لنعد أولاً إلى تساؤلات نيافة المطران ( ديوينسيوي بن الصليبي ) مطران آمد ( ديار بكر )، الذي بدأ يسأل نفسه بكثير من الإندهاش فيقول: من أين عرف هؤلاء المجوس أن يقدموا له مثل هذه الهدايا؟ ويأتي جوابه على ذلك، بأن الذهب كان يقدم لملوكهم – أي ملوك المجوس – واللبان لآلهتهم، وبالمر يحنطون موتاهم. وهذا في أعتقادنا تفسير فيه الكثير من البساطة و السطحية و خاصة في مسالة الذهب تحديداً، بينما هناك شيىء من الصحة فيما يشيرون به إلى ما قدموه من هدية للمولود الجديد، فحسب هذه هو فعلاً إله أو بضع من إله، ثم إنه ملك أي بشر وسيموت كما يموت البشر أي كإبن لإنسان، و بذلك يكون الماغيون الكرد هم أول من أشاربذلك إلى الطبيعة الثنائية للسيد المسيح، و قبل مجمعي ( نبقية ) 325م و ( خليقدونية ) 451م، بعدة قرون كما هو ظاهر من التواريخ المذكورة. أما تفسيرنا للهدية فيأتي ضمن سياق المعطيات التاريخية – الدينية لها، حيث الذهب بلونه الأصفر المماثل للون خيوط أشعة الشمس، هو رمزالإله ( ميثرا ) إله الشمس اليزيدي – المجوسي – الزرادشتي، الذي كان الميديون الكرد يعتقدون أن الذهب نسج من هالته الصفراء، بمعنى أن هذا الذهب هو جزء أو بضع من ذاك الإله، و من نفس مادة جسده، و البضع من الشيء يعني أنه نفسه أو وليده، و بالتالي يحمل خصائص هذا الشيء و صفاته، أي كأنما المبشرون كانوا يرمزون هنا بتقديم الذهب للمولود الجديد على أنه ابن الإله ( ميثرا ) و وليده و هذا ما يوافق قول الإنجيل بنعت السيد المسيح بروح الله، و في القرآن الكريم ورد أيضاً ( و نفخنا فيه من روحنا ) – التحريم – 12. أما فيما يتعلق بالهديتين الأخريتين فنتفق مع نيافة المطران، على أن اللبان كانوا يقدمونه لآلهتهم فقدموه للمولود الجديد، زيادة في التأكيد على ألوهيته. واللبان من البخور وحتى اليوم مازالت أجواء الكنائس تبخر بروائحه الذكية. أما المر الذي كان الماغيون الكرد – وحسب ديونيسيوس أيضاً – يحنطون به موتاهم، فيصح أن يكون هنا رمزاً لموت السيد المسيح، أي ان هذه التنبؤات التي جاءت على شكل هدايا رمزية، هي تمثيل لما سيجري مستقبلاً للنبي المنتظر، وإشارة – وكما ورد – إلى الوهيته وانه سيقتل كالبشرعلى يد أعداء رسالته، وهو ما حصل تماماً كما يرويه الإنجيل نفسه. وضمن هذا السياق أيضاً، نشير إلى ان قيام وفد المبشرين بالسجود للسيد المسيح وبخشوع، ما هو إلا تأكيد آخر وإقرار منهم بألوهيته، فالسجود من الكهان لا يكون إلا للآلهة، وهو الأمر الذي يشير – بما لا يدع مجالاً للشك – على ان الميديين الكورد، هم أول المبشرين بولادة ابن الله وبمبعثه، وأول من قدم له الهدايا وسجد له، وأول من آمن به وشهد له بالحق، وأول من تنبأ بألوهيته وموته كبشر، وأول من أشارإلى الطبيعة الثنائية فيه، وهم الذين أوحي إليهم من أجله، و أول الذين حموه من القتل وهو صبي. في وقت كان فيه اليهود من بني جلدته ومواطنيه الأقربين منه، في غفلة عنه ساهون! أما النبوة الواردة في الإنجيل عن اليهود عندما سألهم هيرودس بقوله: أين يولد المسيح، فقالوا له في بيت لحم اليهودية . . . لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي ). فإنها تبدوا وهي تناقض نفسها بنفسها، بهذا الشكل أو ذاك – إذ ربما المقصود في النبوة ليس هو السيد المسيح، أو أنها وضعت بعد بشرى الماغيين به، كمحاولة يائسة من اليهود لإدعاء معرفتهم بالحقيقة مسبقاً حتى لا يقال ان إله اليهود قد خذل أتباعه ولم يخبرهم بولادة ابن الله ومخلص العالم ومنقذه من آلامه وخطاياه. ونستدل على هذا من أن المسيح في المحصلة لم يرع الشعب اليهودي، أو بالأحرى هم ابتعدوا عنه وعما جاء به وخذلوه في ساعة الشدة، بل ترك يسير وحده في درب الآلام، ثم صلب وقتل – حسب رواية الإنجيل – على يد أصحاب النبوة ذاتها بكثير من القسوة والوحشية. ومن هنا نشير إلى ان العلاقة بين اليهود والسيد المسيح لم تكن في يوم ما علاقة الراعي بالرعيةأبداً، سوى بعض من حواريه من العبرانيين فقط، فالنبوة أخفقت في ترجمة نفسها على أرض الواقع، وكانت مزيفة في مضامينها وقراءاتها المستقبلية.
يتبع

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المجوسية هرطقة مركبة من الحنيفية والكلدانية، تسجد للعناصر كالحنفاء للكواكب وهي ضالة بعدد معرفة النجوم والبروج)- المصدر السابق. ولكنه يؤكد في موضع آخر، بأن المجوس
المفضلات