عن مقالة"أجنحة الصلاة" للقديس ثيوفان الحبيس
عندما كرّس مسكن الشهادة وضمت أجزاؤه بعضها إلى بعض، أمر الله موسى أن ينظم المسيرة من ذلك الوقت فصاعداً بحيث تسير ثلاثة أسباط في الأمام، وثلاثة في لخلف، وثلاثة ذات اليمين وثلاثة ذات اليسار، فيما يسير المسكن في الوسط يحمله سبط اللاويين. فهذه أيضاً صورة عن مسيرتنا إلى الوطن السماوي،بإرشاد الكنيسة. وينبغي أن تتقدم ثلاث مشاعر في الأمام، وثلاثة من الخلف، وثلاثة من جهتي اليمين واليسار،وآخر في القلب،ويناسب مسكن الشهادة نفسه،فسوف أدلكنّ عليها، ليس لكي نطلق على بني إسرائيل هذا اللقب أو ذاك، بل لنرتب المشاعر وفق معناها الداخلي.
فالثلاثة الأمامية هي المشاعر الروحية السُّمْيا وهي:
أولاً: الإيمان بأن الرب حاضر هنا الآن فعلاً،ونعمته حاضرة، وبأ، هذا الهيكل أضحى له بيتاً، فلا ينفك يرنو إليه بناظريه وفيه قلبه أبداً مقيم.
ثانياً: الرجاء أن الرب الحاضر ههنا يميل بمسمعه إلى الطلبات المرفوعة إليه كالأب المحب إذا أصغى إلى أبنائه، وأنه مستعد لإتمامها.
ثالثاً: المحبة للهيكل، بحيث يتذوق من يقيم فيه حلاوة السكنى في بيت أبيه، وسلام الولد المتغلغل في حضن أمه.
هذه هي المناهل الرئيسية والمواقف الداخلية الأساسية، التي تؤدي دور المرشد والمرشد إلى مواقف أخرى. ويصير نضوجها في دواخل الروح،وهي تتوجه إن جاز التعبير،إلى وجه الله مباشرة،إلى الشرق العقلي.
ومن الجهة الأخرى التي توازي المؤخرة،تنتصب حركات مرتبطة ببيت الله على أنه بيت صلاة،وأعني بهذه جهادات يتممها الجسد في الصلاة. فهذه الأخيرة ثلاثة أيضاً.
أولاً: جهاد التوجه إلى الكنيسة بهمة عالية عند الجرس الأول لحضور كافة الخدم، من غير أعذار، من غير أن نشفق على أنفسنا أو نتوهم عوائق أو عقبات،وذلك وفق القاعدة الآتية: حال سماع النداء الأول، نترك كل ما في يدنا ونسارع نحو الكنيسة.
ثانياً: جهاد ملازمة الكنيسة من بدء الخدمة إلى نهايتها، من دون تغيير المكان، من دون ارتخاء الأطراف، بل بشيء من الانشداد الذي يزيد التنبه.
ثالثاً: جهاد الوقوف بورع وقفة هادئة مع انحناءات،والعينان تحدقان في حركات الكاهن أثناء الخدمة،والأذنان تنصتان إلى كل ما يُرتَل ويُرنَم، واللسان صامت، فلا ننظر إلى الخلف ولا نجيل الطرف من كل صوب،ولا نتبادل الأحاديث.
هذه المناهج السلوكية كلها تعبر عن الجهاد الجسدي في الصلاة، وهي تدعم الروح المصلية داخلياً، وتدعم منها في المقابل. يشكل هذان الترتيبان، الأعلى والأدنى، أي الأمامي والخلفي،خطّاً واحداً. وتشكل جهادات النفس، أو ما تنصرف إليه في صلاتها،خطّاً متقاطعاً مع الخط السابق. فعن الجانب الأيمن تقوم ثلاثة أفعال إيجابية، ألا وهي:
أولاً: أن ننتصب وذهننا في قلبنا أمام حضرة الله، وقد اشتملتنا مهابة ملؤها التوقير تشحذ منا الانتباه وتنعش هيكلنا الداخلي مثل نسيم الفجر العليل.
ثانياً: أن نسبر قوة كل ما يقرأ ويرتل ويؤدَّى ونغوص في معناه بقلب منفتح على ما قد يتولد فيه من مشاعر ومواقف، ونحن على أهبةٍ لاستقطاب هذه المشاعر، وكأنها من الله.
ثالثاً: أن نتخذ موقفاً سلامياً ونية صالحة تجاه جميع الناس بما فيهم الأعداء، وفق وصية الرب القائلة: ((فإن قدمت قربانك إلى المذهب وهناك تذكرت أن لأخيك شيئاً عليك، فاترك قربانك قدام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك وحينئذ تعال وقدم قربانك))، واذهب وسالمه.
وعن الجانب الأيسر ثلاثة أفعال سلبية، وهي:
أولاً: تصفية الأفكار أو بالأحرى استجماعها، وضبط الذهن عن الشرود في مواضيع شتى وأمور مختلفة أثناء وقوفنا في الكنيسة، وإعادتها إلى قواعده كما استسلم لأحلام اليقظة.
ثانياً: التخفيف عن كاهل القلب من هموم الحياة، تلك الهموم التي لا تنفك تلاحق الإنسان الذي يتكرس لها،بلا شفقة، حتى لا تترك له متسعاً من الوقت للقضايا السماوية.
ثالثاً: التخلص من كل قيد أرضي، أي التحرر من كافة الأهواء التي تجرّ المرء إلى أسفل وتحول دون تحليقه في الأعالي.
هذا هو صليب الصلاة المؤداة روحياً في مادة طبيعتنا، والذي ترسم ركائز عمل الصلاة شكل إشارته، وأعني الصلاة مع السجدات، وسعي المشاعر بسلام إلى الله، والمثول السري أمام الله في الصلاة.
صلواتكم

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
.gif)
رد مع اقتباس
المفضلات