هل المثال الرهبانيّ مثال كتابي من العهد الجديد، أم أنّه تشويه للمسيحيّة الحقيقيّة وعبوديّة للأعمال الرهبانيّة القديمة كما يدّعي مناهضو الفكر الرهباني؟؟؟؟
للأب جورج فلوروفسكي:
إذا كان المثال الرهباني هو الاتحاد بالله من خلال الصلاة والتّواضع والطاعة والإقرار المستمر بالخطايا الطوعيّة والكرهيّة، ومن خلال التخلي عن قيم هذا العالم، كما من خلال الفقر والعفة ومحبة الجنس البشري ومحبة الله، فهل هذا المثال مسيحي؟ إنّ مجرد طرح سؤال كهذا يبدو غريباً وغيرَ مألوف عند البعض. ولكنّ تاريخ المسيحيّة، خاصةً الموقف اللاهوتي الجديد الذي أُحرز كنتيجة لحركة الإصلاح، يفرض سؤالاً كهذا ويطلب جواباً جدياً. فإذا كان المثال الرهباني هو الحصول على حريّة روحيّة مبدعة، وإذا كان المثال الرهباني يُدرك أنّ الحريّة تحصل فقط في الله الآب والله الابن والله الروح القدس، وإذا أكّد الفكر الرهباني أنّ السبيل كي تصبح حراً بحسب علم الكائنات والوجود هو أن تصبح عبداً لله. هذا السبيل الذي فيه تصبح الإنسانيّة جمعاء متأنسة تماماً لأنّ الوجود المخلوق للبشريّة متوقف على الله، وهو بذاته محاطٌ على الجهتين بالعدم، إذاً هل هذا المثال مسيحي؟ هل هذا مثال كتابي من العهد الجديد، أم أنّه تشويه للمسيحيّة الحقيقيّة وعبوديّة للأعمال الرهبانيّة القديمة كما يدّعي مناهضو الفكر الرهباني؟
ذهب ربّنا إلى البريّة عندما كان على وشك أن يبدأ رسالته. لقد كان لربّنا خيارات عديدة، ولكنه اختار أو بالأحرى "كان يُقتاد بالروح" إلى البريّة. من الواضح أنّ هذا العمل ليس بلا معنى وليس اختيار نوع المكان من غير أهميّة. وهناك في البريّة انشغل الربّ في معركة روحيّة إذ "صام أربعين يوماً وأربعين ليلة".
لقد أضاف الإنجيلي مرقس أنّ ربّنا "كان مع الوحوش". ربّنا الإله الإنسان كان إلهاً حقاً وإنساناً حقاً. وبمعزل عن عمله الخلاصي الذي ينفرد به وحده، فهو يدعونا كي نتبعه. إنّ إتبّاع ربّنا يشمل كلّ نواحي حياتنا وليس فقط اختيار بعض النواحي النفسيّة المقبولة من حياته وتعاليمه. يجب علينا أن نتبع ربّنا في كلّ شأن ممكن. الذهاب إلى البريّة هو إتبّاعٌ لربّنا. من المثير للاهتمام أنّ ربّنا قد رجع إلى البريّة بعد موت القدّيس يوحنا المعمدان. إنّ هذا لَسَببٌ واضح: "فلما سمع يسوع (بموت يوحنا المعمدان) انصرف من هناك في سفينة إلى موضع خلاء منفرداً".
يقول ربّنا "هؤلاء هم الذين زرعوا بين الشوك، هؤلاء هم الذين يسمعون الكلمة وهموم هذا العالم وغرور الغنى وشهوات سائر الأشياء تدخل وتخنق الكلمة فتصير بلا ثمر". فالبريّة أو أيّ مكان مثلها يوقف هموم أو قلاقل هذا العالم ومخادعه وغش الغنى الأرضي. إنّها تقطع الفرد تماماً عن الانهماك بالشؤون الدنيويّة. وبهذا هي تحوي في ذاتها سبباً روحياً قوياً يضعها بين طرق الكنيسة الروحيّة، لا كسبيل وحيد، ولا كسبيل لكلّ فرد، بل كطريق واحد كامل حقيقي للحياة المسيحيّة.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات