[gdwl]الإنسان هو ابن العقبات
مثل صيني أحبه كثيراً وأذكره مراراً في حديثي. فبالعقبات والصعوبات يتحقق الإنسان ويولد. وبالمعاكسات والعقبات ينمو ويكتمل. فالحرية ثمرة معركة وانتصار. إذا ربيتم أولادكم على الرخاء, وإذا سهّلتم حياتهم كثيراً, تمنعونهم عن البلوغ والنمو, وتحفظونهم في حالة الولدنة واللامسؤولية, وتجعلونهم عبيد النزوات والأهواء والدوافع. وعلى العكس, إذا كنتم متطلِّبين, وإذا رفعتم المستوى عالياً, عندئذ تجبرون الطفل على تخطي ذاته والتفوق عليها. إنّه سيحزن ويعترض ويتمرد في البداية. فإذا شجعناه قليلاً, سيقيس نفسه بحسب العقبات, ويواجهها ويبذل الجهد لتذليلها. في خضم هذا الأمر, وبدافع رغبته في الحرية, سيجتاز مرحلة جديدة من الإنسانية. الإنسان ابن العقبات. إنَّه لا يبرهن عن نفسه, ولا يبني ذاته, ولا يحققها, إلا بمقدار ما يتصادم مع المقاومة. فالعقبة تولد فينا رد فعل وتنمِّينا وتثير فينا انتفاضة. العقبة هي التحدي الذي ينعش طاقاتنا ويجبرنا على التجاوز. العقبة هي ما يُنعش الخيال ويحث الإرادة ويجبرنا على الإبداع. الحرية تعني أن أحاول تخطي العقبات التي تعترضني واحدة بعد الأخرى من خلال تخطيَّ لذاتي. الحرية ليست نكراناً أو هروباً من الحتميات. فنحن لن نهرب منها, بل هي إقرار بها وقبول لها وتحمل لأعبائها.الحرية هي عند تقاطع الحتميات. إنّها عند نقطة اتصال بعضها ببعض. لنأخذ مثال عجلة الدراجة. فالقضبان التي تضغط بكل قواها على المحور المركزي, تبدو وكأنَّها تريد سحقه وتثبيته وخنقه وشل حركته. ومع ذلك, فإنَّ المحور الخاضع لجميع هذه الضغوطات, حين يتحمل عبئها, لا يُبطل مفعولها وحسب, بل يجانسها ويوحِّدها. إن ضغط القضبان على المحور المركزي ليس عائقاً, بل يسمح له بأن يُتِمَّ عمله التنسيقي والتكاملي. فبفضل عدم حركته يُتِمُّ عمله. حين لا يتحرك, يجعل الجميع يتحركون. حين لا يدور, يُمَكِّن القضبان من الدوران.فتتقدم العجلة, وتسير المركبة. الحرية إذاً ليست عنصراً من نمطِ ما يضغط عليها ويحرضها. إنَّها مكان دمج جميع ظروفنا البيولوجية والاجتماعية والنفسية. إنَّها المحور الذي يتحمّلها وينسق بينها, لتتمكن العجلة من الدوران والحياة من التقدم. إذا أردت أن تكون حراً, اجعل لنفسك مثالية, مشروعاً, مبدأً عظيماً, مخططاً كبيراً, غاية توجه فكرك وتمحور حياتك. يقول ستان روجييه: "علّق حياتك بنجم". فإذا حدّقت به, ستشعر بأنّك, منقول, مرفوع, منجذب, مسحوب إلى الأمام بعيداً عن محدودياتك. وسترى العقبات تتحول إلى وسائل مساعدة. فبدل أن تندب وتتأوه: "آه لو كان لديّ... آه لو أعرف... آهٍ لو أستطيع", غامر وقل: "مع ما لديَّ وما ليس عندي, مع ما أعرفه وما لا أعرفه, مع ما باستطاعتي وما ليس باستطاعتي, مع ضعف صحتي, ثقافتي, وسائلي البسيطة, أستطيع أن أنجح نجاحاً باهراً في حياتي وأحقق مثاليتي وأعمل أشياء رائعة". أصبح حراً بالعقبات التي أتخذها والهدف الذي أسعى إلى تحقيقه. فبالمغامرة تُكتسب الحرية وتصبح شيئاً فشيئاً واقعاً يُعاش. ولن أصير في آخر الأمر حراً إلا حين أختار أن أكون كذلك تجاه كل شيء وضده, تجاه الجميع وضدهم. فالحرية تبدو إذاً وكأنَّها ضد المصير, وكأنَّها إرادة في أن يحقق الإنسان ذاته بعيداً عن ذاته. "الحرية ليست في بداية الطريق بل في آخره". نحن لسنا أحراراً حين يكون كل شيءٍ سهلاً, بل عندما يكون كل شيءٍ صعباً, كل شيءٍ مستحيلاً, ولا يمكن تخطيه. يا له من تناقض. فالحرية ليست ما نظنه. إنها سعيٌ وغزوٌ. ولا يكتشفها الإنسان ويبنيها إلا في قلب العقبات. فعل خلاق محض. الحرية هي أكبر غزوةٍ للإنسان.
عن كتاب "لا للقدر. كيف أكون حراً".
[/gdwl]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات