حازم عبد الرحمن يكتُب: تقنين التمييز
حازم عبدالرحمن
هذا حكم كاشف للحق, فاضح للمساوئ التي ترتكبها البيروقراطية في هذا البلد. الحكم يقول, إن دور العبادة عندما تحتاج إلي ترميم فإنه من واجب القائمين عليها المسارعة إلي ذلك لحماية الذين يترددون عليها من أي أخطار محتملة ولا حاجة بهم اطلاقا للحصول علي ترخيص لهذا الغرض.
(1)
ودور العبادة المقصودة في هذا الحكم هي الكنائس والمساجد ولم يميز بينهما وعلي الرغم من أننا لم نسمع عن خادم مسجد, جرت محاكمته, وسجنه لأنه سعي إلي ترميم مسجد, بل سمعنا عن كاهن كنيسة ماربولس للأقباط الأرثوذوكس بشبرا الذي صدر عليه الحكم بالسجن لمدة عام كامل من محكمة أول درجة. وللحق فإن محكمة جنح استئناف شبرا وضعت حدا لهذه المأساة. فقضت ببراءة الكاهن, وقالت إن ترميمات المساجد والكنائس وصيانتها لاتحتاج إلي تراخيص من الأحياء والمدن والمراكز التابعة لها ويتعين القيام بها فورا للمحافظة علي أرواح المواطنين من رواد دور العبادة لممارسة عباداتهم من المسلمين والمسيحيين, والواضح لكل ذي عقل أن القصد من هذا الحكم المستنير العادل أن يؤكد أنه لا يوجد أي تمييز في القوانين المصرية بين المساجد والكنائس.
وللحقيقة, فإن أخطر ما في حكم محكمة أول درجة, هو أنه كان يقنن أو يسعي لإنشاء سابقة تقنن هذا التمييز المقيت, المهلك للبلاد والعباد.
ولأجل هذا, فنحن نغتنم هذه الفرصة لكي نطالب المحكمة الدستورية, أو محكمة النقض, أو مجلس الشعب, لإعادة النظر في الأسانيد القانونية التي ارتكز عليها حكم أول درجة وإلغائها من القوانين المصرية تماما فمادام قاض, وجد أسانيد في القانون تعطيه الحق في أن يقضي بحبس كاهن انشغل بترميم كنيسته, فإن هذا يعني أنه توجد في القوانين المعمول بها في مصر ما يمكن الاعتماد عليه لكي يصبح التمييز بين المسجد والكنيسة في حكم القانون. وهذا أمر بالغ الخطورة يهدد الوحدة الوطنية.
(2)
إعادة النظر التي نطالب بها في القوانين ليست صعبة. فمادامت محكمة الاستئناف قد قضت ببطلان الحكم الأول, فمعني ذلك أن الرأي الأرجح هو حق الترميم والإصلاح لأي دار عبادة, سواء كانت مسجدا أو كنيسة أو معبدا يهوديا أو حتي معبدا للمجوس عبدة النار. فمادمنا قد ارتضينا أن نتعايش جميعا في وطن واحد, وأن ندفع جميعا, ضرائب واحدة, ونتلقي تعليما واحدا, ثم نعمل ويتم تجنيدنا في الجيش جميعا لنموت تحت علم واحد بلا تمييز, فإنه يصبح لنا جميعا كل الحقوق المقررة لأي واحد فينا بلا تمييز أو اختصاص. هذا الأمر السهل, الميسور, يجب المبادرة إليه فورا بلا ابطاء. فعلينا أن نستفيد من قوة الدفع التي يوجدها حكم الاستئناف, فالقوانين مثلها مثل الكائن الحي, تولد وتنمو وتشيخ وتموت, ولأجل هذا توجد المجالس التشريعية وهذه المجالس عملها الرئيسي هو تطوير وتحديث القوانين التي تحكم البلاد بما يتفق مع العصر الذي نعيش فيه, فليس معقولا ولا مقبولا أن تتم معاملة من يريد إصلاح كنيسة حتي تكون آمنة لمن يرتادها من عباد الله مثل اللص, أو المختلس, أو المجرم, هذا غير مقبول إطلاقا ومرفوض تماما, فكيف نتحدث عن الوحدة الوطنية, وعن الصليب والهلال, وعن الرسول محمد والمسيح عليه السلام, في حين أننا نضع في السجن وبقوة القانون رجلا يريد أن يرمم بيتا من بيوت الله تصادف أنه كنيسة لأنه لو كان مسجدا, ماكانت الدعوي ستقام أصلا وما كان خادم المسجد سيصدر عليه الحكم بالسجن لمدة عام.
(3)
نحمد الله أن في مصر قضاة من نوع قضاة استئناف شبرا, فلو كان حكم أول درجة قد تم تأكيده وصار نافذا, لكان ذلك مصيبة وكارثة.
فالعالم كله, كان سيتحدث عن أن القانون المصري يميز بين دور العبادة, ويجعل للمسجد مكانة ممتازة بخلاف أي دور عبادة أخري.
وكان العالم, سيعتبر هذا دليلا ليس فقط علي التمييز والتحيز بالقانون بين أبناء البلد الواحد, وكيف أنهم ليسوا سواسية, بل كان سيعتبر ذلك دليلا علي العنصرية في القوانين, فالقانون كان سيعتبر ـ من وجهة نظرهم ـ أنه يضع الناس في السجون لمجرد أنهم مسيحيون أو يهود أو من أي ديانة غير الإسلام.
وهذا ـ لو حدث ـ كان سيعتبر أكبر إساءة في حق الإسلام.
فالقرآن نفسه, والنصوص الشرعية القاطعة فيه لا تحكم علي الناس بسبب عقائدهم بل بسبب أفعالهم, فإذا كنا نقول إن من يرمم مسجدا هو بريء عن أي تهمة أو جناية, فإن وضعه ينطبق علي كل من يرمم أي دار عبادة.
ولأجل هذا, أيضا, فنحن نغتنم هذه الفرصة للمطالبة بسرعة إصدار قانون دور العبادة الموحد, لكي نضع حدا لصداع لا يعلم مداه إلا الله, ويبقي أن نحذر من أنه ما كل مرة, تسلم الجرة!!.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس
المفضلات