في البدء خلق الله السموات والارض، وكانت الارض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه
يقول الباحثون في شؤون الكتاب أن كلمة " في البدء " لا تشير إلى زمن محدد، بل إلى بداية الزمن. تعني في الحقيقة ، كما في قول الكتاب " بدء الحكمة مخافة الله " ( أمثال9: 10 )، على حد تعبير القديس باسيليوس الكبير بداية مرحلة وليس كمّاً زمنياً. يقول العلامة أريجانوس " من هو بدء كل شيء إلاَّ ربنا ومخلص جميع الناس (1 تي 4: 10) يسوع المسيح، "بكر كل الخليقة" (كو 1: 15)؟ ففي هذا البدء، أي في كلمته "خلق الله السموات والأرض"، وكما يقول الإنجيلي يوحنا في بداية إنجيله: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله، هذا كان في البدء عند الله، كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو 1: 1-3). فالكتاب لا يتحدث عن بداية زمنية، إنما عن هذه البداية التي هي المخلص، إذ به صُنعت السموات والأرض". المسيح هو بداية كل شيء، وهو الذي بلا بداية في الأزلية مع أبيه وروحه القدوس.
من جمالية هذه الآية أنه في النص الأصلي العبري جاء اسم الله بالجمع " ألوهيم " أما الفعل "خلق" فهو مفرد، أي أن الخالق هو الثالوث القدوس، الواحد في جوهره وطبيعته ولاهوته: الآب أراد، والإبن خلق وكان البدء، والروح القدس منح نسمة الحياة.
أما الأرض فكانت خربة وخالية، مغمورة بالمياه، غير قادرة على الإنبات، غير قابلة للحياة. النفس الميتة بالخطيئة تشبه تلك الأرض الخربة، فهي لا تُنبت وتحيا في الظلمة " وعلى وجه الغمر ظلمة ". الروح القدس الذي كان يرف علي وجه المياه ليخلق من الأرض الخربة والخاوية عالمًا صالحًا جميلاً، ليوجد الحياة، والحياة كانت فيه. ولا يزال الروح القدس إلي يومنا هذا يحل علي مياه المعمودية ليقدسها فيقيم من الإنسان الذي أفسدته الخطية وجعلت منه أرضًا خربة وخاوية، سموات جديدة وأرضًا جديدة، أي يهبنا الميلاد الجديد على صورة الله.
كانت العملية الثانية بعد الخلق هي معمودية العالم، لهذا " كان روح الله يرف على وجه المياه ". وعن تعبير "يرف" يقول القديس باسيليوس الكبير:" أن أحد السريان يرى أنه الكلمة السريانية قادرة علي إعطاء معنى أكثر من العبرية، فهي تترجم بمعني يحتضن ، وكأن الروح يُشبه طائرًا يحتضن بيضًا ليهبه حياة خلال دفئه الذاتي". ويرى القديس أمبروسيوس أن حركة الروح هنا علي وجه المياه إنما هي حركة حب مستمر لعمل خلاّق.
في بدء الخليقة، ونتيجة إرادة الآب وفعل الابن وعطايا الروح، كان النور حتى قبل أنا تُخلق الشمس المادية " وقال الله ليكن نور فكان نور "، هذا النور الذي أشرق لم يكن نور الشمس المادي بل نور الله الذي أشرق على جبل التجلي ، ونوره الذي لا يعروه مساء إذ يقول القديس بولس " إذ كنتم قبلاً ظلمة " ( أفسس 5: 8 ). وفصل الله بين النور والظلمة ، كما نحن بقدرة روح الله نستطيع أن نفصل بين النور والظلمة.
في هذا النص مقاربة لفجر الفصح المقدس، حيث كان جسد الرب يسوع مسجّىً في ظلمة القبر، وعنصر الحياة قد احتوى الموت على جسده مؤقتاً وبإرادته. وكان " روح الله يرف عليه " ، يحتضنه كما يحتضن الطائر بيوضه ليهبها الدفء فتخرج منها الحياة. وهكذا في اليوم الثالث كان نورٌ، النور الذي لا يغيب وفجر يوم الخليقة الثامن، الأبدي، الخلق الثاني، قد أشرق من ظلمة قبر اورشليم وأنار كل الذين اهتدوا وجاؤوا ليأخذوا نوراً من النور الذي لا يعروه مساء ممجدين المسيح الناهض من القبر.
مع بداية الصوم الكبير والاستعداد للفصح العظيم المقدس، نترجى أن يرف روح الرب على أرض حياتنا الخربة والخالية، فينبت فيها الحياة، ويكون نورٌ فاصل بين عهد الظلمة والعهد الجديد في المسيح.
صيام مبارك
مع الاستعانة بتفسير قدس الأب تادرس يعقوب ملطي

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات