الصلاة ليست ترداد عبارات موضوعـة، هي قبل اي شيء شركة مع الله الحيّ، لانها تنبع من هذا اللقاء الفريد الذي يدعو اللـه اليه شعبا مبعثَرا ويجعـلهم واحدا اذ يسكن فيهـم ويملك عليهم ولانها شركة حب فهي دائمـة فاذا تفـرّقت الجماعـة بعد لقـاء شكـور تبـقى في الخطاب الواحد، ذلك ان الكنيسة الارثوذكسية أعدت سلسلـة من الصلوات الصباحيـة والمسائيـة يمارسها المؤمنون كل يوم في الصوم وخارجه (مثل صلوات السَحَر والغروب والنوم...) وهذه الصلوات عينها لا تمنع بعدها الحريـة في حوار المحبة، لان كل نفـس توّاقة الى الرؤيا، يأخذها الروح القدس في انخطاف عظيم ويحدّث هو فيها اللهَ الآبَ في كلمات لا يسوغ النطـق بها (رومية 8: 26)

يقـول القـديس غريغـوريـوس اللاهوتي: "الصلاة هي ارتفاع القلب الى الله" وان كان هذا التحديد يفترض تنـازلا الهيا الى قلب الانسان اولا، إلا ان هذا القول يعني ايضا ان الصلاة تبقى الى ما بعد الكلمات ولذلـك تكلّـم الآبـاء القديسون عن السهر الروحـي الذي يفترض التأمل باللـه ومحبته خارج لقاء الجماعة وامتداده ونجد لهذا القـول مدلولاتـه في صلـوات الصوم الاربعيني المقدس وخصوصا في صلاة النوم الكبرى، التي هي واحدة من اهـم الصلوات الصياميـة، والتي نقيمها الايام الاربعــة الاولى من كل اسابيـع الصوم الكبيـر هذه الصلاة هـي للمتـأمـّل بعـمـق دعوةٌ صريحة الى هذا السهر الذي سمي بـ "الصلاة الابديـة" فالمؤمنـون قبل ان ينصرفـوا الى حياتهم (بعد صلاة النـوم الكبرى) تحثّـم الصلاة كي يدخلـوا في حـوار آخر، او يكملـوا الحـوار عينـه، ذلـك ان المصلّي المستنيـر- "أنـر عيني (ايها المسيـح الإله) لئلا أنام الى المـوت" (مزمور 12 :4) - مدرك انـه لا يخرج من امـام الحضـرة الإلهيـة0

النوم هو صورة المـوت او بعض منـه، لذا تدعونا الصلاة لان نسلم انفسنا للـه قبل النوم "في يديك استودع روحي..."، وهذا الاستسلام للـه قوامه التأمّل فيـه واللهـج بوصاياه فاذا ما تنبهت نفـس الانسان الى اليقظـة الدائمة ادركت انها تدخل في انتصار مسبق للقيامة، وتقول مع كاتب سفر نشيد الانشاد: "اني نائمـة وقلبي مستيقظ" (5: 2) في الافشين، المنسوب الى القديس أنتيوخوس، الذي نتـلوه عند نهاية صلاة النـوم الكبرى او الصغرى، نرى (في التمجيد طوال الليل) إشارة الى هذا الانتصار فبعد ان نكون صلينا لاجل الحصول على نوم خفيف خال من كل شهوة رديئـة "وسهام الشرير المحماة"، وصلّينا كي ننهـض في وقت الصلاة ثابتين في وصايا اللـه، نضيـف: "هبْ لنا أقوال تماجيدك طوال الليل لنسبح ونبارك ونمجد اسمك..."

الدعوة الى تمجيد اللـه وتسبيحـه تفتـرض السهر الذي قد يغلبـه التعب والضعـف الجسدي، إلا ان الاستنـارة الروحيـة يتـوصل اليها ايضا من تقشـف وتطهر بمخـافـة اللـه، كما يقول القديس باسيليوس الكبير: "سمر أجسادنـا بخوفـك وأمت أعضاءنا التي على الارض، لكي نكـون مستنيـرين في هدوء النـوم ايضا بتأمل أحكامـك" كل جسد لا يثقلـه "سكر اللذات" (الشـره في المأكل، الإكثار في النوم...) يمكنه، اذا امتلأ من حضور اللـه، ان يسمو و"يتنعـّم بمناظر الصالحات"

صلاة النــوم الكبـرى هي ايضا دعـوة الى تـوبـة هـي شرط لكل صلاة: "أحمّ في كل ليلـة سريري وبدموعي أبـلّ فراشي" (مزمور 6: 7) ان نطـلب الى الـرب كي "يسهـل حيـاتنـا للعـمـل بوصايـاه"، او ان نقـول لـه كلام المزمور 142 "علّمني ان اعمـل رضاك لأنـك إلهـي" (الآيـة 10), هـذا يفترض الطاعة لـلـه في حياتنـا في كل ما نعمـل ونقـول الحيـاة والصلاة همـا طهـر ينادي طهـرا

يبقى ان كل صلاة حقيقيـة ترتكـز على الإيمـان، ذلك ان اللـه موضوعها وتتغـذّى بمعرفتـه عن طـريق قـراءة الكتاب المقدس قراءة يوميـة - "أنر عينيّ العقليتين بتنعـم أقـوالك الإلهيـة" - والنهـل من خبـرة الأوّلين لا شيء يكسـر الاصنام التي يصنعها الانسان لـنفسه عوضا عن اللـه الحي مثل الايمـان المستقيم الا ان الصلاة التي أسمينـاها شركـة حب تحضّنـا خصوصا على الاهتمام بالإخوة الصغار نقول في صلاة صياميـة أخرى: "... ان جهاد الصيام يسبب لنا حياة ابديـة إن بسطنـا أيـادينا الى الإحسان، لأن ليـس شـيء ينقذ النفس كمؤاساة المحتاجين والرحمة اذا امتزجت بالصيام تنقـذ الانسان من المـوت..." (أپوستيخن الإينوس لسَحَر الخميس من الأسبـوع الثـاني) كل صلاة وكل حركـة روحيـة يمتحنـها الـلـه على مذبـح الفـقيـر الذي هو مِحَكّ الصدق

رعيتي الأحد 2 نيسان 1995