النموفيالحياةالروحية

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

يظنالبعض أنهم قد وصلوا إلى الغاية، حينما يتوبون ويبتعدون عن ارتكاب الخطايا. ولكنالبُعد عن الخطية، إنما يُمثِّل فقط الجهاد السلبيفيالحياةالروحية. فماذا إذن عن الإيجابيات؟ ... إنها طريق طويل. فالحياةالروحيةلا تقفمطلقاً عند حد. إنما سائرة باستمرار. تنموفيكل حين وتتقدَّم. وهكذا فإن حياةالنموهى إحدىخصائص ومعالم الطريق الروحي.

وقد شُبِّه الإنسان الروحي بالشجرة التي تنموبإستمرار ـ ولا تتوقف لحظة عن النمو. والشجرة تنمو بطريقة هادئة، ربما لا تلحظهاوأنت تمر عليها كل يوم. ولكنها تنمو بإستمرار ـ ويظهر نموها بعد حين .


والإنسان الروحي ينموفيكل عناصرالحياةالروحية: ينموفيمعرفة اللَّه،وفي مخافته ومحبته. وينموفيحياةالنقاوة وفيالصلاة والتأمُّل .. والذي لا ينمو هو عُرضة للفتور، بل عُرضة إلى أن يرجع إلىالوراء.

ولكن إلى أين يمتد الإنسان الروحيفينموه؟ إنه يصل إلىالقداسة. ولا يقف عند هذا الحد، بل ينموفيالقداسة حتى يصلإلى الكمال. والمقصود طبعاً هو الكمال النسبي، لأن الكمال المُطلَق هو للَّه وحده. إنما الكمال النسبي هو الكمال الذي يستطيع الإنسان أن يصل إليه،فيحدود إمكانياته،ونسبة إلى ما وهبه اللَّه من نعمة ومعونة، وما تُحيط به من ظروف.

وإن كنتلا تستطيع أن تصل إلى هذا الكمال النسبي، فمهما فعلت ومهما جاهدتفيحياة الروح، قِفأمام اللَّه كخاطئ ومُقصِّر لأنك بعيد عن هذا الكمال المطلوب.

إنَّ الإنسانالذي يسعى إلى الكمال يُشبّه بمَن يطارد الأفق: يرى الأُفق بعيداًفيآخر الطريق حيثتنطبق السماء على الأرض. فيذهب إلى هناك ليرى الأفق أمامه عند النهر. فيذهب إلىالنهر ويرى الأُفق امتد إلى الجبل ... وهكذا إلى ما لا نهاية. فالإنسان الروحي ينسىكل ما فعله من خير، لأنه يمتد إلى خير أسمى وأعلى، حتى يحب الرب الإله من كل قلبهومن كل فكره، وبكل قوته. ومثل هذا الشخص الذي لا يوجدفيقلبه سوى اللَّه ـتبارك اسمه ـ ... هذا لا توجد أيَّة محبة أخرىفيالقلب تنافس محبةاللَّه ... فهل تشعر بذلكفيقلبك؟ إنك تكونكذلك قد وصلت إلى مذاقة الملكوت وأنت على الأرض.

وإن كنت لم تصل، فلا تيأسولا تحزن واعرف أن أطول طريق أوله خطوة. فإبدأ إذن بهذه الخطوة، مهما كانت قصيرةومهما كانت ضعيفة وفاترة. حينئذ حينما يرى اللَّه رغبتكفيالحياةمعه، سيُرسللك معونات إلهية من عنده، وتفتقدك نعمته بكل قوة. واللَّه الذي عملفيالقديسين والأبراروأوصلهم، وهو قادر أن يعمل فيك أيضاً. لكن نعمة اللَّه العاملة ليست تشجيعاً لك علىالكسل وعلى التهاون والإهمال. إنما النعمة تعمل فيك، وأنت تعمل بها ومعها. كُنجاداًفيروحياتك. افتح قلبك لكي يملأه اللَّه، واحرص ألاَّ تفتحه لمحبة خاطئة. وكُن أميناًفيالقليل الذيتستطيعه، فيُقيمك اللَّه على الكثير الذي يُريده لك.

على أنالنموفيالحياةالروحيةقدتُقابله عقابات كثيرة وأولها حروب الشياطين. فالشيطان لا يقف ساكتاً إن وجد إنساناًيمتد إلى قدام باستمرارفيطريقه الروحي لذلكيقف ضده وهذا ما يُسمَّى أحياناً بحسد الشياطين. إنهم يحسدون مَن يسيرفيحياة البِرِّ التيفقدوها. ومُحاربات الشياطين قد توقِفالنموعند البعض،وقد تُرجع البعض إلى الوراء. فإن تعرَّضت لهذه الحروب، لا تتضايق إنها شيء طبيعي. بل قاوِم واستمرفينموّكّ، وثِق أن نعمة تُحيط بك أقوى من أعدائك الأشرار.

ومن ضمنمعوقاتالنموالروحي: البيئة المُعطِّلة. لذلك تخيَّر أصدقاءك ومعاشريك ومُرافقيكفيالطريق. فكما أنالصديق الصالح يجذبك معه إلى فوق، كذلك الصديق الشرير يجذبك إلى أسفل ويُعطِّلنموك.


نفس الوضع يحدث بين الأزواج. ولعلنا رأينا تأثير البيئة على لوطفيأرض سدوم. إذنفالبيئة الخاطئة والضغوط الخارجية يُمكن أن تعطل الروحيات. لأن البار إذا انتصرعليها حيناً، فرُبَّما إذا ضغطت عليه فإنها تُعذِّب نفسه يوماً فيوم ولهذا احترسفيممارستكالروحيةمناستصحاب أحد يمكن أن يعوقك. فإبعد إذن عن الأشواك حتى ينمو زرعك المُقدِّس دون أنتخنقه البيئة المحيطة. واذكر دائماً قول الشاعر:

متى يبلغ البُنيان يوماً تمامه
إذاكنت تبنيه وغيرك يهدم

مِمَّا يحاربالنموالروحيأيضاً: الإكتفاءفيالروحيات. حيث يصل الإنسان إلى مستوى روحي مُعيَّن فلا يتقدَّم بعده ظاناً أنهوصل إلى نهاية المستوى دون أن يُفكِّرفيتخطيه إلى ما هوأعلى. أو يحاربه الشيطان بأن ما فوق هذا المستوى هو لون من التَّطرُّف.

إنَّالذي يقف نموه هو مُعرَّض للرجوع إلى الوراء. لذلك لا تكتفي مطلقاً بما أنت فيه. ولكن بحكمة ضع أمامك المستويات العُليا التي وصل إليها الأبرار، لكي يُحفزك ذلك إلىمزيد من الجهاد.

هناك أسباب أخرى تعوقالنموالروحيمنها إرشاد الخاطئ لأنه كما يقول المثل: " أعمى يقود أعمى، كلاهما يسقطانفيحفرة "، لذلك لاتسمع نصيحة كل أحد، ولا تطلب الإرشاد إلاَّ من المختبرين. كما يقولالشاعر:

فخذوا العلم على أربابه
واطلبوا الحكمة عندالحُكماءِ

ومِمَّايعوقالنموالروحي: التقليد الخاطئ حيث يحاول شخص أن يلبس شخصية غيره دون تمييز، ودون معرفة الفوارقبينهما من حيث الطبيعة والإسلوب. فرُبَّما ما يناسب شخصاً لا يناسب غيره. وقد يحدثذلك حينما يريد الشخص أن يكون الشخص مُجرَّد صورة من مرشده.

ومِمَّايُعطِّلالنموالروحي: الاهتمام بالفضائل الظاهرة دون العُمق. فمقاييس الروحيات ليست بالكثرة، وإنمابالجودة. فلا يصح أن يفرح إنسان بكثرة الصلوات، دون أن يدرك ما تحمله الصلاة منصِلة باللَّه، ومن خشوع ومن عُمق وفهم لكل عبارة وما يليق بها من مشاعر. كما لايجوز أن يهتم بالعفة من جهة الشكل الخارجي، وإنما بعفة القلب من الداخلفيمشاعرهوأحاسيسه.

وقد يقفالنموالروحيبسبب الكبرياء. فإذا ما ارتفع القلب بسبب مستوى روحي وصل إليه الشخص حينئذ تبعدالنعمة عنه لكي يشعر بضعفه فيتضع. فالنمو الروحي ليس هدفه الكبرياء، فإذا وصل إلىالكبرياء يسمح اللَّه أن يقف هذا النمو.