ما هو الإنسان؟[FONT='Times New Roman','serif'][1][/FONT]الأرشمندريت أفرام كرياكوس
هذه محاولة جواب، بحثٌ صغير، تأمّل.
غالباً ما نعتقد أننا نعرف من نحن. لكن هل نعرف بالفعل وبكل ما تحمل الكلمة من معنى مَنْ هو الإنسان؟ يقول المزمور (7:63) "يبحثون... بحث المبحوث عنه باطن الإنسان والقلب العميق" (النص العبري). وأيضاً يقول النبي إرمياء: "القلب أعمق كلّ شيء وهو الإنسان فمن عرفه؟" (الترجمة السبعينية) (إرمياء 9:17).
هذا يعني أن الإنسان سرٌّ. هناك أعماقٌ أو إن شئتم ارتفاعاتٌ في داخلي لا أعرف منها إلا القليل.
من أنا؟ الجواب غير سهلٍ، غير بديهي. شخصيّتي ككائن بشريّ تتخطى المكان والزمان. أنا مخلوق لكني أتخطّى نظام المخلوقات. وفي رسالة بطرس الثانية يقول الكتاب المقدس: "أنا مدعو إلى أن أشارك الطبيعة الإلهية" (2بطرس 4:1) أي حياة الله وقواه غير المخلوقة (energies non créées). دعوتنا البشرية (كإنسان) هي إذاً التألّه، وكما يقول القديس باسيليوس الكبير: "الكائن البشري خليقةٌ وهو مدعوّ إلى أن يصير إلهاً".
هنا نتذكر قصة السقوط في بداية الخلق، نتذكر وعد الحيّة التي قالت لحوّاء: "في يوم تأكلان من ثمر شجرة الخير والشرّ في الجنة تنفتح أعيُنكما وتصيران كآلهة" (تك 5:3).
الغريب في هذه القصة أن وعد الحية (التي تمثل الشيطان) هو بالضبط الهدف الإلهي نفسه، لأنه، كما قلينا الإنسان مدعوّ إلى الحياة الإلهية.
لكن السقوط، خطيئة آدم وحوّاء، كامنٌ في أنهما تعلّقا بإرادتهما الخاصة ليأكلا الثمر بدلاً من أن يمنحهما إياه الله كهديّة مجانية، كثمر طاعة لوصيّته.
إذاً الإنسان، على الرغم من ضعفه، من ترابيّته، مدعوٌّ إلى أن يكون إلهاً، أن يكون عظيماً أعظم من قدراته البشرية، أكبر من حجمه. هو مدعوّ إلى أن ينمو باستمرار. حياة الإنسان طابعها ديناميكي. هو في رحلة، وهذه الرحلة لا حدود لها، تخترق الأرض، تذهب إلى السماء، إلى اللانهاية.
ليست السماء مكاناً جامداً. هي تَقَدُّمٌ مستمرّ مع الله من مجد إلى مجد. السماء نهايةٌ لا نهاية لها. يقول القديس غريغوريوس النيصصي أخو القديس باسيليوس الكبير: "الله سرٌّ يفوق كلّ فهمٍ".
ونحن كبشر مخلوقون على صورة الله. ينبغي للصورة أن تعبّر عن خصائص الأصل فإذا كان الله فوق كل فهم، فالإنسان المجبول على صورة الله، هو أيضاً فوق كل فهم. الله سرٌّ، وبسبب ذلك بالضبط الإنسان سرٌّ هو أيضاً.
لنعد إلى السؤال من أنا؟ أنا مخلوق على صورة الله. هذه هي الصفة الرئيسية في شخصيتي. نحن أيقونة الله الحية. تعبير مخلوق لكائن غير مخلوق. من هنا إننا لا نستطيع أن نفهم الإنسان من دون الله. الإنسان من دون الله يفقد إنسانيته، يصبح ما دون الإنسانية.
إن فقدنا معنى أصلنا الإلهي، فقدنا معنى إنسانيتنا. من هنا نستنتج أن كل نظام ينكر وجود الله، إن كان هذا النظام شيوعياً ماركسياً أو رأسمالياً علمانياً ملحداً، حتى ولو كان ديمقراطياً، سوف يحط من كرامة الإنسان البشرية. شيئان يسيران معاً: من يقر بالإنسان يقر بالله أيضاً. من يقرّ ويعترف بالإنسانية الحقة يقرّ ويعترف بالألوهية الحقة. من ينكر الله ينكر الإنسان. لا يمكن فهم الإنسان من دون الله، لأن كيان الإنسان ليس مستقلاً، مكتفياً بذاته.
ربما يسأل واحدنا من هو الله؟ ويطرح الصغار أحياناً هذا السؤال الغريب: ما هو الله؟ أين هو الله؟ من هو؟ فلا بد من أن نجيبهم بالسؤال: ما هو الإنسان؟ من هو أنا وأنت؟. نفهم الله من خلال الإنسان. ونفهم الإنسان من خلال الله، من خلال صلته بالألوهة.
لنذهب أبعد في هذه الطريق. في هذا التفكير نقطةٌ أخرى، نقطةٌ أعمق: "على صورة الله" يعني على صورة الثالوث القدوس. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: "عندما أقول الله أعني الآب والابن والروح القدس". هذه هي عقيدة الكنيسة المسيحية. فكرة الله ليست فكرة مجرّدة. بكلمة الله أعني ثلاثة أشخاص. هذا ما نستوضحه من دستور الإيمان: "أؤمن بإلهٍ واحدٍ" ومباشرة أقول: "آبٍ ضابط الكل، خالق السماء والأرض... وبالروح القدس الربّ المحيي المنبثق من الآب..." نحن إذاً على صورة الله أي على صورة الله الثالوثي. ماذا يعني ذلك في شخصية الإنسان؟
يقول يوحنا الرسول في رسالته الأولى: "الله محبة" (1يو 8:4)، وفي الآية 18 من الإصحاح نفسه: "لا خوف في المحبة لأن المحبة الخالصة تطرح الخوف خارجاً". في المحبة الحقيقية ليس هناك انفرادية (Individualisme)، احتكار، بل على العكس هناك انفتاحٌ، عدم انغلاق.
الله محبة لا بمعنى أنه واحدٌ أحدٌ مغلق. ليس هو وحدةً كالرقم 1 يعدّ عداً. هو شركة، أو إن شئتم وحدة شركةٍ (non unite mais union).
الله محبة بمعنى أنه تبادلٌ في الحب، حبٌّ متبادل واحدٌ في ثلاثة أقانيم. هذا ما عبّر عنه يوحنا الإنجيلي بصورة رائعة بقوله في خطاب يسوع الوداعي، صلاة الابن إلى الآب: "كل ما هو لي هو لك وما هو لك هو لي" (يوحنا 10:17).
في اليونانية نقول (Koinonia) التي تعني في العربية شركة المناولة، وفي الوقت نفسه تعني المجتمع (société et communion).
الوحدة في الشركة، الله محبة مشاركة لا محبة أنانية. الله انفتاحٌ، تبادلٌ، تعاضدٌ، عطاءٌ، بذلٌ ذاتي، عطاءُ ذبيحة.
ويمكننا أن نقول الشيء نفسه: الإنسان على صورة الله الثالوثي، الإنسان هو محبة متبادلة وكل الصفات المطلقة على الله سابقاً. بعبارة أخرى أنا بحاجة إليك لكي أكون نفسي. عندها لا أعود أقول: أنا، أنا! بل أقول بالأحرى نحن،نحن، نحن!
في صلاة "أبانا الذي في السموات"... يَردُ الضمير "نحن" مرات عديدة، أكثر من خمس مرات. ولا نجد الضمير "أنا" أبداً.
في بدايات القرن السابع عشر، أطلق الفيلسوف Descartes شعاره الشهير: "Cogito ergo sum" (I think therefore I am) "أنا أفكر إذاً أنا موجود"، هذا صحيح إلى حد ما، لأن الفكر أو العقل ليس الإنسان كله، على الرغم من تشديد هذا الشعار الفلسفي على الوعي الذاتي الإيجابي والضروري للإنسان. لكن صعوبة هذا التحديد لوجود الإنسان تكمن في أنه لا يأخذ بعين الاعتبار عنصر الشراكة. لذلك ينبغي لنا نحن المسيحيين أن نقول بدل "Cogito ergo sum"، "أنا أفكر إذاًَ أنا موجود". "Amo ergo sum" "أنا أحب إذاً أنا موجود" أو أكثر من ذلك "Amor ergo sum" "أحب إذاًَ أنا موجود" (أنا محبوب).
هذا هو المفتاح الذي يؤهلنا لفهم شخصيتنا الإنسانية "الله محبة"، "الإنسان محبة" أو إذا شئتم الإنسان مدعو إلى أن يكون محبة، وليس فقط وعياً فكرياً بل بالأحرى علامة محبة مشتركة.
يقول اللاهوتي الروماني الشهير المعاصر "Fr. Dimitru Staniloae" طالما أنا غير محبوب، فأنني لا أفهم نفسي"، أي إنني لا أعرف نفسي.
إذاً في علاقتنا مع الله الثالوثي، هناك بعدٌ عموديٌ وأيضاً بعدٌ أفقي مع سائر الناس. وهذا هو المفهوم المسيحي الأرثوذكسي للإنسان. الإنسان مدعو في هذه الحياة الوقتية إلى أن يجسّدَ الحبَّ الأزلي الكائن في ما بين الآب والابن والروح القدس.
وأخيراً لا بدّ لنا من أن نورد ما جاء في الكتاب العزيز، أولاً في المزامير، زمن ثم في سفر العبرانيين: "ما هو الإنسان حتى تذكره، وابن الإنسان حتى تفتقده، أنقصته قليلاً عن الملائكة، بالمجد والكرامة كلّلته، وأقمته على أعمال يديك، وأخضعت كل شيء تحت قدميه..." (مز 5:8-7، عبرانيين 6:2-8).
ما معنى هذا بعبارة واحدة موجزة: الإنسان هو لا شيء، وفي الوقت نفسه هو كل شيء. كيف ذلك؟
يقول مزمور آخر: "الإنسان كالعشب أيامه وكزهر الحقل هكذا يزهر، لأنه إذا هبّت عليه الريح ليس يثبت، ولا يعرف أيضاً موضعه، أما رحمة الربّ فهي منذ الدهر..." (مز 11:102).
حياة الإنسان عابرة، أما رحمة الرب فهي دائمة أزلية. هنا نلاحظ التضاد بين الإنسان كمخلوق والله الخالق.
"أنقصته قليلاً عن الملائكة" لأن الملائكة أرواحٌ لا جسد لها، في حين أن الإنسان أُعطي جسداً ثقيلاً وضعيفاً. في ترجمة عبرية أخرى يقول النصّ: "أنقصته قليلاً عن الآلهة".
الإنسان كائن ضعيفٌ وذلك بسبب هذه الطبيعة الجسدية المائتة. هو ضعيفٌ بسبب ألم الموت، لكنه في الوقت نفسه مكلّلٌ بالمجد والكرامة وكل شيء خاضعٌ تحت قدميه. هذا هو السر، سرّ الإنسان الذي تكلمنا عليه سابقاً. هو سرّ يسوع المسيح الإله الإنسان المصلوب والممجد.
هنا أعود إلى سفر العبرانيين: "لكن الذي وُضع قليلاً عن الملائكة يسوع نراه مكلّلاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت لأجل كل واحد... لأنه لاق بذلك الذي من أجله الكل وبه الكل وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد أن يكمّل رئيس خلاصهم بالآلام". (عب 9:2-10).
لننتبه هنا قليلاً! الآلام في الأصل اليوناني هي الأهواء أيضاً: (Ta pathi, les passions)، وفي الوقت نفسه هي مرتبطة في المسيح بالقيامة، بالفصح.
الفصح Pâques من فعل Pascho.
أعاني، اتألم، أتوجع، وهو في اللغات السامية العبور. وكأن كاتب العبرانيين يريد القول: أعطي جسداً من أجل الآلام أي من أجل الفصح، من أجل العبور من الألم إلى الفرح، من الموت إلى الحياة. ما كشفه لنا المسيح هو أن الإنسان يأخذ معناه من هذا العبور من الألم إلى الفرح، من الجسد إلى الروح، من الموت إلى الحياة.
هنا نتفهم قليلاً لماذا الجسد المعرض للأهواء، للشهوات، المعرض للآلام، للأمراض، للموت. لماذا التجسد الإلهي والصليب والموت، هذا "السر المخفي منذ الدهور" سر الإنسان، سر الله، سر محبة الله للبشر. وقد قال بعض الآباء إن التجسد الإلهي كان في ذهن الله قبل إنشاء العالم، قبل خلق الإنسان بالجسد ناقصاً قليلاً عن الملائكة غير المتجسمين.
كخلاصة لهذا الحديث نذكر هنا صورة يسوع المسيح في آلامه الواردة عند يوحنا الإنجيلي، وهو حاملٌ إكليل الشوك على رأسه ولابسٌ ثوب أرجوان (أيقونة المسيح الختن التواضع الأقصى). أخرجه بيلاطس بعدما جلده، أخرجه إلى الموضع وقال لهم: "هوذا الإنسان!" (يوحنا 5:19)
هوذا الإله الإنسان! هوذا يسوع المسيح: المحبة المتجسدة، التواضع الأقصى، كمال الطبيعة افنسانية.
في شخص يسوع المسيح المتألم والقائم، الضعيف والقوي غالب الموت، تكمن ماهية الإنسان الحقيقية. لذا نجيب عن السؤال "ما هو الإنسان؟" بقولنا: هو يسوع المسيح الذي به نؤمن هدفاً ومعنىً لحياتنا.
آمين.
معلومة
مجلة النشرة البطريركية، العدد الثاني، السنة السابعة عشرة ![]()
[FONT='Times New Roman','serif'][1][/FONT]حديث أعطاه الأب أفرام كرياكوس في كنيسة مار نقولا في بيروت نهار الخميس 23 آذار 2006 خلال الصوم الكبير.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات