من المؤتمرات المسكونية
الحياة الروحية والقداسة
هل توجدان اليوم؟
</B>![]()
![]()
الأرشمندريت كيرلس رئيس دير
القديس يوحنا المعمدان في مالدون
[SIZE=“4”]
+ في المؤتمر العالمي الثاني للشبيبة الأرثوذكسية، والذي نظَّمته البطريركية المسكونية من 11 إلى 15 يوليو عام 2007، والذي دار الحوار فيه حول موضوع: ”أعضاء الكنيسة.. مواطنون في العالم“، ألقى الأرشمندريت كيرلس كلمة حول: ”الحياة الروحية والقداسة، وتحقيقهما في العالم المعاصر“.
+ والأرشمندريت كيرلس من أصل يوناني، وُلِدَ في أستراليا، ويبلغ من العمر 71 عاماً. ويتولَّى منذ عام 1974 مسئولية رئاسة دير القديس يوحنا المعمدان في مالدون - إنجلترا. وهذا الدير أسَّسه الأب صُفروني (1896-1993) عام 1959م، وهو راهب روسي أتى من جبل آثوس حيث كان قد تتلمذ على يد القديس سلوان (الذي من أديرة جبل آثوس - 1866-1938). تأسَّس الدير في البداية تحت رعاية إيبارشية روسيا في بريطانيا (التابعة لبطريركية موسكو)، أما الآن فالدير يتبع رئاسة البطريرك المسكوني مباشرةً، ويُقدَّر عدد رهبانه بـ 14 راهباً و29 راهبة ينتمون لأكثر من 15 جنسية مختلفة.
السؤال: هل توجد اليوم الحياة الروحية والقداسة؟!
[/SIZE]
- إجابتي الفورية لشقَّي هذا السؤال واحدة، وهي: ”نعم“ بشكل صريح ومُشدَّد، لأن الله لم يتغيَّر، «يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد»؛ كما أن طبيعة الإنسان أيضاً لم تتغير. منذ آدم والإنسان قد نال كرامة السلطان على تحديد مصيره، بالقدر الذي يستطيع فيه - إن أراد - حتى أن ينصرف عن الله وعن الحياة حسب الروح وعن جهاد القداسة.
لكن، حتى نهاية الزمان، سيوجد دائماً رجالٌ ونساءٌ - حتى وإن كانوا أقلية - يتوسلون من أجل انسكاب نعمة الله على الأرض، وعلى رفقائهم البشر. فإن استمرار العالم في الوجود هكذا هو البرهان على أن القداسة ما تزال موجودة حتى اليوم.
وفي هذا الصدد يقول القديس سلوان الآثوسي: ”أقول لكم: إنه حينما لا يوجد بعد رجال صلاة على الأرض، فسيزول العالم من الوجود“.
[SIZE=“4”]الحياة الروحية واقعٌ حيٌّ:[/SIZE]
[SIZE=“4”]
من ناحية أخرى نقول إن الحياة الروحية والقداسة، والتي هي ثمرة مباشرة لها، لا توجد في الماضي فقط. فنحن نستطيع أن نُعاين سمات القداسة ظاهرة في السابقين علينا، ومنهم تعلَّمنا الكثير. لكننا لم نأتِ لكي ندرس الحياة الروحية كأنها تحفة في متحف الآثار. فالحياة الروحية هي واقعٌ حيٌّ، ونحن كلنا مدعوُّون إليها. ولكل كائن بشري بُعد روحي في كيانه. والله ليس عنده محاباة، فهو يدعو كل واحد منا إلى الوجود في علاقة حب شخصية معه، ويُنعِم على كل إنسان بالقوة التي بها يشترك في حياة الله، كما يقول القديس بطرس الرسول حسب اصطلاح عصره إننا دُعينا لنصير «شركاء الطبيعة الإلهية» (2بط 1: 4). هذا بالضبط ما تعنيه القداسة: «كونوا قديسين لأني أنا قدوس» (لا 19: 2)، «لأجلهم أقدِّس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضاً مقدَّسين في الحق» (يو 17: 19). هذه دعوة الله لنا جميعاً، مهما كانت مكانتنا في المجتمع أو مقامنا في الكنيسة: سواء كنا من الشعب أو من الإكليروس.
[/SIZE]
وفي هذا الصدد يكتب القديس سلوان الآثوسي ويقول: ”كل واحد في هذا العالم له مُهمَّته التي عليه أن يُتمِّمها، سواء أكان ملكاً أو بطريركاً، أو طباخاً أو حدَّاداً أو مدرساً. لكن الرب الذي تشمل محبته كلَّ واحد منا سيُعطي مكافأة أعظم لمَن تكون محبته لله أعظم“. ويقول أيضاً: ”ليس في استطاعة أي إنسان أن يكون إمبراطوراً أو أميراً أو قائداً، بطريركاً أو رئيس دير؛ لكن مهما كان وضعنا الاجتماعي فنحن نقدر أن نحب الله ونُرضيه، وهذا وحده هو المهم“.
[SIZE=“4”]الحياة الروحية تشمل كل كياننا:[/SIZE]
[SIZE=“4”]
إن الحياة الروحية هي الحياة التي تهتم بالبُعد الروحي في كيان الإنسان. والمحافظة على علاقتنا مع الله لا تُشبَّه بهواية تُمارسها فئة مُعينة من الناس، كمَن يُلقِّبهم الناس: ”هذا الشخص متديِّن“. فالحياة الروحية ليست اهتماماً إضافياً نختاره، بل هي في الحقيقة ما تجعل حياتنا إنسانية حقّاً.
[/SIZE]
حينما يُنحِّي علم الأحياء وعلم النفس العنصر الإلهي من خلقة الإنسان، فهما يُعطيان للإنسان صورة غير كاملة. فالإنسان الطبيعي بهذه الصورة الناقصة يكون مجرد حيوان أرقى، ولكنه في هذه الحالة في حقيقة الأمر يكون أقل من إنسان (أي الإنسان الذي خلقه الله على صورته ومثاله).
بدون الجهاد الروحي فلن تنمو روحنا، فروحنا لا يمكن أن تُلغَى، لكنها قد تختنق أو تضمر او تُتَجاهَل أو تُنكَر. أما إذا عشنا حياتنا بما فيها الجانب الروحي، فسوف نعيش حياتنا بكمالها، وتتكامل شخصياتنا؛ لأن الحياة الروحية تشمل كل كياننا بما فيه الكيان النفسي والكيان الجسدي. فما أُفكِّر فيه وما أفعله في كل مناحي حياتي، يؤثِّر أيضاً في نفسي. وحينما تتلامس نفسي مع نعمة الله، فإن فكري ومشاعري وجسدي تتبارك هي أيضاً.
[SIZE=“4”]الإيمان الأرثوذكسي هو الطريق المضمون:[/SIZE]
[SIZE=“4”]
في أيامنا هذه - وفي البلاد الغربية بصفة خاصة - فَقَدَ الكثير من الناس الإيمان المسيحي. فيقول كاتب إنجليزي: إنه ”عندما يتوقف الإنسان عن أن يؤمن بالحق، فهو لا يبدأ بأن يؤمن بالعدم (اللاشيء)، لكنه يؤمن بأي شيء“ . هكذا في البلاد الغربية اليوم حيث يمكن أن يوجد أُناس يؤمنون بوجود الله حتى وإن كان هذا الإيمان بدون إيمانهم بالمسيح. ولذلك نستطيع أن نتقابل مع كل أنماط المعتقدات الروحية، وهذا لا يكون أمراً مُدهشاً فإنه «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان» (مت 4: 4). والعطش الروحي يوجد في كل مكان، حتى حينما تكون الأفكار المتعلِّقة بالكائن المطلق (الله) مُشوَّشة ومتعارضة.
[/SIZE]
بالإضافة إلى ذلك، هناك من الطرق الروحية المختلفة ما يكون فيها صفات مشتركة. فتوجد - مثلاً - تعاليم أخلاقية مشتركة في الديانات الكبرى، لكن الاختلافات الجوهرية بين الأديان لا تظهر للناس دائماً في بداية الطريق، ولكن تظهر عندما يتعمَّق الإنسان فتتضح هذه الاختلافات.
وبعض معاصرينا يُعلِّمون أنه كلما تعمَّقتَ في أية ديانة، كلما وجدتَ أن هناك تقارُباً بين المعتقدات الروحية المتعددة. لكن الواقع أنَّ العكس هو الصحيح. فالذين يبحثون في المعتقدات الروحية، يجب أن يبحثوا عن الحق، وأن يجدوا الطريق المؤسَّس على المعرفة اللاهوتية الصحيحة، أي على الرؤية الحقَّة عن الله التي يستعلنها الله بنفسه لنا. حينئذ فإن أعماقنا سوف تؤكِّد على أن يسوع المسيح هو فعلاً «الطريق والحق والحياة» (يو 14: 6)، وأن كمال الحياة في الله يمكن بلوغها فقط في الله المتجسِّد، الذي اشترك في طبيعتنا البشرية الكاملة واتحد بها بينما هو حاملٌ في ذاته الطبيعة الإلهية من حيث كونه الواحد من الثالوث القدوس.
الكنيسة تُعطينا حقيقة نموذجية: فإننا يمكننا أن نرى ونسمع ونلمس ونتذوَّق الكائن المطلق (1يو 1: 1)، يمكننا أن نختبر الرائحة الزكية للكائن المطلق؛ وهكذا يمكننا أن نتقدَّم بيقين حتى نهاية الطريق حيث تقودنا الكنيسة.
لا يوجد طريق آخر يُوصِّلنا بسلام إلى الغاية الحقيقية، مهما كانت سمو تعاليمه ووصاياه الأخلاقية وتطلُّعاته. ومع أنه ليس أحد منا خالياً تماماً من النعمة، إلاَّ أن الامتلاء من القداسة يتطلَّب تمشياً مع متطلبات الإيمان الأرثوذكسي. إن تعليمنا الأرثوذكسي لا يمكن التعالي عليه، ولا هو متخلف عن الواقع، فقد طرح على مر العصور - ووسط مختلف الثقافات والبلاد - ثماراً رائعة. إن الإيمان الأرثوذكسي متاحٌ لكل واحد، ومن هنا نستطيع أن نتفهم لماذا قال العلاَّمة ترتليان: ”إن كل نفس هي مسيحية بالسليقة (بالفطرة)“.
[SIZE=“4”]الحياة الروحية هي الحياة في المسيح:[/SIZE]
[SIZE=“4”]
الحياة الروحية نستطيع أن نُعرِّفها بأنها ”الحياة في المسيح“. ولنتوقف لحظةً عند هذا التعبير، فقد استخدمه اللاهوتي البيزنطي ”نيكولاس كاباسيلاس“ كعنوان لمؤلَّفه عن الأسرار: ”الحياة في المسيح“. وفيما بعد ردَّده أيضاً بدوره القديس يوحنا كرونستادت (وهو كاهن روسي عاش في نهاية القرن الـ 19 وبداية القرن الـ 20) كعنوان ليومياته الروحية: ”حياتي في المسيح“. وحديثاً أعطى مؤلِّف معاصر هذا التعبير لأحد كتبه وهو ”الأب صفروي سافاروف“، الذي روى فيه مسيرته الروحية تحت عنوان: ”حياة المسيح هي حياتي“.
أن نكون ”في المسيح“، فهذا معناه أن نكون ”ملتحمين“ في جسده الحقيقي، وأن نكون ممسوحين بروحه - فكلمة ”المسيح“ تعني ”ممسوح“ - وأن نكون مُتبنِّين كأبناء للآب السماوي في المسيح.
[/SIZE]
الإيمان المسيحي ليس بأن نردِّد فقط ”نعم“ لقانون الإيمان، ولكنه يعني أن ”نلبس المسيح“ (غل 3: 27). كيف؟ بالمعمودية التي يسبقها اعتراف بالإيمان المسيحي. فنحن ببساطة أخذنا هذه العطية العُظمى، ولكن الذين تحوَّلوا إلى الإيمان وهم في سنِّ البلوغ يمكنهم أن يقولوا لنا - من واقع اختبارهم - أنه عبورٌ حقيقي من الظلمة إلى النور، ومن الموت إلى الحياة.
نحن ننسى أحياناً أن الكاهن أثناء المعمودية قد ردَّد علينا هذه الكلمات: ”ها قد اغتسلتَ وتقدَّستَ وتبرَّرتَ باسم الرب يسوع وبروح إلهنا“ (1كو 6: 11). هذه الكلمات الرائعة المستقاة من رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس، قد تبدو مجرد صيغة طقسية، إن نحن أهملنا أن نُحقِّق هذه العطية الإلهية في حياتنا، لقد زُرِعَت فينا بذرة الحياة الروحية. نحن الذين قد تقدَّسنا في المسيح يسوع، مدعوُّون أن نكون قديسين (1كو 1: 2)، وبهذا القدر تكون مهمتنا!
[SIZE=“4”]ماذا تعتقد في المسيح؟![/SIZE]
[SIZE=“4”]
إن تأكَّدنا أننا قد وجدنا ”الإيمان الحقيقي“، فلن نخاف شيئاً من تعدُّد المعتقدات الروحية التي تنتشر من حولنا، حتى لو كانت مُشوِّشة لنا: «لأن الله لم يُعطِنا روح الفشل، بل روح القوة والمحبة والنُّصح (”الذهن الصافي“)» (2تي 1: 7). فإنْ بقينا أُمناء، وأثْرَيْنا على الدوام اختباراتنا ومعرفتنا بحياة الكنيسة وتعاليمها؛ فسنكون أهلاً لأن نساعد مَن حولنا بصورة أفضل.[/SIZE]
السؤال الأساسي دائماً هو: ماذا تعتقد في المسيح؟
القديس يوحنا اللاهوتي يُذكِّرنا: «بهذا تعرفون روح الله. كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله. وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فليس من الله» (1يو 4: 3،2).
طبعاً التقديم الذي سنعرضه عن الرب يسوع سيكون بسيطاً وليس عميقاً، لكنه مملوء من اليقين. سيكون كلُّه حبّاً وامتناناً. يقول القديس سلوان الآثوسي: ”الله محبة. إذن، كل كرازة بكلمته يجب أن تنبع من المحبة. حينئذ سينتفع الكارز والسامع كلاهما... لكن إن كنتم لا تفعلون شيئاً آخر سوى أن تدينوا وتحكموا على الآخرين، فإنَّ الناس في أعماقهم لن ينتبهوا لكلماتكم، ولن يتأتَّى منها أي نفع“. بكل تأكيد، ليس كل الناس مدعوُّون ليتكرَّسوا للكرازة، لكن مَن يريد أن يشهد للمسيح فسيتحدث عنه باعتباره أعطى لكل البشر أن يصيروا شخصيات حقيقية. فالحياة الروحية، حسب التعليم الأرثوذكسي، هي اشتراك بين إرادتنا الحُرَّة وبين إرادة الله.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات