الأعضاء الذين تم إشعارهم

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: العفة

العرض المتطور

  1. #1
    أخ/ت مجتهد/ة الصورة الرمزية شيم
    التسجيل: Feb 2009
    العضوية: 5673
    الإقامة: Lebanon - Al Shouf
    الجنس: female
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    أُفضل في الموقع: المكتبة الأرثوكسية
    هواياتي: Photographing - Acting and Painting
    الحالة: شيم غير متواجد حالياً
    المشاركات: 693

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي العفة

    العفة
    للاشمندريت توما بيطار

    معاني الألفاظ
    :

    لا بدّ لنا، بادئ ذي بدء، من أن نحدّد معاني الألفاظ التي هي في التداول في الشأن المطروح. ما هو الزنى؟ الزنى، في أذهان الناس، هو الخيانة الزوجية سواءٌ من جهة الزوج أو من جهة الزوجة. وما هو الفسق؟ الفسق هو العلاقة الجسدية بين ذكر وأنثى عازبَين أو مطلَّقَين أو أحدهما عازب والآخر مطلَّـق. وما هو الفجور؟ هو ارتكاب المعاصي. وما هي الفحشاء؟ هي ما قَبُح من الأفعال والأقوال. والفجور والفحشاء يمكن أن يكونا، أيضاً، مرادفَين للزنى. لهذا السبب للزنى معنى ضيّـق، هو الخيانة الزوجية، ومعنى واسع يشتمل على كل العلاقات المختلّة بين الذكور والإناث، والذكور فيما بينهم والإناث فيما بينهن. كما يشتمل الزنى على علاقة الإنسان بجسده، إذا اختلَّت، سواءٌ عند الذكور أو عند الإناث. مثل ذلك ما يُعرف بـ "العادة السرّية". ثمّ للفظة زنى استعمال لا يقتصر على ما هو للطاقة الحيوية عند الناس، أو ما يسمّى بـ"الجنس"، بل يتعدّاه إلى كل فساد له علاقة بالإنسان، في الجسد أو في النفس أو في الفكر أو في القلب أو في الكيان. فالإنسان يزني بعينه، أو بأذنه، أو بلسانه، أو بأي عضو من أعضاء جسده، كما يزني بأفكار قلبه. لاحظوا هنا ان ثمّة أفكاراً لها علاقة بالعقل وهي نتاج عقلي، مفاهيم عقلية، كأن تقول ثلاثة وثلاثة تساوي ستة. وهناك أفكار لها علاقة بالقلب، تنبع من القلب، من نوايا القلب ومقاصده، وتُوجِّه الإنسان في هذا الاتجاه أو ذاك. أفكار العقل يُحكم عليها باعتبار ما إذا كانت صحيحة أو مغلوطة، وأفكار القلب باعتبار ما إذا كانت صالحة أو شرّيرة. فأفكار القلب، بهذا المعنى، تكون زانية أو عفيفة، تدفع الإنسان إلى الزنى أو تدفعه إلى العفّة.
    إذا كان هذا هو الزنى فما هي العفّة؟ العفّة هي أن يكفّ الإنسان ويمتنع عن المُنكر ويبقى في حدود ما هو حلال. فهناك عفّة في القول والفعل والفكر، وهي تطال كل ما للجسد والنفس والذهن والقلب. فالإنسان يعفّ بعينه أو بأذنه أو بلسانه أو بأي عضو من أعضاء جسده، كما يعفّ بأفكار قلبه.
    وهناك، إلى جانب هذه الألفاظ، ألفاظ أخرى بحاجة إلى تحديد. العُذرة. ما هي العُذرة؟ العُذرة هي البكارة، ان يكون الرجل أو المرأة بكراً. لا قيمة للعُذرة في ذاتها لأنها مجرّد واقع طبيعي. قد تكون عديمة القيمة إذا كان الإنسان زانياً في أفكار قلبه، وقد تكون جليلة القيمة إذا ارتبطت بالعفّة. من هنا تسمية الفتيات اللواتي كنّ، في الماضي، في الكنيسة، بكارى وسلكن في العفاف، بـ"العذارى". فالعذراء، في الاستعمال الكنسي، هي البكر العفيفة لا البكر فقط. بهذا المعنى بالذات وُصِفت والدة الإله بـ"العذراء" مريم.
    أما لفظة بتول فتُطلَـق على الذكور والإناث معاً، وهي تعني، في الاستعمال الشائع، العفيفة أو العذراء، لكنها بالمعنى الدقيق للكلمة أكثر من عفاف، ولا تتوقّف عند حدود العُذرة، بل تطال كل إنسان سلك في العفاف ثم بلغ كمال العفاف وسكن فيه روح الله. فالإنسان الذي يسكن فيه الله بعد ان يكون قد بلغ كمال العفاف يُسمّى "بتولاً".
    مَن هم المجرّبون بروح الزنى؟
    الزنى مرض. كل إنسان مجرّب، معرّض لا فرق، متزوّجاً أو عازباً، من عامة المؤمنين أو من الرهبان والإكليروس، رجلاً أو امرأة، شاباً أو شيخاً. ولا يظنّن أحد ان الزواج الكنسي يجعل كل شيء محلّلاً بين الرجل وامرأته. روح الزنى يمكن ان يعشّش في نفوس المتزوّجين، حتى لو لم يدخلوا في علاقة مع طرف ثالث. يعشّش في عيونهم، في أسماعهم، في حركاتهم، في أثوابهم، في عطورهم، في سهراتهم، في تصرّفاتهم، في أنوثتهم ورجولتهم المريضة، في قلوبهم. طالما استبدّت بهم الرغبة في متعة الأجساد وما ضبطوا أنفسهم وأخضعوا توثّبات نفوسهم ولجموا ولطّفوا وهذّبوا أبدانهم بالحبّ الخفر اللطيف المبارك ومخافة الله فإنهم في الزنى واقعون. أجل هناك زنى في قلب الزواج والمتزوّجون بحاجة لبعض النسك لكي يحصّنوا أنفسهم. لو تُركت الأبدان لنوازعها لجمحت بالمتزوّجين إلى الهاوية وأفسدت عليهم كل حياتهم وباعدت ما بينهم وبين الله. ثمّـة مَن يظنّ أنّ طبيعة الرجل، (وأحياناً المرأة)، تجعله غير قادر على الاكتفاء بامرأة واحدة. ثم ليس صحيحاً أنّ الزنى ناشئ عن ضرورة بسبب الرغبة الطبيعية في الناس، بتعبير القدّيس يوحنا الذهبي الفم، بل عن ميل إلى اللهو والبطر والفجور. بعض الناس يظنّ أنّ هناك مَن هم مدفوعون إلى الانحراف في العلاقة الجسدية بسبب خلل في الجينات لديهم. هذا يدفعهم، كما يقولون، إلى المثلية (ذكوراً مع ذكور أو إناثاً مع إناث). الميل لا يعني الانحراف جبرياً. بل بالانتباه والإرادة الطيِّبة والجهاد ونعمة الله يبقى صاحب الخلل الجيني في حدود الأمان. هذه خبرة المؤمنين.
    ما يضربه الزنى في الناس:
    يضرب الزنى أهمّ ما في الإنسان: الحب والحياة والحرّية. يمسخ الحبّ ويُفسد الحياة ويُجهض الحرّية. لماذا يمسخ الحبّ ؟ لأن الحبّ شركة حياة. لأن الحبّ هو ان يتبنّى الشريك شريكه، أن يلتزمه، أن يكون أميناً له إلى المنتهى، أن يعينه، أن يحبّه كنفسه. علاقة الشريك بالشريك، في كتابنا العزيز، هي على نحو علاقة المسيح بالكنيسة. فما الذي يفعله الزنى بهبة الحبّ هذه؟ يُجَسْـدِنُها. يجعلها علاقة أجساد، علاقة مشاعر وأحاسيس مريضة. يستعمل الزاني الآخرين ويستعمل جسده استعمالاً كآلات للمتعة. اهتمامه بالآخرين هو اهتمام بتحقيق مأربه في الآخرين. الزاني لا يحبّ ولا يمكنه ان يحب لأنه لا يخرج من ذاته ولا يستطيع لأنه لا يطلب إلا ما لنفسه. المتعة فيه تخدّر قلبه، تجعله ثقيلاً بلا إحساس، بلا قلب. يضرب الزنى قلب الإنسان بالعقم. ليس للزنى من الحب سوى الشكل الخارجي نظير التماثيل ليس لها من الناس سوى المظهر ولا حياة فيها. لكل ذلك الزنى هو الحبّ ممسوخاً، هو الحبّ مزيّفاً. الزنى هو ضد الحبّ. الزنى هو الخداع، هو الرياء في الحبّ. الزنى قتلٌ للحبّ، لِذا قتلٌ للآخر.
    والزنى، أيضاً، يُفسد الحياة. لماذا؟ لأن الزاني يستعمل القوى الحيوية فيه في غير محلّها. يبدّدها. تستحيل عنده أدواتٍ للمتعة. بدل ان تكون للبناء تصير للهدم. يهدم نفسه والآخرين لأنه لا يحبّ. وحده الحبّ يعطي الحياة، يشيعها، ينميها. لا يهتمّ الزاني بالحياة إلا بمقدار ما يحصّله لنفسه منها. لا يتعهّدها ولا يفرح بها. لا تعنيه إلا بمقدار ما تقدّمه له. يأخذ منها ولا يعطيها. وإذا ما أعطاها فليأخذ منها. همّه الأخذ لا العطاء. هو، في المدى الأخير، يأخذ حياة ويبثّ موتاً لذلك يفسد الحياة باستمرار.
    والزنى، أيضاً، يُجهض حرّية الإنسان. الزناة يظنّون العكس. يعتبرون الزنى تعبيراً عن حرّيتهم الشخصية. يحسبون أنفسهم أحراراً من عقدة الجسد. الحرّية، عندهم، هي ان يطلقوا العنان لأهوائهم. الحصان الجامح الذي ليس له ما يلجمه ولا ما يضبطه إلى أين يُفضي بصاحبه؟ إلى الهلاك لا محالة! فالأهواء قوّة غاشمة تحتاج إلى كبح ولجم. الضبط، بلغة اليوم، واأسفاه، يسمّونه كبتاً. يحاولون ان يتخلّصوا من التوتّر الداخلي، من المشاداة الداخلية فيهم، بالاستسلام لأهوائهم. لكن الأهواء، إذا ما استسلمنا لها، لا تعطينا سلاماً بل فراغاً وجوعاً وموتاً. الأهواء لا تُشبَع. الاستسلام لها يزيل التوتّر الذي تحدثه، بصورة مؤقتة. وإن أدّى هذا إلى شعور بالنشوة فإن شعوراً بالفراغ يتبع ثم يليه شعور بالجوع أشدّ. والأهواء أيضاً تجعلنا نفقد حرّيتنا الداخلية. الإنسان قد يستسلم للأهواء عن اختيار، بملء حرّيته، لكنه بعد ذلك يصبح أسيراً لها. "مَن يصنع الخطيئة"، كما يقول الكتاب المقدّس، "يصبح عبداً للخطيئة". مَن يُدمن المخدّرات يصبح عبداً لها. بالعكس، الحرّية مرتبطة بالحبّ، مرتبطة بالحق. ولو كانت نفس الإنسان ميّالة إلى الخطيئة، بسبب حالة السقوط التي هو فيها، فإن عليه أن يضبط نفسه، أن يخرج من نفسه، ان يتبنّى الآخرين لأجلهم هم لا لأجله هو. إذ ذاك يصير حرّاً. المحبّة هي التي تحرّر الإنسان. تحرّره من الموت الذي فيه. بالمحبّة وفقط بالمحبّة يصير الإنسان حرّاً وتدوم حرّيته.
    ما الذي يُحدثه الزنى في النفس؟
    بالزنى تضعف إرادة الإنسان وقد تصل إلى حدّ الإنحلال. ويصيب شخصيّته التلفُ وتتفكّك أوصال نفسه فلا يعود قادراً على الصمود أمام سطوة الشهوة وإغرائها. بمجرد ان تتراءى له تستبد به فيحشد قواه ليستجيب لها. يقع في براثنها كما يقع الفأر في مخالب القط. يتذرّع بأنه لا يقدر. يتعلّل بعلل الخطايا. قد يزعجه ضميره لبعض الوقت وقد لا يزعجه. قد تكون حجّته ان كلّ الناس هكذا يفعلون. قد يدّعي انه هكذا خلقه الله وان ما يفعله هو أمر طبيعي. مهما يكن المنطق الذي يعتمده فإن صوت ضميره لا يلبث ان يخفت ويتخدّر حسّه وتظلم نفسه ويُمسي مغشياً عليه، في دوار، نصف نائم. وإذ يستغرق الزاني في زناه تتمحور اهتماماته، بالأكثر، في روح الزنى. بدل ان يكون الحبّ هو محور الحياة بالنسبة إليه يصبح الزنى محور الحياة. كل شيء ينطلق، في نفسه، والحال هذه، من عشق الأجساد ويصبّ في التوق إلى الأجساد. الثياب، العطورات، الكحول، التدخين، المآدب، السهرات، الأضواء، اللياقات، كلّها تصبح مشبعة بروح الزنى، إطاراً لروح الزنى تتوخّى إشباع شهوة الزنى لديه. حيويته ونشاطه، إذ ذاك، يستمددهما، بصورة خاصة، من روح الزنى. بدون زنى تمسي الحياة في عينيه باهتة، لا طعم لها ولا قيمة.
    الظروف وتأثيرها
    :
    بعض الناس يتذرّع بالظروف أنها ضاغطة، غير مؤاتية وان نار الزنى مستعرة في كل مكان ولا حول لهم ولا قوّة. هذا تعلّل بعلل الخطايا. كل ظرف مجال لعمل الله والشهادة لله. كلّما اشتدّت التجربة ازدادت النعمة جداً. أتظنّون ان ظروف الكنيسة الأولى كانت أيسر؟ لا بل كانت أصعب ألف مرّة مما هي عليه اليوم. عبودية، فقر، اضطهاد، فساد، فجور. الانحلال في الأمبراطورية الرومانية كان عارماً. الفجور كان من ضمن أخلاق الناس. الزنى، في الهياكل الوثنية، كان فعل عبادة، شأناً مقدّساً. ومع ذلك، رغم كل شيء، استمات المسيحيون إيماناً بالله. سلكوا في الفضيلة. اعتصموا بالعفّة. تخلّقوا بأخلاق يسوع. دونكم ما قاله يومذاك بعض الكتبة المدافعين عن المسيحيين وبعض ما قيل عنهم من قبل الوثنيين. القدّيس يوستينوس الشهيد (القرن 2 م) قال عن نفسه وعن المسيحيين في زمانه:" نحن الذين سبق لنا ان كنا عبيداً للفجور نجد الآن بهجة في نقاوة الأخلاق... نحن الذين سبق لنا ان كنا محبّين للربح أكثر من كل شيء آخر نتخلّى الآن عمّا هو لنا ابتغاء الخير العام، نشترك والمحتاجين فيما لنا..." وترتليانوس المعلّم، الذي عاش في القرن 3 م، تباهى بأنه ليس مسيحي واحد يُعاقَب كمجرم أو كسارق. فقط لأنه يتمسّك بإيمانه بيسوع. مينوسيوس فيليكس خاطب الوثنيين هكذا:" تمنعون الزنى في القانون وتمارسونه في السرّ... ونعتبر مجرد اقتباله في الفكر جريمة. تخشون ان يُفتضح أمرُكم ولا ترهبنا غير ضمائرنا". حتى بليني الصغير الحاكم، وهو وثني، أطلع الأمبراطور ترايان على ان المسيحيين يتعهّدون بألا يرتكبوا سرقة أو زنى فيما الاحتيال والنجاسة والدعارة، من كل نوع، متفشّية في كل مكان. وثمّة وثني آخر، اسمه لوقيانوس، يشهد لإحسان المسيحيين ومحبّتهم وعنايتهم ببعضهم البعض.
    عن أية ظروف نتحدّث إذاً؟! الظروف الداخلية، لا الخارجية، غيرُ موافقة. العلّة هي في الإرادة. الموضوع هو ما إذا كان القلب لله أم لا. هنا لبّ المشكلة. الزنى قابض على الزناة لأنهم لا يريدون ان يسمعوا، لا لأن ظروفهم لا تساعدهم. "لو ان شعبي استمع لي"، قال الرب، "لو أنّ إسرائيل سلك في طريقي لكنت أذللت أعداءهم [أي أهواءهم] بسرعة وألقيت يدي على مضايقيهم" (مز 80). المشكلة المشكلة أننا لا نريد ان نتألم من أجل الحق، من أجل الحياة، من أجل العفّة، من أجل الخلاص، من أجل يسوع. نهرب باللذّة من الألم فنقع في الفراغ والعدم. ولكنْ ما ضاع باللذّة لا يمكن أن يُستردّ إلا بالألم. ما فُرِّط به برخاوة السيرة لا يمكن أن يُستعاد إلا بالتعب. وما حُرمناه بأكلنا من العود الحرام لا يمكن أن يُستعاد إلا بالصليب الحلال، فإنّه "بالصليب أتى الفرح إلى كل العالم".
    هل يمكن للزنى أن يتعايش مع الفضيلة؟
    بعض الناس يظنّ أن بإمكانه أن يعوِّض عن خطيئة يستسلم لها بفضيلة يسلك فيها. بعض الناس يسلك في الزنى لكنه يعطي الفقير أو يصلّي أو يصوم أو يتبرّع للأديرة والكنائس. هل هذا مقبول عند الله؟
    الحقيقة ان الفضيلة والرذيلة لا يتعايشان. فإما أن تلقي الفضيلةُ الرذيلة خارجاً، وإما ان تُفسِد الرذيلةُ الفضيلة. فإن تمسّك الزاني بزناه بَطُلت صلاته، وإن تمسّك بصلاته انعتق من زناه ولو بعد حين. في المقالة الخامسة من نسكيات القدّيس إسحق السرياني ان مَن أسلم نفسه للزنى وصنع صدقة فإن الله لا يقبل صدقته كتعويض عن زناه. التعويض عن الزنى يكون بالسلوك في العفّة. ولكن كيف يسلك الإنسان في العفّة وجسده يشاغب عليه وأفكار الزنى لا تغادره ولا تكفّ عن إزعاجه؟ آمن تأمن. الله حيّ. وهو قادر على كل شيء. أنت عاجز؟ لا بأس. حسبك ان تريد. أتريد أن تبرأ؟! إذا كانت لك إرادة الشفاء فإن رحمة الله تشفيك. هذه مشكلة الزاني، بكلام القدّيس مرقص الناسك، انه يبقى في حبّ اللذّة ولا يريد ان يوجِّه القوّة الطبيعية التي فيه نحو الصلاح ويدّعي ان النعمة الإلهية لا تساعده. الزاني يكذب ثم يصدِّق كذبه. فقط رِدْ. لتكن فيك إرادة الحياة. كن مؤمناً لا غير مؤمن. ثم عبِّر عن إرادتك في كل حين وبكل الصور الممكنة. ليست الإرادة رغبة مبهمة، مجرّد حنين. يا ليت! الإرادة تصميم. روح الضعف لا يشفي غليلاً. المريد الخلاص إنسان يعرف انه سجين جسده ونفسه وعاداته وخطيئته وضعفه، لكن نفسه مضطرمةٌ فيه، متوتّرة، وثّـابة إلى الانعتاق، متحرّقة إلى النور. "أخرج من الحبس نفسي لكي أشكر اسمك". لا يكفّ المريد عن الصراخ ليل نهار. كلّه يستحيل صرخة، دمعة، سجدة إلى الحضيض. "إلهي، إلهي... أنظر إليّ. لماذا تركتني؟ لماذا ابتعدت عن نصرتي وعن كلمات أنيني؟ إلهي أنا في النهار أصرخ إليك فلا تستجيب. وفي الليل أيضاً دون أن أستريح... دودة أنا لا إنسان... كل الذين رأوني استهزأوا بي... اتّـكلَ على الرب فلينجّه ويخلّصه... انسكبتُ كالماء وتفكّكت جميع مفاصلي... يبست مثل الفخّـار قوّتي... ثقبوا يديّ ورجليّ..." (مز 21). ويُصِرّ المريد ويثبت وينتظر. ولو سقط ألف مرّة رغماً عنه فإنه يعود وينهض من جديد. لست أفعل ما أريده، بل ما أُبغضه فإيّاه أفعل... ليس ساكناً فيّ، أي في جسدي، شيء صالح... الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد... فإن كنت ما لست أريده إيّاه أفعل فلست بعد أفعله أنا بل الخطيئة الساكنة فيّ..." (رو 7). ويُصِرّ المريد ويعنف في إصراره ولا يستسلم كاشفاً ضعفه وعجزه كل حين معلناً ثقته بيسوع كل آن. فإن ثبت إلى المنتهى يخلُص. تُعطى العفّة له نعمة من فوق. يصير كالطفل جديداً، في سلام عميق. ولو كان قد ارتكب في سالف عهده ألف ألف زنى يصير عفيفاً. "قدّم للرب ضعف طبيعتك معترفاً كلّياً بكامل عجزك تنل موهبة العفّة وأنت لا تشعر" (القدّيس يوحنا السلّمي). بالإرادة الصامدة ونعمة الله تُعطى العفّة. حيّ هو الله الذي أنا واقف أمامه. كل الذين سبق لهم ان كانوا زناة وتعفّفوا وتقدّسوا يشهدون. إن لم يكن الله كذلك فلا نعبدنّه. ولكن هذا هو إلهنا. "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم".
    كيف أتوب عن الزنى؟
    ربما تسألني يا أخي أو تسألينني يا أختي: كيف أتوب؟ إليك ببعض ما يمكنك أن تفعله في هذا الاتجاه:
    1- اذهب إلى الكاهن واعترف بكل خطاياك. لا تترك واحدة منها إلا تعترف بها. اذكرها دون تفاصيل. إذ ذاك تغتسل بالحل من الخطايا. تُمسَح خطاياك. يصير بإمكانك ان تبدأ من جديد.
    2- إذ تفعل ذلك قرّر، بنعمة ربّك، ألا تعود إلى الزنى، ألا تعود إلى الخطيئة مهما ضايقتك وألحّت عليك. ضع الموت حدّاً لجهادك إذا لزم الأمر.
    3- اتّـخِذْ لك أباً روحياً أو أمّاً روحية، حيثما توفّرتْ. اكشف له أتعابك، حركة نفسك، كل حين، كما تكشف أمراضك للطبيب. إذا كان السرطان أرهب الأمراض الجسدية فالزنى سرطان القلب، سرطان الكيان. وكل ما يقوله لك طبيب النفوس تمسّـك به. كنْ له مطيعاً طاعتك لله.
    4- كنْ رقيباً على حواسك، على عينك أولاً. لا تسمح لها ان تشرد إلى رؤية القبائح. ولسانك اضبطه، وكذلك أذنك وبقية حواسك.
    5- توقّف عن معاشرة الذين زنيت معهم وعن معاشرة الذين يشجّعونك ويشدُّونك إلى الزنى. ابتعد عن الحفلات الصاخبة الماجنة. هذه مستنقع زنى.
    6- لا تتعاطى مع أفكار الزنى التي تراودك. لا تحاورها. لا تتأمّل فيها. قاومها بذكر اسم الرب، بصلاة يسوع. تعلّم صلاة يسوع. تعلّم السجود. إذا اشتدّت عليك الأفكار اسجد عشر مرّات، عشرين مرّة، ثلاثين، أربعين، خمسين، مئة مرّة. أصرخ "اللهم بادر إلى معونتي. يا رب أسرع إلى إغاثتي". ستوحي لك الأفكار انك لن تُفلت. لا تصدّقها. سيراودك شعور انه خير لك ان تستسلم لتتخلّص من التوتّر الذي في بدنك. لا تَـقْبله. إذا قبلتَـه ستُـلقي نفسك في فراغ. سيكون أصعبَ عليك ان تنهض من جديد. كل انتصار تحقّقه باسم الله يجعل انتصارك في التجارب المقبلة أدنى إليك. لا تَـخُـرْ، قاوم يُعِنْـك الله. آمن ترَ مجد الله! الله الحيّ.
    7- لا تَدِنْ أحداً. كن رحيماً، رئيفاً بالناس. ابتعد، قدر الإمكان، عن المديح والكلام عن نفسك.
    8- انتبه لطعامك. الطعام الدسم ابتعد عنه. وكذلك التوابل والمشروبات. النظام الغذائي يؤثّر.
    9- ليكنْ لك قانون صلاة يوميّة وقراءات.
    10- انتبه للآخرين. اخدمهم دون مقابل. فكِّر في الآخرين. اقصد ان تفتقد المرضى وتسأل عن المضنوكين: الأرامل والمسنّين واليتامى والمعاقين وكل مضروب بعلّة. عُدِ المرضى المدنَفين (المشرفين على الموت) وتأمّل في حالهم. هذا يهدِّئك كثيراً. زُرِ القبور، بشكل منتظم، لئلا تنسى إلى أين المصير. اخرجْ من نفسك تجدْ نفسك. امتدّ صوب الآخرين تجد طريقك إلى قلب الله. في هكذا مناخ تهيّئ نفسك لسكنى العفّة فيك. ليس عملُك هو أساسَ حياتِك ولا مدرستُـك ولا مقتنياتُـك. هذه ينبغي ان تكون ثانوية لديك. الحاجة هي إلى واحد. همّـك الأوّل يجب ان يكون شفاء القلب، شفاء الكيان. لو درى مريض السرطان بمرضه أما كان ينسى كل شيء ويصغر في عينيه كلُّ شيء ولا يعود يطلب إلا الشفاء؟! سرطان الكيان أفظع. اعرِفْ نفسك. عدْ إلى نفسك كالابن الشاطر. اطلبوا أوّلاً ملكوت السماوات وبرّه وكل ما عدا ذلك يزاد لكم.
    11- ثابر على ذلك. اثبت. مَن يثبت إلى المنتهى هذا يخلص. إنها قضية الحياة، معركة العمر. وفي وقت مناسب يعطيك الرب ما تطلب وفوق ما تطلب. "لقد ذهبوا وهم يبكون إذ كانوا يُلقون بذارهم لكنهم سيرجعون فرحين حاملين أغمارهم".


  2. #2
    أخ/ت جديد/ة
    التسجيل: Sep 2009
    العضوية: 7056
    الحالة: أنس غير متواجد حالياً
    المشاركات: 7

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: العفة

    شكرا جزيلا يا أخ او اخت shieam موضوع راااااااااائع وشيق وفيه الكثير الكثير من المعاني الطيبة

    والاخلاق الحميدة

    موضوع في غاية الروعة والفائدة

    شكرا جزيلا واله يعطيك العافية على الجهد

    تقبل مروري المتواضع

    ( أنس )

  3. #3
    أخ/ت مجتهد/ة الصورة الرمزية شيم
    التسجيل: Feb 2009
    العضوية: 5673
    الإقامة: Lebanon - Al Shouf
    الجنس: female
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    أُفضل في الموقع: المكتبة الأرثوكسية
    هواياتي: Photographing - Acting and Painting
    الحالة: شيم غير متواجد حالياً
    المشاركات: 693

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: العفة

    اهلا بك اخي العزيز واشكر مرورك الطيب وانا آسفة لانه لم يتسن لي الدخول حتى هذه اللحظة
    شكرا لك

    صل من اجلي

المواضيع المتشابهه

  1. العفة (الأرشمندريت سلوان أونر)
    بواسطة Gerasimos في المنتدى الفضائل المسيحية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2008-05-05, 07:45 PM
  2. العفة في الفكر
    بواسطة mkaraan في المنتدى خبرات روحية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 2007-03-10, 10:56 PM
  3. حول العفة...
    بواسطة Mayssoun في المنتدى خبرات روحية
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 2007-02-27, 12:52 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •