قراءة روحية
لتاريخ كنيسة المسيح
ليست هناك أمّة على الأرض قامت إلا على العنف.
الدفاع عن النفس بالقوة المادية بديهيّة في تاريخ الشعوب.
هذا حتى لا نتكلم على سعي هذه الشعوب إلى التسلّط على بعضها البعض بكل الوسائل المتاحة.
من هنا المثل الشائع على صعيد الأفراد والجماعات، سواء بسواء،
"إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب".
هنا تبدو، في الوجدان العام، القناعة الراسخة في شأن إستحالة العيش بين الذئاب إلا للذئاب.
وطالما هناك مجتمع ذئبي هناك تناهش لا محالة.
البقاء للأقوى والضعيف يموت.
هذا ناموس الحياة الإجتماعية الدنيا.
وحدها المسيحية قامت، في مقابل الذئبية البشرية، على الخِرافية الإلهية.
المعلم، يسوع، كان حمل الله. إذاً جاء ذبيحاً. جاء ليُقتل. هذا صحيح!
ولكنْ جاء ليتفتدي. الفداء له علاقة بالأسر.
أنت تدفع الفدية لتحرّر الأسير.
البشرية أسيرٌ لحضارة الموت. في حضارة الموت، الموت ضرورة للحياة. ما هي حضارة الموت؟
حضارة الموت هي، بكلمة، أن يحيا قسم من الناس على حساب القسم الآخر.
من ذلك آكلو لحوم البشر.
أَكْلُ لحوم البشر لم يتوقف في التاريخ.
إستمر وهو مستمرّ بتعابير أخرى.
ما الفرق بين أن تأكل لحم أخيك وأن تأكل رزقه؟
الذئبية، على هذا الصعيد، منبثّة في البشرية حتى العظم، وهذه سببها، في العمق، الخوف. من أين أتى الإنسان هذا الخوف؟
من إنقطاع حبل الصرّة بين الله والإنسان نظير إنقطاع حبل الصرّة بين الأم ووليدها.
هذه أول وأعمق صدمة يتلقّاها الإنسان في هذا العالم.
وفي نظر العديد من علماء النفس، اليوم، أنها وراء كل ردّات الفعل الأساسية في حياة الفرد والجماعة.
وكأن الإنسان، كل إنسان، في قرارة نفسه، يئن من إنقطاعه عن رحم أمّه ويتوق، في لاوعيه، إلى العودة إلى هناك.
هذه صورة الفردوس في وجدانه.
إذاً حرمان مسجّل في خلايا الإنسان منذ خروجه من الرحم.
وهذا الحرمان هو الباعث على الخوف والقلق والاضطراب العميق في نفس الإنسان. الذئبية تأتي من هناك وكأنها ميراث لا فكاك منه.
الإنسان، في هذه الحال، يعاني من العزلة الكيانية، من الوحشة الراسخة. الإنسان الآخر، لديه، موضع حاجة، من ناحية - هذا هو معنى المعين (سفر التكوين) - وموضع تهديد، من ناحية أخرى.
فكأنه في حلقة مفرغة لا سبيل له للخروج منها.
لا يستطيع الإنسان أن يأمن للإنسان بسبب الخوف الذي فيه ولا يستطيع أن يلغيه بالكامل لأنه بحاجة إليه.
لذلك يلغي الناس بعضهم البعض جزئياً أو يستعبدونهم أو يستغلّونهم.
كلٌّ يطلب في الآخرين الشيء وعكسه.
لذلك الجميع يعانون من الخيبة.
والخيبة ليست من الآخرين بل من موقفنا منهم.
كل هذا يجعل البشرية في حال الصراع وكأن الصراع من طبيعتنا.
بهذا المعنى البشريةُ كلُّها أسير حضارة الموت.
كيف الخروج من هذا المأزق، من هذه الدوّامة؟
بشرياً الباب مقفل والخروج مُحال.
"الخلاص بالإنسان باطل".
السياسة، الإيديولوجيات، الأنظمة الديكتاتورية، الأنظمة الديموقراطية، كلها محاولات للخروج من عتمة البشرية تأسيساً لإنسان جديد ومجتمع جديد.
لكنها محاولات فاشلة.
السبب أنها تعمل على تغيير الإنسان من الخارج، لكنها غير قادرة على تغيير الإنسان من الداخل.
لذلك يأتي نظام سياسي ويليه نظام آخر والإنسان في العمق لا يتغيّر.
كل الأنظمة السياسية يعد بالكثير.
الشعارات ملء الفضاء. لكنها كلها، في شأن الوضع الداخلي الكياني للإنسان، خاوية.
لذا كان لا بد من أن يأتي العون من الخارج،
من خارج أفق الإنسان، ليستقر في مجال الإنسان.
فكان نزول ابن الله وكان التجسّد.
الله صار إنساناً حتى، بالبشرة، يتخّذَ ما للإنسان، وبالألوهة يفتديه. نداء استغاثة البشرية الواعي وغير الواعي تمثّل في هذا القول المزموري:
"أَخْرِج من الحبس نفسي لكي أشكر اسمك" (مز 141 : 7).
ما فعله يسوع كان بقوة الله.
ما فعله كان مستحيلاً بشرياً.
"أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم".
" لا تقاوموا الشر".
"من ضربك على خدّك الأيمن فأدر له الأيسر".
هذا الكلام غير بشري وغير قابل للتجسيد في الحال التي كان فيها الإنسان.
وحده الله قادر على ذلك كله.
يسوع قال الكلمة وكان الكلمة:
"تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلّطون عليهم. فلا يكون هكذا فيكم. بل من أراد أن يكون فيكم عظيماً فليكن لكم خادماً. ومن أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن لكم عبداً. كما أن ابن الإنسان لم يأت ليُخدَم بل ليَخدُم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين"
(مت 20 : 25 – 28).
على هذا لم يواجه يسوع شرّ البشرية حياله بالشر بل بالخير.
أبغضوه بلا سبب فأحبّهم. آذوه فصفح عنهم.
"إغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون".
في أعماقه أحبّهم. حمل آثامهم
(إش 53 : 11).
صار عنهم ذبيحة إثم
(إش 53: 10).
"مسرّة الرب بيده تنجح"
(إش 53: 10).
وبماذا الرب يُسَرُّ؟
"لا أُسَرُّ بموت الشرير بل بأن يرجع عن طريقه ويحيا"
(حز 33 : 11).
ما فعله يسوع، صليبُه، كان، بشرياً، بلا معنى. تراوح، في وجدان الناس، بين العثرة والجهالة (1كو 1 :23).
ولكن هذا، بالضبط، هذا الذي فعله، كان السرّ المكتوم منذ الدهور، الحجر الذي رذله البنّاؤون لكنه صار رأساً للزاوية. هنا، بالذات، تجلّت حكمة الله.
ما اعتبره العالم جهالة، وهو حكمة الله، هذا، بالذات، هو ما جعله الله أداة لخلاص المؤمنين.
"استَحْسَن الله أن يخلّص المؤمنين بجهالة الكرازة"
( 1 كو 1 : 21).
ولكنْ كيف كان لحكمة الجهالة هذه أن تفعل في الناس؟
يسوع أبغضوه بلا سبب.
صلبوه بلا مبرّر.
لم يكن في طاقة أحد أن يبكتّه على خطيئة.
كل ما اتهموه به كان اختلاقاً.
وأحبّهم!
قابل مآثمهم برحماته المشرقُ شمسَه على الأشرار والصالحين،
سواء بسواء،
والممطِر على الأبرار والظالمين (مت 5 : 45).
ماذا أحدث ذلك فيهم؟
بلبلهم.
خلخلهم.
زلزلهم.
كانوا يتوقّعون منه ردّ فعل بشري، أن يدافع عن نفسه، فلم يفعل.
"كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازّيها فلم يفتح فاه"
(إش 53: 7).
ظُلم فتذلّل
(إش 53: 7).
ليس سهلاً على القلب البشري أن يتحمل مثل ردّ الفعل هذا ولا يتحرّك.
فقط المغالون، في قسوة القلب، المعاندون، العميان في قرارة نفوسهم، لا يتأثّرون لأنهم أموات في القلب.
أما من كانت فيهم ذرّة من الإحساس فما كان ممكناً لهم أن لا ترتجّ نفوسهم.
القلب البشري لا يقبل الظلم.
لذا لا شيء يوجع القلب أكثر من إحساس صاحبه بأنه ظَلم.
البريء للقلب الظالم، متى وعى ظلمه، قنبلة كيانية.
ما فعله يسوع جعل نفوساً عديدة ترتجّ.
حملها على التوبة.
نفذت قوة الله إليها، حرّكتها، غيرّتها، جعلتها مستعدّة لأن تكفِّر عن خطيئتها، عن ظلمها حتى بالموت.
وجهة السيّد، فيما فعل، كانت قلوب الناس، لا النظم ولا القوانين.
جدّد قلوب المؤمنين به، جعلها قلوباً جديدة، سكنت فيها نعمته. استوطن فيها نوره.
هكذا أطل زمن جديد وأشرق ملكوت السموات. صار المعلم وحده السيّدَ في المؤمنين به وصاروا له كَمِنْ جسده، كنيسة المسيح.
هذا ما مدّه يسوع بجسده للمؤمنين به.
وهذا ما جعل الكنيسة، في السنوات الثلاثمائة الأولى، تنجح وتغلب وتنمو.
واجه المؤمنون بيسوع العالم الوثني الظالم بالمحبة، بالرحمة، بالصفح، باللطف، ببذل النفس.
قيل عن القدّيس كبريانوس القرطاجي إن الجلاد لما دنا منه ليقطع رأسه، فقبل أن يفعل أَمَر له القدّيس بخمس وعشرين ذهبية أجراً له.
شهداء الكنيسة الأوائل فعلوا ما قاله معلّمهم وفَعله:
"إغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون"،
بدءاً بالشهيد الأول استفانوس الذي قال للرب في شأن راجميه:
" يا رب لا تُقم لهم هذه الخطيئة"
(أع 7 : 60).
لذا كان كل شهيد قدّمته الكنيسة قنبلة كيانية انفجرت في وجدان الكثيرين.
فبدل أن تتضاءل الكنيسة وتتوارى نَمَت وازدادت.
قوة الله فعلت ذلك.
من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا!
هكذا انطلقت كنيسة المسيح وهكذا تستمر.
هذا هو تاريخها الحق، تاريخ عمل الروح فيها.
وكل ما عدا ذلك
حواشٍ... ونشاز!
Father Bless
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
.gif)

المفضلات