تكثر مظاهر الفرح في كنيستنا المقدّسة، ومن أهمّ هذه المظاهر التّرتيل الّذي هو من علامات الفرح الرّوحي الّذي يتحلّى به المسيحي المؤمن حيث يقول الرّسول يعقوب: "أمسرورٌ أحدٌ فليرتّل" (يع 5: 13).
إنّ الرّوح يوزّع المواهب في الكنيسة (1كو 12) ومن هذه المواهب لدينا التّرتيل. لكنّ المواهب بحاجة دائمًا إلى تفعيل وتسخير لخدمة الآخر، ولأنّ الكنيسة هي أمٌّ نجدها تساعد أبناءها المرتّلين بوضعهم على الخطّ الصّحيح للتّرتيل من خلال سَنّ بعض القوانين المتعلّقة بالموضوع وذلك كي يقدروا أن يخدموا الشّعب فيما بعد بطريقة أفضل؛ فنجد في القانون 75 من قوانين المجمع المسكوني السادس ما يلي: "نريد من الّذين يتقدّمون إلى التّرتيل في الكنائس أن ينظّموا استخدام أصواتهم على منوال لا يُحرِجونَ به حنجرتهم بالصُّراخ الشّديد. ثمّ ألاّ يخرج من أفواههم ما لا يوافق أو يليق قولُه في الكنيسة أو يختصّ بها، بل أن يتولَّوا ترتيل التّرانيم بوعي كلّي وخشوعٍ كثير أمام الله النّاظر مكنونات الصّدور". كما نقرأ في تيبيكون القدّيس سابا ما يلي: "لا يُسمَح للإخوة الواقفين في خورص الكنيسة أن يتحادثوا أو أن يترك أحدُهم موقفه قبل الانتهاء من الفرض". إضافةً إلى ذلك، نجد في القانون 54 لمجمع تروللو: "المرتّلون فليرتّلوا بكلّ إصغاءٍ وخشوع من دون أن يستعملوا صراخًا غير مرتَّب وعادم النّظام".
نلاحظ في هذه القوانين تشديدًا واضحًا على عدم استخدام الصُّراخ وتوخّي الخشوع في التّرتيل. إنّ دور المرتّل أساسي في الكنيسة من حيث نقل الكلمة والبشارة إلى المؤمنين. فالمرتّل إنّما هو يرتّل ليصلّي ولا يصلّي ليرتّل، لذلك يجب عليه أن يكون خاشِعًا ومتواضِعًا ومصلِّيًا في آن، متذكِّرًا أنّه لا يعطي شيئًا من ذاتِه، بل هو يقدِّم لله ما هو له أصلاً، الأمر الّذي نذكره في القدّاس الإلهي عندما نقول: "الّتي لك ممّا لك نقدّمها لك". إذًا، فإنّ التّرتيل هو تمجيد وشكران لله على عطاياه الكثيرة التي يغدق بها علينا، لذا فإنّ ترتيلنا يجب أن يُقَدَّم "بأصواتٍ بارّة" كما نذكر في نشيد الغروب "يا نورًا بهيًّا..." المنسوب إلى أثينوجانيس الشّهيد.
ليس الصّوت الجميل إذًا شرطًا من شروط التّرتيل، إنّما المهمّ هو أن يكون المرتّل شخصًا يصلّي حتّى يحمل الشّعب على الصّلاة أيضًا. وهنا يبالغ بعض المؤمنين أحيانًا عندما لا يذهبون إلى كنيسةٍ بسبب رداءة صوت المرتّل؛ على المؤمن أن يعي بدوره أيضًا أنّه لا يذهب إلى الكنيسة لا بسبب محبّته لفلان من الكهنة ولا لجمال التّرتيل، إنّما بدافع محبّتنا لربّنا الّذي بثّ الفرح في الكنيسة بقيامته من بين الأموات، فنذهب لنهلّل للقائم من بين الأموات مرتّلين: "خلّصنا يا ابن الله يا من قام من بين الأموات لنرتّل لك هللوييا".
ثمّة قول مفاده أنّ "من رتّل صلّى مرّتين"، الأمر الّذي يحمّل المرتّل مسؤوليّةً كبيرة حيث يجب أن يصلّي عن نفسه وعن الشّعب الّذي ينوب عنهم من خلال ترتيله، فالمرتّل ينوب عن الشّعب في القراءة والتّرتيل، وهذا يشكّل دينونة للمرتّل الّذي لا يؤدّي دوره كاملاً. فإذا تبع المرتّل القوانين المذكوة سابِقًا يستطيع أن يكون في طريقه إلى إتمام عملٍ روحيٍّ مهمٍّ جدًّا، فيكون ناقلاً للكلمة ومعلِّمًا للشّعب من خلال القراءات التي يتلوها من الكتب الطّقسيّة ومساعدًا للشّعب على التّركيز في الصّلاة من خلال عدم الصّراخ والثّبات في مكان التّرتيل من أجل عدم تشتيت انتباه المؤمنين (كما ينصّ قانون القدّيس سابا)، وبهذا يكون المرتّلون يكلّمون الشّعب "بمزامير وتسابيح وأغانيَّ روحيّةٍ مترنّمين ومرتّلين للرّب" (أف 5: 19). إذًا، في النّهاية، على المرتّل أن تذكّر دومًا أنّ التّرتيل هو للصّلاة وشكر الله وتمجيده وليس استعراضًا للصّوت الجميل والمقدرة الذّاتيّة على التّنويع في الألحان، لذلك فإنّ التواضع هو سلاحٌ فعّال للمحافظة على جوٍّ ترتيليٍّ خشوعيّ.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات