الانسان الموحد
الانسان نفس وعقل وجسد وروح. انا لست هنا محللا عناصره. مقاربتي ليست فلسفية. انا فقط أرى جوانبه متكاملة واذا اكتملت فيه هي التي تحكم على تصرفه. واستهللت كلامي هذا اعتقادا مني، بصرف النظر عن تحديدات دقيقة، ان كلاً منكم سيقبل هذا الوصف للانسان اذ لا أقدمه تعريفا. النفس هي كل ما فينا من قوى متصلة بما ورثناه وتربينا عليه. هي العاطفة في حدتها واسترخائها. هي الغريزة التي الله خالقها فينا. قد نغالي بها او نحتشم ولكنها أصلا جميلة. النفس هي التوق والتأثر ومحبة الجمال. هي الذوق اذا تحرك وعبّر.
أما العقل ولو كان من النفس كيانا لارتباطها بكل ما ذكرت او انحناء كل قوانا عليه الا انه بخاصة القدرة على الفكر والتمييز والمنطق والتحصيل وقوتنا في استنباط وسائله نظرا وعملا. هو الكتب اذا شئتم او بدائلها الحديثة ولا سيما في التواصل البشري. أما الروح فهي الانفتاح على الله ان كنتم مؤمنين والقيم والوجدانيات والمناقب وعلى رأسها المحبة.
اما الجسد فيبدو لنا أقرب منالا لأنه ملموس ونتحرك به ونموت ونأكل ونشرب على موائدنا وموائد الناس اي له هذا البعد الاجتماعي. والعارفون يقولون اننا نحب به الجنس الآخر او نتوالد به. وليس هذا صحيحاً بالكلية اذ لسنا مولودين فقط من خلية أولى ولكنا أتينا من الذاكرة الانسانية الكامنة في هذه الخلية اي ان هذا الجسد ليس مجرد بدن ولكنه لغة وخطاب.
أمام هذه الجوانب المتكاملة التي تصور معا انسانيتنا اعترانا تاريخ طويل وتصيبنا أزمات وانحرافات ولعل أهم انحراف طرأ علينا ولا يزال هو انحراف التجزئة بين كل هذه العناصر. لقد رأى الاغريق الى الانسان فرأوا انسجاما بين هذه القوى التي جعلتها أربعا وقالوا بالمحافظة على هذا الانسجام. لن أتطرق الى هذه المشكلة الشائكة حول التوازن المنشود بينها. في قناعات الكثيرين ان العقل هو الذي يدير الأزمة ان نشبت فانه عند هؤلاء هو الذي يشرف على كل شيء. عندي ان العقل نفسه تحت النقاش وان ليس فيه ميزان معصوم. فالعقلاء الكبار يختلقون وانا لست مؤمنا بأن العاقل يجهل ان منافع الارض وشهواته لا تتحكم فيه.
أجل لا نستطيع ان نستسلم الى العاطفة على جمالها ولا الى الانفعال او الغريزة بلا رقيب. والجسد عندما نعتبره بدنا ليس سوى أداة. فاليد لا تحرك نفسها والعين مضطرة الى النظر فماذا اذاً يسوس الكل الانساني فينا. أقول هو الروح أي هذا الذي يربطنا بالله او بالقيم ويطهر رؤية القلب. عند ذاك يستقيم العقل اذ يراقب حركات النفس لتسلم من تخبطاتها وهنا الجسد الذي كان عياً يصبح فصيحاً.
***
هذا لم تجهله الفلسفة اليونانية اذ لم تقدم في الحقيقة معيارا للتوازن الداخلي. أجل أدخلت عنصرا روحيا على العقل. التوحيد الابراهيمي وحده رأى الله حاكما في كل شيء ومشرفا تاليا على العقل والنفس والجسد دون ان يلغيها. ولم ينحرف النسك المسيحي عن هذا على رغم تشدده فهناك صفحات برمتها تمنعك عن ايذاء الجسد وعن قمع ما هو شرعي فيه. المسيحية تكلمت على سيادة الالهي فينا على الجانب الناسوتي ولم تقل بأحادية الروح على رغم ما يدعيه الذين لم يطالعوها في مصادرها.
ولكن ماذا حصل للبشرية منذ القرون الوسطى الاوروبية ولا سيما من بعد عصر النهضة؟ هنا استقل العقل وتضخم وأبطل الروح وشك بالنفس فبات الانسان مجزأ لما اتكل على العقل وحده او على العاطفة وحدها او على الغريزة منفصلة. وهذه القوى الاربع مستقلة الواحدة عن الاخرى ليست الانسان كله. بقيت المرأة قبل دخولها دنيا العمل أعظم توازنا من الرجل الذي خضع للاقتصاد والسياسة فتبعثر وتباهى بعقله غير عارف انه بات معطوبا لانه لم يبق متكاملا. ولعل هذه الوحدة الكيانية عند المرأة هي ما ساعدها على ان تقوي الحدس فيها وان تعرف بالحدس ما لا يعرفه الرجل بالتحليل. غير ان المرأة عانت من ذكورية الرجل لأنه هو الذي يكسب وهو الذي ينفق. وهذا ما دفعه أكثر فأكثر الى غريزة فيه متفلتة لأنه اذا استقل العقل عن الروح فيميل الجسد الى ان يتحرر منهما كليهما. فللرجل مرتكزاته المنفصلة في هذه الحركة منه او تلك فيكون تارة عقلا وطورا يكون شعورا او يطرأ خلل على وحدة قواه. والاسهل عليه فيما يعمل في هذا الحقل او ذاك انه يصبح جسدا محضا ولا يبقى جسده لغة او خطابا. ومن هنا يريد ان تكون المرأة جسدا ايضا ولكنه يريده خاضعة له فله عضلات تجعله يستبد بها وله ما هو أقوى اي سيادة تعلمها من وحشية الاقتصاد واستبداد السياسة. فالرجل يشغله عمله في ميادين الحياة المجتمعية كلها ويتعب فيجعل المرأة مكانا لراحة المحارب.
***
وارتضت المرأة ان تكون جسدا لترتاح من وطأة الذكورية فعندها ما يجعلها تشتري الرجل الذي ظن انه الأغنى. وأدركت بعد ان فهمت تجزئة الكيان الذكوري انها قادرة على ان تلغيه. فهمت العلاقة بين السيد والعبد فبعد ان كانت امة اشتهت ان تكون سيدة وهذا لا يتحقق لها ما لم تجعل الرجل عبدا. وهي لم تدر انها تجزئ هي ايضا نفسها اذا ساد جسدها عليها. وهذه الاحادية الجسدية عندها صاغتها مع الرجل فهو الذي يخلق لها الازياء من اجل متعته واستمتاعها معا. ارتضيا معا هذه اللعبة التي يظن فيها كل منهما انه سيد وما علما ان كلا منهما غدا عبدا ولم يحتسبا ان هذه العبودية الواحدة طريقهما الى الموت. يتسليان عنه ويستبعدانه اذا كانا كلاهما لا يزالان على فتوة ونضارة.
هذه الجسدانية المطلقة ارادتها الحضارات كلها من مصر القديمة الى الهند، الى العرب، الى الغرب وتجلت في الفن وفي الشعر والتعامل اليومي. هذه تتكلم على نفسها ولست بمحتاج الى ان تتحدث انت عنها والمتكلمون هم البالغون والصغار.
تعطلت رؤية الوحدة للكيان البشري بعد ان افتتن الانسان بالجمال الانثوي افتتانا حتى تكريسه وتعظيمه. اجل دائما كان الرجل مشدودا الى المرأة. ليس في هذا سر ولا جديد وليس فيه خطأ اذا قدرنا ان نحافظ على التوازن الذي اراده افلاطون. في ظل هذا الانبهار بالجسد الانثوي اخترعنا مباراة ملكات الجمال. ما فلسفة المباراة؟ قبل كل شيء تتقدم بضع صبايا تحسب كل واحدة انها الاجمل اي انها قبلت ان ينظر الى وجهها وقامتها واناقتها بالاستقلال عن نفسها وعمقها وروحها. وما الفحص الاخير عن الذكاء والشخصية الا على سبيل الترضية او اقناع الجمهور ان منظمي السباق ليسوا على التفاهة التي قد يتهمون بها. لا يقتنع احد بأن الجمال ليس العنصر الاساسي في الامتحان كما لا تعتقد الصبية ان ثقافتها الاساسية في حيازتها العلامة ولا يرى احدنا مباراة لملكات النفس والعقل والروح.
ولا يعتقد احد ان اسابيع تقضيها هذه الشابات بالرياضة وتعلم اشياء عديدة سترجح كفة واحدة منهن. ظني ان ناسا او مؤسسات اعلامية او غير اعلامية لها مصلحة في كل هذه الرياضات وهذا التصوير. ولكني اعبر لأصل الى الاساسي ان فتيات عندهن جودة اخلاقية وجودة فكرية تقبلن ان يكون عندهن في لحظة الامتحان مكانة جسدية منفصلة عن بقية عناصر شخصيتهن. والتوغل في الجسدانية البحتة يظهر في كلام على اجزاء البدن وقياساتها فتقديرها. الفتاة في هذا الاطار متعة للعين. انا لا اسلبها حقها في ان تعجب حبيبا او خطيبا او زوجا. ولكنها في المباراة تتصرف لتعجب الناس جميعا وتكون فريسة لعيون المشاهدين النهمة.
اما كيف تكون انيقة ولافتة في الجامعة او العمل او بيتها او حياتها الاجتماعية فهذا ليس بحثي الآن. هذا بالاقل يتبع قاعدة الحشمة والانس الحلال على الا نفصل القلب ولا العقل ولا النفس عن الجسد. فإذا تم الانفصال لا يبقى الجسد لغة او خطابا او صلة. الجسد جانب من جوانبنا الاساسية وليس بدنا محضا ففيه ومعه نسمو ونتقدس وتبقى له شرعية الجمال ملتبسة مع شرعية النفس والعقل والروح.
الانسان السوي يسعى الى التماس وحدة وجوده في وحدة كيانه. يلتمس وحدة وجوده في وحدة كيانه. ما عدا ذلك خلل وسكر. مثالنا الانسان الصاحي الذي اذا تعقل وتروحن يحاول ان ينقذ نفسه من التوائها الداخلي ويتقبل في ذاته نظرة الله إليه وقد خلقنا على صورة وحدته.
المطران جورج خضر

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات