الأعضاء الذين تم إشعارهم

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: شهادة: فقد عينيه وذراعيه... ولكن قلبه اتسع للحب

  1. #1
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي شهادة: فقد عينيه وذراعيه... ولكن قلبه اتسع للحب

    شهـــــادة


    فقد عينيه وذراعيه...


    ولكن قلبه اتّسع للحُبّ



    من أروع السير، وأشدّها أخذًا بمجامع القلوب، وأبلغها تأثيرًا في النفوس، وأقواها على استنهاض الهمم وإثارة الإلهام والإعجاب، تلك التي تروي نضال أفراد كان إرثهم من الوجود مشبعًا بالحرمان، فواجهوا الحياة معاقين، أو أصابهم الدهر بما سلبهم بعضًا من أثمن ما يتمتع به الإنسان من أعضاء وحواس؛ غير أنهم لم يلقوا من جراء ذلك سلاحهم، ولا استسلموا إلى استكانة أو قنوط، بل آمنوا بطاقات الروح اللامحدودة، وبقدرات الإرادة التي لا تعترف بهزيمة، وكافحوا بعناد وصلابة، وارتقوا عاليًا فوق الحرمان والإعاقة والمرض، وصفعوا، بما حققوه من نجاح، الدهر الذي قسا عليهم، صفعة انتقام رائعة، وقدّموا إلى أمثالهم الكثر في دنيا العذاب والحرمان رسالة أمل وعزاء، ودعوة إلى الشجاعة والكفاح، وأثبتوا للناس جميعهم، بالدليل القاطع والمثل الحيّ، أن السعادة والحياة ليستا وقفًا على الأصحاء والأقوياء، وأن القلب هو المنبع الوحيد للفرح، وأن العزيمة المناضلة هي المصدر الرئيسي للنجاح، وأن الإيمان الراسخ الجذور هو شرط الحياة الحقيقية.
    ونسوق فيم يلي بعض لمحات وتعليقات وتأملات لواحد من الممثلين المعاصرين لتلك الفئة من الأبطال الأفذاذ، وهو الفرنسي جاك ليبريتون (J. Lebreton) عسى لهذه المقتطفات أن تنجلي عن قبسات نور ونغمات أمل.
    · قنبلة تنفجر
    كان في الثامنة عشرة من حياته الضاجّة بالصخب، عندما نشبت الحرب العالمية الثانية، فهجر فرنسا موطنه إلى انكلترا، حيث سلخ خمسة عشر شهرًا في الدراسة، التحق على إثرها بالخدمة العسكرية؛ وإذا به في صحراء ليبيا، حيث تلقّى عماد النار في معركة العلمين، ضدّ الألمان والإيطاليين؛ وفي الخامس من تشرين الثاني من عام 1942، بضعة أيام عقب تلك الموقعة الرهيبة، وفيما كان ورفاقه يصلحون أسلحتهم، تولّى ذعر مفاجئ زميلاً له أثناء محاولته إبطال قنبلة يدوية، فقذفها إليه، في حركة لا شعورية؛ ويعود جاك ليبريتون بالذاكرة إلى تلك اللحظة الحاسمة التي غيّرت مجرى حياته، محلّلاً، فيقول: "لم يتوفر لديّ الوقت للخيار، فإما الإحتفاظ بالقنبلة تفاديًا لإيذاء الرفاق، أو إلقاؤها على أي أحد سواي فأنجو بنفسي... لحظات خاطفة، وانفجرت القنبلة بين يديّ. كان قدرًا سخيفًا، لا مجد فيه ولا مذلّة. ربّما حاول البعض، فيما بعد، أن ينسجوا حول ذلك الحادث هالة "للبطل"، غير أن الحقيقة، هي على خلاف ذلك، بسيطة، عارية؛ ويسعني أن أقول، في غير ما تواضع كاذب إن البطولة تتمثل في ما عقب ذلك، وعندما آذن الأوان لمواجهة الصدمة".
    وفي الواقع، لقد فجّر ذلك الإنفجار مغامرة إنسانية وروحية فريدة رائعة.
    لم يستوعب الشاب المصاب، بادء الأمر، خطورة ما حلّ به، فقد ظلّ أربعة أشهر يجهل أن ذراعيه قد بترتا؛ أما العمى فقد شرع يرتاب في أمره، منذ الأسبوع الثالث الذي تلا الحادث؛ إلا أنه بات يمنّي نفسه بأنه عمى موقت، فالإنسان غالبًا ما يحاول إنكار الواقع، وقد يساعده ذلك على تحمّل الصدمة المفاجئة، والحدّ من وقعها القاطع؛ لقد انقضت سنة بكاملها قبل أن تتكشف له الحقيقة، في كلّ مرارتها؛ وفي غضون تلك الفترة كان قد تعلّم كيف يدلف العيش من غير بصر؛ وما انفكّ يداعب أملاً واهيًا مترددًا في استعادته ولو شعاعًا خافتًا من رؤية. وكان من شأن الزمن الذي انصرم مهدهدًا مثل ذلك الأمل، أن يثلم حدّ الملمّة.
    أما بتر ذراعيه، فكان الوقوف على حقيقة أمره فظيعًا، أصاب الشاب بما يشبه الخبَل، بمثل ما يصاب به مصارع استنفذ جميع قواه فهوى منهارًا مغلوبًا. ومثلما ينتاب الدوار من يرتقي قمّة شاهقة، راودته، وهو في ذروة شعوره بالكارثة، فكرة الإنتحار، راودته كمسّ جنون، وهو يتطلّع إلى الحياة الجديدة التي تشرع سبلها أمامه. "لحظة استسلام لليأس، يقول ليبريتون، كانت كافية لحملي على القفز من فوق حاجز، والقضاء على حياتي؛ وإن لم أفعل ذلك، حينئذ، فربّما لأنني، ببساطة، كنت عاجزًا عن سلخ رأسي عن الوسادة".
    · ثورة... هادئة
    وقد ثار ليبريتون على ما ألمّ به من زريّة، وراح يتهم الله، في مثل قوله: "قد جاء الله يومًا فسلب يديّ وعينيّ، وانسلّ كالسارق...". غير أن فورته لم تكن ناقمة ولا عميقة الجذور، بل كانت ثورة عابرة، أقرب إلى صرخة الطبيعة المتألمة في وجه قسوة تبدو كأنها تفوق طاقتها، وقد شبهها هو نفسه بصرخة يسوع في جثسماني: "أبتِ فلتجُز عني هذه الكأس". إن الثورة على الألم، في رأيه، سلوك طبيعي وهو، في هذا المجال، يفسّر قول يسوع: "طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ" بأنها طوبى لمن يثورون على الألم، إلاً أن الخطر يكمن في التوقف عند هذه الثورة أو في الإستسلام لها، أما ليبريتون فقد علمته الصلاة، وساعدته النعمة على تخطيها.
    "إذ كنت ملقى على سريري في المستشفى، يقول ليبريتون، اجتاحتني موجة إيمان، إيمان طفولتي التقليدي، إيمان قوامه النيّة الحسنة والجهل؛ وانقلبت أصلّي من جديد؛ وإذ كان يتعذّر عليّ حضور القداس، فقد حرصت على تأكيد إيماني بطلب المناولة؛ لم يكن سلوكي أكثر جدًا من ذلك، ولا أقل، ولكنه كان ينطوي على ما كان يسعني إذ ذاك من جدّ؛ ففي سعيي صوب الحقيقة، وفي تأكيدي سلامة نيتي، كنت أقطع أبعد شوط ممكن في طريق ما كنت أعتقده الحقيقة.
    "أما عندما علمت بأمر بتر ذراعيّ الإثنتين، فلم يبقَ أمامي آن ذاك سوى انتهاج أحد سبيلين: أن أصرخ في وجه الكاهن: "لملم متاعك وانصرف عني" أو أن أستمرّ أصلي. ولكن كان يتعذر أن تظل الصلاة، في مثل تلك الحالة، سلوكًا روتينيًا، بل أضحت، بالضرورة، فعلًا تمارسه النفس، بكلّ جوانحها.
    وقد أزاحت له صلواته وتأملاته النقاب عن حقائق أسهمت، إلى حدّ بعيد، في تخفيف وطأة عذابه؛ فقد أدرك، على سبيل المثال، أن ما ألمّ به كان ثمرة طبيعية لضلال البشرية وجزاءً عدلاً عمّا انغمست في حمأته من شحناء وكبرياء وحروب، فتردّدت إذ ذاك في حناياه كلمات المصلوب: "إن كان لا يستطاع أن تعبر عني هذه الكأس إلا أن أشربها، فلتكن مشيئتك". ويعلّق ليبريتون على ذلك قائلاً: "لم يبقَ بوسعي أن أفقه... إلاّ أنني أودعت الله ثقتي. ورأيتني، تلقائيًّا أمارس، على أكمل وجه، العيشة التي كان المسيح قد دعانا إلى انتهاجها: "على من يحبّني أن يحمل صليبه ويتبعني" – إلى أين؟ إلى الجلجلة، بالطبع. غير أن هذا الموت، هذا الإنسلاخ عن الذات، سيفضي إلى القيامة الفصحية، حيث تتحقق التطويبات: "طوبى للذي يتألمون، طوبى للفقراء..."

    · تناقض مريع
    لقد أثمرت الصلاة، فأشرقت نفسه "بوحيٍ مذهل" وكانت مصيبته هي طريقه إلى الله وإلى الآخرين. "وما وزن فقد عينين وذراعين، إزاء لقاء الله؟" يقول هو نفسه. لقد أسبغت النعمة على حياته معنى من الفرح العميق الذي لم يكن ليعرفه من قبل، وقد وصف هذه الولادة الجديدة، بهذه الكلمات الرائعة:
    "لقد أصبح الله نظيري أعمى وأقطع الذراعين، ومن ثمّ غدا عبثي أخفّ حملاً
    "وبرفقة الله فئت عائدًا شطرَ إخواني
    "وملءَ أذنيّ رأيت نفوس إخواني.
    "يا له من تناقض مريع – يا له من وحيٍ مذهل!
    "لقد فقدت عينيّ وذراعيّ، فلقيت الفرح
    "وإذ ذاك رقصت ورقصت ورقصت بقدر فرحي الجمّ"
    "تناقض مريع" يتعذر على الكثيرين اكتناه حقيقته العميقة الغور؛ ويعقّب ليبريتون على ذلك فيقول: "قد يرى البعض في موقفي هذا قمة الوهم واللامنطق، كتلك المرأة التي كتبت لي: "الإيمان بأن الألم هو من التطويبات، إنما هذا شأن مهتزّي العقول أمثالك، إذ كيف يسع إنسانًا مثلي أن يعتقد هذا الإعتقاد، بعد إذ رأى عزيزًا له يتلاشى تحت وطأة السرطان؟! لو قيّض لي يومًا أن أمثل أمام الله، فسأقتضيه الحساب...". إنه لمن السهل فهم ثورة تلك المرأة وأمثالها، ولكن يجدر بالإشارة أن هذه المرأة ذاتها، وفي نفس الرسالة التي أوردت مقطعًا منها، تنبئني بتوفّر أذرع صناعية في الأسواق، من شأنها أن تؤازرني على مواجهة عاهتي للإستعاضة بها عن ذراعيّ المبتورتين. إنها، إزاء ألمي، تبدي التفاتة أخويّة، إنها تثور على الله، ولكنها تمارس المحبّة، وإنما الله هو المحبّة، وإذن، فهي ليست ثائرة على الله، بل على فكرة خاطئة عنه".

    · حياة جديدة
    وحين واجه ليبريتون مصيبته بهذه الروح، عزم على أن يمضي قدمًا في سبيل الحياة، فراح يخاطب نفسه قائلاً: "صحيح أنك أمسيت فاقد العينين والذراعين، ولكنك ما زلت في العشرين من سنّك، وعليك، رغم ما حلّ بك، أن توجه حياتك شطر هدفٍ مجدٍ. كيف ينهج الآخرون؟ إنهم يعملون ويتزوجون... إذن لا بدّ أن أحذو حذوهم".
    وبالفعل أفلح ليبريتون في أن يجد لنفسه مكانًا طبيعيًا في عالم الطبيعيين، فتزوج من فتاة كانت لها بالألم خبرة ومراس، وكانت تشاطره تطلعاته، وأصبح أبًا لأسرة، وأدى الجمّ من الأعمال المجدية في سبيل خدمة المعاقين والمصابين، وأسهم في الكثير من المشاريع الإجتماعية.
    وقد ترتب عليه أن يبني حياته الجديدة بحيث يستغني عمّا فقد من عينين وذراعين. "في الواقع، يقول ليبريتون، ما هو الإنسان" إنه ليس سوى قلب يحبّ. والحبّ يستعين بالعينين والذراعين والأذنين والساقين وبالعقل؛ فإذا ما فقد إنسان ساقيه، فلنؤازره على الحبّ، من غير ما حاجة إليهما، بأن نوفر له كرسيّا متحرّكًا... أما أنا فكنت أبدو من غير عينين ولا ذراعين، وكأني لا أمل مني يرتجى. غير أن أحدًا قال لي: تعالَ، إني أثق بك. صحيح أنك لا تستطيع أن تراسلني، ولكن لا بأس، يمكنك أن تملي فتتولّى ضاربة على آلة كاتبة، الكتابة عنك – وقد أعارني أحدهم يديه، فعدت إلى الوجود من جديد.
    "العاهة الكاملة المقعدة، إذن ليست سوى فقدان الحبّ والإفتقار إلى حبّ الآخرين. والمريض عقليًّا هو أسطع دليل على صحّة ذلك؛ فإذا ما هو قوبل بالنبذ، كان جحيمًا على نفسه وعلى ذويه، أما إذا أحيط بالحبّ فإنه يمسي خميرة حبّ في العيلة.
    "ولكن لا بد لحب المعاقين والمصابين بعاهات من إزر مادي، على المجتمع أن يسهم فيه – إذ ما حيلة أبوين معدمين حيال ولد معاق؟ إن فعل المحبة يبدأ بهذا السؤال: "هل تناولت اليوم غداءك؟" وحين يتمّ حلّ المشاكل المادية، حينئذٍ فقط يمكن الإنطلاق صوب أشواط أبعد.
    "على ضوء ذلك يمكن التأكيد أن العلاج الأوحد للألم هو الحبّ، فالفرصة الوحيدة لانتزاع الإنسان من براثن الألم هي اكتنافه بالحبّ، وبعث الحبّ في قلبه... قد يخطر للبعض أن يقضوا على المعاقين في سبيل القضاء على الألم، ولكن لو حاولنا القضاء على جميع من يتألمون، فكم سيبقى من بشر على سطح الكرة الأرضية؟
    "ومن أفضال الألم أنه يعلّمنا التجرّد الذي يؤدي إلى فرح الحياة الحقيقية. فالتجرد هو السبيل الوحيد الذي نسلكه – مختارين أو مرغمين – إلى الله. إذ أننا بالتجرّد، نكف عن الإيمان بأنفسنا وقدراتنا فحسب، وندرك حدودنا، ونسبية طاقاتنا حيال رغباتنا، وحينئذٍ نؤنس في أعماقنا انتظارًا يبعث فينا الحياة.

    "لقد كنت في العشرين من عمري، يقول ليبريتون، وكنت ثريًّا، ثريًّا بيديّ وعينيّ، والقوة الدافقة فيّ، ومشاريعي التي شيّدتها للمستقبل... وكأي ثريّ، مترع الخزائن بالمال، كنت أشعر أن لا حاجة بي إلى أحد... ولم يكن عليّ سوى أن أنهش ملء فمي من الحياة التي كانت تهش لي باسمة. وفجأة انهار كلّ شيء، وإذا بي فقير، ويا له من فقر! أصبحت خاضعًا لرحمة الآخرين في كلّ شيء، ومدى العمر كله... وها قد انقضى عليّ ثلاثون سنة, وأنا فاقد العينين والذراعين. ولست أدّعي أنني سعيد بعاهتي، ولكنني أؤكد أنني سعيد برغم ذلك. أنني – أنا الأعمى والأقطع – أستطيع أن أؤكد أن العينين والذراعين ليست شرطًا لا غنى عنه للسعادة؛ وهناك أعداد جمّة من المعاقين الذين يستطيعون أن يؤكدوا كذلك بأن لا الأرجل ولا الآذان، ولا الصحّة هي شروط السعادة التي لا تتحقق في معزل عنها جميعًا – أن عالم الألم هو وحده الذي يحدّد لنا أبعاد الحياة الحقيقيّة.
    "والحياة الحقيقية هي الحياة مع الله وبه؛ ولست أزعم، كما يحلو للبعض أن يزعموا، أن التمني بسعادة سماوية، في عالم ما بعد الموت، هو العامل الوحيد على احتمال الألم، وإنما الشعور بحضور الله، وبإزره الفعال، منذ هذه الحياة الدنيا. فنحن إزاء ألم من نحبّ، نتمنّى لو نحمل عنه ألمه، ولو فترة وجيزة؛ أما الله، الذي هو الحبّ، فإنه يأخذ عنّا وجعنا، ويتألم معنا، لكي يبعثنا إلى قيامة جديدة – إن القيامة تبدأ على هذه الأرض، فنحن، طوال حياتنا، علينا أن نموت عن ذواتنا، عن خطايانا، وعن آلامنا، وهكذا يؤتى لنا أن نستشفّ لمحة عن القيامة. أما الموت النهائي، فإنه يبعثنا، إلى الأبد، في حبّ كامل لا متناه – إن موت المسيحي هو، على حدّ قول مادلين دلبريل: "انفجار الذات في الحبّ".
    "إذن وحده الإيمان يستطيع أن يُضفي على الحياة والموت معنى؛ وقد ادّعى البعض أن الإيمان لدى معاق مثلي، ليس سوى فرار في عالم اللاواقع. ولكن من يستطيع الإدعاء أن فرحي لاواقعي؟ وأنّى لي أن أغذّي بالأوهام فحسب فرحًا كهذا، طوال ثلاثين سنة، وأنا أصارع الألم، وأبني أسرة، وأربّي خمسة أولاد، وأعمل في خدمة المصابين بعاهات؟"

    · مع سكان الأكواخ
    وقد أثبت ليبريتون بأن الفرح الذي ملأ عليه نفسه، لم يكن فرحًا سطحيًا ضحلاً، يطمئن إلى عيش دافئ هنيء، ويقتصر عليه، وهو يقول بهذا الصدد: "كم ينطوي الإنسان على أسرار، إنه لا يعرف حدودًا؛ فهو حين يعتقد أن لديه كلّ شيء، وإذا به يحس في أعماقه أنه يفتقر إلى كل شيء... لقد كان بوسعنا، زوجتي وأنا، أن نجهز منزلنا بالتلفون، ونبتاع سيارة وبيتًا ريفيًا... ولست أظنّ أن في كلّ ذلك حرامًا أنه تعبير عن حبّ الحياة، وهذا أمر حسن، على ألا يتيح لإله المال أن يغتال الحبّ. ولكننا قد آثرنا السكن في الأكواخ المبنيّة من الصفيح، ذلك أن كلينا كنا جائعين للحبّ، وكانت زوجتي تفقه كنه الألم، إذ كان لها به مراس من قبل أن تعرفني، وهكذا اكتشفنا، نحن الإثنين، أن المسيح هو الجواب على انتظار الإنسان؛ فماذا ينشد المرءغير الحبّ؟ وبما أنّ الحبّ هو المسيح، فما علينا إلا أن نسير في إثره إلى ما لا نهاية"
    أما ما شدّ ليبريتون إلى أكواخ الصفيح، فهو أن أخًا له، من الكهنة العمّال، كان قد اختار الإقامة بين قاطنيها، وكان هو يتردّد عليه زائرًا، وفي كلّ مرّة، كان يعود بانطباع بليغ الأثر عمّا كان يجري هناك من حوار مثمر، ومن فترات صمت مشبعة بالتأمل والتفكير، ومن صداقات، يتوّج كلّ ذلك قدّاس... قداس في كوخ من صفيح، قراءة للإنجيل بين جدران خُصّ خشبيّ. لقد كان كلّ ذلك يتراءى له، وكأنه رسالة أمل جديد، وكان من الروعة والدفء بحيث لم يستطع الصمود أمام رغبة المكوث في تلك الأكواخ للمساهمة في عيشها، وفي الحبّ المنبعث منها.
    غير أن اختبارًا كان يترصده هناك. فهو الذي نشأ نشأة بورجوازية على مناوأة الشيوعية، قد تهيأ له أن يعايش في تلك الأكواخ شيوعيين. وقد اكتشف أنهم، على خلاف ما كانوا قد صُوِّروا له: ليسوا جميعهم دعاة بغضاء وحقد، بل أن كثيرًا منهم يؤمنون بالمحبّة ويناضلون في سبيلها أفضل منه. ولما كانت المحبة هي التي تحدوه وتمهر سلوكه، فقد اندفع لمشاطرتهم النضال، وما عتم أن انضوى تحت لوائهم، منتظمًا في الحزب الشيوعي، لقناعته بأن من لا يقف إلى جانب الفقراء، فهو، لا بدّ، حليف الأقوياء.

    · أزمة إيمان
    لقد كان في قرارة نفسه، يودّ أن يؤلف بين مسيحيته وشيوعيته، ولكن اندفاعه المطلق في ميدان العمل النقابي والإجتماعي، قد أقصاه تدريجيُّا عن جوّ الصلاة، وعن مناخ المحبة، وما لبث أن أخذت تساوره الريَب في التجربة الروحية الفذّة التي كان قد عاشها على سرير المستشفى.
    وحين يعود ليبريتون بالذاكرة إلى تلك الحقبة من حياته، يعلق عليها محلّلاً: "يا للغرابة! حتى تلاق عنيف بالمسيح كالذي عشته لا يقيّدنا بدليل على الله نهائي يأسرنا في إطاره، ذلك لأن الله لا يسجن حريتنا مطلقًا. وهذا ما ينتصب برهانًا على أن الغاية القصوى للإنسان هي المحبّة، ومن البديهي أن الحبّ لا يقوم في معزل عن الحرية؛ وبالتالي فقدرتي على الإرتياب في الله هي التي تجعل من إيماني فعل محبّة".
    وعرف ليبريتون، من جراء تزعزع إيمانه، ذلك التمزّق المضني وكان يغرق في لجج اليأس، وتجلّت على ملامحه للعيان، أمارات التعاسة، غير أنه ظلّ يعتقد أن ما يكابده من عذاب نفسي، هو الثمن المحتوم للحقيقة التي ينشدها.
    "على كل إنسان، يقول ليبريتون في هذا الصدد، أن يهب شيئًا من ذاته للرفاق أو للعلم أو للمال أو للعمل... لجميع هذه الآلهة الزائفة التي تتعرض له، آلهة زائفة، ولكنها، مع ذلك، قيم راهنة شرط أن تخصبها المحبّة. فالمحبة هي التي تحرر الإنسان، وليس العمل. بالطبع لا غنى عن العمل، ولكن لا يغربنّ عن بالنا مثال الرسّام الذي يتراجع بين الفينة والفينة إلى الوراء، ليرى لوحته على واقعها؛ كذلك يتحتم علينا بين الحين والحين، أن نأخذ مكاننا الصحيح من العمل الذي يتوجب علينا تنفيذه، بلجوئنا إلى مناخ من الصلاة والتأمل... لو أنني فطنت إلى هذه الحقيقة، لما كنت انزلقت إلى مثل ما انحدرت إليه من متاهات".

    · من الشكّ إلى اليقين
    ومرّة أخرى كانت العناية الإلهية ترصد طريقه لتعترضه: فقد اتفق له أن التقى صديقًا له كفيفًا كان ينضح بالإيمان؛ لم يكن لاهوتيًّا يبهر بحججه المفحمة، ولكنه كان مسيحًّا بسيطًا حقيقيًا، يحيا إيمانه بكل جوانحه، وكان ذلك الإيمان الناصع الصامد صرخة لوم تلاحق ذاك الذي تنكّر للفادي، وتلسعه كالسوط، وضاق ليبريتون ذرعًا بصديقه المؤمن، فراح يهاجمه، ويحاجّه في إيمانه، علّه ينجو من الحرج الذي كان يضغط على صدره، إزاء الإيمان الماثل أمامه. غير أن صديقه كان يقيم على صمته المطبق، وما كان هذا الصمت ألا ليزيد من حرج ليبريتون.
    "عند هذا الحدّ، يقول ليبريتون، عزمت على أن انتهج خطة هجوم مغايرة، فثُبت إلى الإنجيل أقرأه وأكرر القراءة، علّني أستقي منه تهمًا أرشق بها المسيحيين. وقد غرب عن خاطري أمر هام، وهو أن الإنجيل ليس قرار اتهام بل هو رسالة محبة وفيما كنت أتقصّى في الإنجيل موادّ اتهام، إذا بي أرجع فأعيشه لنفسي، وإذا بالشوق إلى الله يستبدّ بي من جديد."
    وفجأة، وفي غضون لحظات خاطفة، "انقلبت الظلمات ضياءً، وانقلب الشكّ يقينًا، والوهن قوةً، والجبنُ إقدامًا، والقلقُ طمأنينةً، والحزن فرحًا. قد يبتسم غير المؤمن ساخرًا، ولكن المؤمن يعلم يقينًا أني لن أجد أبدًا الألفاظ التي تقوى على التعبير والإفصاح، غير أنه سيفقه جيدًا ما أعنيه. "لماذا تضطهدني يا بولس؟ كم أدرك الآن إدراكًا حيًّا لماذا صعقت هذه الكلمات رسول الأمم! وكم أنا واثق بأن ما حدث على طريق دمشق، لم يكن أسطورة تقيّة.
    "هذا الإنبجاس المباغت، تلك الأغلال التي تهاوت... ما الذي حدث في الواقع؟ ما أشبه هذا التساؤل بالتساؤل عمّا جرى عندما اكتشف تلميذا عمواس يسوع الذي كان يجالسهما، عند كسره الخبز... لا أحد يعلم ما جرى، إنما نعلم أنهما، للحال، أنسوا في أعماقهما رغبة ملحة لا تقاوَم، تدفعهما إلى الإنطلاق والجهر بالحقيقة الكبرى التي تجلّت لهما".
    وبمثل هذا الإندفاع ما فتىء جاك ليبريتون، منذ سنوات، يجوب المدن والقرى ويروي المغامرة الروحية الفذّة التي استولت على كيانه وأخصبته، وينتصب أسوة أمل وشجاعة لكلّ ما قسا عليهم الدهر فابتلاهم بعاهة أو أصابهم بداء أو حرمان؛ كما أنه ينشر رسالة الإيمان والحياة، باعثًا الرجاء في صدور من سبتهم الآلهة الكاذبة وزرعت الأضاليل في قلوبهم بذور الريبة والقلق.
    وتتويجًا لرسالته، قد سيم شماسًا إنجيليًا في 23 آذار من العام الماضي.



    أديب مصلح



    المسرّة، آذار 1975، العدد 603، السنة 63



    هذه القصة قام بإرسالها الأب الياس خوري وطلب وضعها في المنتدى لعدم توفر الوقت لديه لوضعها
    ولمن يرغب في تحميلها على صيغة ملف word فهي موجودة على هذا الرابط:
    http://www.orthodoxonline.org/index....y_view&iden=46

    صلواتكم

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

  2. #2
    أخ/ت بدأ/ت التفاعل
    التسجيل: Nov 2008
    العضوية: 5027
    الحالة: جوي + غير متواجد حالياً
    المشاركات: 65

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    1 44 رد: شهادة: فقد عينيه وذراعيه... ولكن قلبه اتسع للحب

    ليتمجد أسم الرب كل حين
    شهادة مؤثرة جدا تظهر
    أن الرب لا يعطي تجربة لإنسان فوق ما يحتمل
    ويعطي مع التجربة الفرح والعزاء وامتلاء القلب به .
    يارب أين نحن من محبة جاك ليبريتون لك
    أعطينا يارب أن نحبك ونفرح فيك الفرح الحقيقي .
    شكرا أخي على نشر هذه التعزية الرائعة .
    الرب يبارك حياتك


  3. #3
    المشرف الصورة الرمزية بندلايمون
    التسجيل: Jul 2007
    العضوية: 987
    الإقامة: Athens-Greece
    هواياتي: music
    الحالة: بندلايمون غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,306

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: شهادة: فقد عينيه وذراعيه... ولكن قلبه اتسع للحب

    أخي أليكسي رابط الملف عندي مو شغال
    صلواتك

المواضيع المتشابهه

  1. الشركة ... شهادة
    بواسطة لما في المنتدى عظات وكلمات آبائية نافعة
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 2010-06-21, 08:23 PM
  2. المعنى الحقيقي للحب
    بواسطة Bassilmahfoud في المنتدى الفضائل المسيحية
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 2009-08-25, 06:44 AM
  3. الأرشمندريت باسيليوس قدسية ينال شهادة الدكتوراه
    بواسطة Alexius - The old account في المنتدى الأخبار المسيحية
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 2008-06-23, 03:43 PM
  4. أحب ولكن
    بواسطة Gerasimos في المنتدى مناقشات عامة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2007-11-26, 01:34 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •