مصاعد القلب

المتروبوليت بولس يازجي
صلاة التوبة
المزمور الخمسين
(1) ارحمني يا الله، كعظيم رحمتك، وكمثل كثرة رأفاتك امحُ مآثمي
هذه هي الصلاة الحقيقيّة، إنّها وقفةُ خشوعٍ أمام الله وطلبٌ لرحمته، إنّها الشعور الحقيقيّ بأنّي خاطئ، إنّها معرفة الذات والإقرار بالضعفات. لكن الجميل هنا في صلاة داوود، أنّه يستحلف الله لكي يرحمه كثيراً، لا على مقدار حرارة طلبه، فصلاته تبدو له في عينيه باردة وغير مستحقّة، ولكن يستحلفه بكثرة رحمته. أنا أخطأتُ كإنسان فأنتَ ارحمْني كإله. هكذا يشرح أغسطينوس المغبوط: إنّ مَن يشعر حقّاً بأنّ خطيئته جسيمة، يطلب رحمة عظيمة. لهذا مَن يُخطئ سهواً يشعر بشكل من الأشكال بأنّه يطلب مثلاً رحمة صغيرة من الله. أمّا مَن يشعر بأنّ خطيئته هي جرمه ومسؤوليّته أمام الله، يطلب رحمة عظيمة، بكلام آخر: يطلب بحرارة.
وهنا على غير عادته، ينادي داوود الله قائلاً "يا الله"؛ وهو الذي اعتاد دائماً أن يقول "يا الله إلهي"، وأن يكلّم اللهَ كأب وربّ شخصيّ. هنا يبدو أنّ ليس لداوود جرأة تنظر إلى السماء وتسمّي الربّ إلهها، رغم إيمانه ويقينه بذلك، لكن الخطيئة سرقت منه "دالّة" مناداة الله مضافاً إليه ياء المتكلّم. مَن اعتاد أن يقول "يا الله إلهي إليك أبكّر"، و"هم سقطوا أمّا نحن فباسم الربّ إلهنا نهضنا"، كانت له الدّالة والآن ها قد فقدها.
من عادة أشعار المزامير، إذ يشعر قلب المرنّم بأنّ الكلمات لا تعبّر، أن يتوسّع في الشرح. لذلك في بيت الشعر، الشطر الثاني يشرح الأوّل وذلك بأسلوبَين: إمّا بالإسهاب، أي يتابع المعنى ذاته بصور أخرى وكلمات موازية تشرح الشطر الأوّل؛ وإمّا أن يشرحه بصورة عكسيّة، أي أن يرفض نقيض الشطر الأوّل.
هنا في الآية (3) يسهب الشطر الثاني بشرح الأوّل، فيقول ارحمْني كعظيم رحمتك، ثمّ وكمثل رأفاتك امحُ مآثمي. وهذا ما يتبعه غالباً في هذا المزمور، فهناك يستحلف الله بعظيم رحمته وهنا ب "كثرة الرأفات"، هناك يطلب رحمته وهنا يطلب الغفران. أمّا في المزمور مثلاً ال 39، نراه يميل إلى الشرح بشكل معاكس. فيقول مثلاً: "بشّرتُ ببرّك في الجماعة العظيمة"، "هوذا شفتيَّ لم أغلقْهما"، "لم أكتمْ عدلك في وسط قلبي...". فمعنى الشطر اللاحق يوضح السابق ولكنّه يستخدم المعنى المعاكس.
هنا إذن يطلب المرنّمُ رحمةَ الله كعظيم رحمته، ثمّ يسهب ويتابع: وكمثل رأفاتك امحُ مآثمي. "فالله رحوم ورأوف وطويل الأناة، ليس إلى الدهر يسخط ولا إلى الأبد يحقد". تسمح رأفةُ الله لداوود بالتغنّي أكثر برحمته، فكما أنّ الله عظيم الرحمة هو كثير الرأفات.
هنا يستخدم داوود كلمة مآثمي. كلمات مثل: خطيئة وإثم وذنب، يتبدّل استخدامُها بالكتاب بشكل عفويّ. بشكل عامّ خطيئة هي كلّ خطأ،كان بمعرفة أو غير معرفة، طوعاً أو كرهاً. أمّا مسؤوليّة خطيئة عن أخرى فتختلف. فالإثم فهو ما يتمّ من الخطايا بمعرفة. الإثم هو التعدّي، أي أن يكسر الإنسان الوصايا التي يعرفها. وداوود هنا أَثِمَ مرّتَين إلى الله وناموسه؛ وهو يعترف هنا بإثمه وليس فقط يشكو خطأه، إنّه يقرّ بكامل ذنبه ومسؤوليّته "ولا يتعلّل بعلل الخطايا".
(2) اغسلْني كثيراً من إثمي، ومن خطيئتي طهِّرْني
لا أطلب أن تمحو فقط مآثمي من سفر حكمك الأخير والرهيب، لستُ أرجو صفحاً عن ذنب اقترفته فقط، وإنّما أطلب أن تخلِّصني من خطيئتي التي كرهتها، امحُها ليس من سجلاّتك لكن من قلبي، انزعْها ليس من حسابك لكن من حياتي. لهذا يشرح النبيّ ذلك بصورة أوضح ويقول: "ومن خطيئتي طهِّرْني"، طهِّرْني من قروحي التي تؤلمني. هذه هي التوبة، كما يقول القدّيس اسحق السريانيّ، هي أن نكره خطيئتنا. جاء المسيح لينزع الشرَّ من جذوره، وليس ليمحو مجرّد سهوات. لنتطهَّر لأنّ أنقياء القلوب فقط سوف يعاينون الله. وكلمة "طهِّرْني" أقوى من "اغسلْني". أي اغسلْني حتّى أطهُر. لا تُبْقِ فيَّ ولا أثر لحبّ خطاياي.
(3) لأنّي أنا عارف بإثمي، وخطيئتي أمامي في كلّ حين
كان داوود ملكاً، ورغم كثرة المشاغل ورفعة المجد وزهوة المركز وعنفوان السلطة، فإنّ كلّ ذلك لم يجعلْه يسهو وينسى خطيئته. "إنّي عارف بإثمي"، أَيوجد اعتراف أعظم من هذا؟
ولستُ فقط أقرّ وأعترف بأني أثمتُ فعلاً، بل إنّني أتذكّر خطيئتي على الدوام، ليل نهار أتذكّر جسامة خطيئتي. هذه هي "التوبة الدائمة". إنّ المسيحيّ ينسى أتعابه من أجل المسيح ويتذكّر خطاياه. عندما يقول بولس: "أنسى ما خلفي وأمتدّ إلى ما هو أمامي" لم يقصد أنّه ينسى خطاياه، وبالأخصّ اضطهاده السابق للمسيحيّين، وإنّما أنّه ينسى أتعابه فهو بقي دائماً يسمّي ذاته "سقطاً" وآخِرَ الرسل وليس أهلاً ليُدعى رسولاً "لأنّي اضطهدتُ كنيسة المسيح، هذه كلُّها يتذكّرها دائماً، وهي أمامه في كلّ حين، لكنّه ينسى "ميتاته": أنّه جُلد من اليهود خمس مرّات، أنّه ضُرب بالعصي، أنّه رُجم وانكسرت به السفينة ثلاث مرّات. ينسى اتعاب أسفاره والأخطار التي أحدقت به واللصوص، ينسى التعب والكدّ والأسهار والجوع والعطش والأصوام والبرد والعري وعدا ذلك أيضاً تعب الاهتمام بالكنائس واحتراقه عندما كان يسقط البعض أو يضعف آخرون، ينسى ما مضى، ولو أنّه بات – كما يقول لأهل فيلبّي- يشتهي أن ينتقل إلى المسيح، ويمتدّ إلى الأمام وكأنّه لم يتعبْ بعد من أجل المسيح. في رسالته هذه إلى أهل فيلبّي يبدأ بولس الرسول بتذكير أحبّائه بقيوده وبحسد الآخرين الذين زادوا على وثقه ضيقاً، لكنّه هو يفرح بالربّ وبالأتعاب التي تمّت من أجله، هذه الأتعاب هي فرحه وكنزه وينسى ما وراء ذلك ويمتدّ إلى الأمام لأنّه "يسعى" ولن توقفه قيود ولا عذابات. "كونوا متمثّلين بي" يتابع بولس الرسول
هذا ما يعلّمه القدّيس سلوان الآثوسيّ: "اجعلْ ذهنَك في الجحيم ولا تيأس". خطيئتي أمامي في كلّ حين ولكن لا أيأس وإنّما أُسرِع في السعي. تذكُّر الخطايا لا يعني استسلاماً لها أو يأساً بسببها، ولكن يقظةً دائمة وتواضعاً أمام الله مستمرّاً. وهذا هو معيار التوبة الدائمة ومقياسها. إنّ الله على لسان نبيِّه أشعياء يوضح لنا أن الاعتراف بالخطيئة هو سبب غفرانها "أنا الماحي ذنوبك... وخطاياك لا أذكرها، ذكِّرْني (بخطاياك) فتتحاكم. حدّثْ أنتَ لكي أبرّرَك أنا"[8]
(4) إليك وحدك أخطأتُ والشرَّ قدامك صنعتُ
هكذا وبّخ النبيّ ناثان داوود: لماذا فعلتَ الشرّ في عينَي الربّ وأفسدتَ كلماته[9]؟ خطيئة الإنسان تجاه قريبه هي نحو الله أيضاً وأوّلاً، فهي قبل كلّ شيء تعدٍّ على وصيّة الربّ: أحببْ قريبك كنفسك.
وحّد المسيحُ ذاته دائماً مع الفقراء والضعفاء: "ما فعلتموه بأحد هؤلاء الصغار فبي قد فعلتموه". إنّ مَن يسيء إلى الابن بالفعل يخطئ إلى أبيه. لقد أخطأتُ بالفعل إلى الناس، يقول النبيّ داوود، إلى أوريّا وإلى امرأته، لكنّهم عبيدي! أمّا إليك فقد أخطأتُ قبل الجميع. الخطأ مع القريب هو تحدٍّ لك يا ربّ وتعدٍّ لوصيّتك وإساءة إليك قبل الجميع.
أخفيتُ الشرّ عن عيون الناس واقترفتُ الإثم بالسرّ مستخدماً مختلف الحبائل، لكنّه كلّه كان أمام عينيك اللتَين ترقبان كلّ شيء وتفحصان الكلى والقلوب. أمام وجهك أخطأتُ إليك ولم أستحِ.
يسمّي داوود النبيّ شروره وخطاياه بالمفرد "شرّاً" وذلك لأنّ الخطيئة الأولى تجلب الثانية وهكذا. عندما يميل الإنسان إلى "الشرّ"، ويبدأ بتجاوز الوصايا الإلهيّة فإنّ الشرّ يلد مضاعفاته، يكفي فقط أن نترك له الزمن الكافي. كلّ ما هو مخالف للوصيّة الإلهيّة ولا يخدمها هو "شرّ". ومَن تَعَدَّى إحدى الوصايا صار متعدّياً لها كلّها.
§ لكيما تصدق في أقوالك وتتغلّب في محاكمتك
تشرح هذه الكلماتِ كلماتُ المزمور (142): "لا تدخلْ في المحاكمة مع عبدك، فإنّه لن يتزكّى أمامك أيّ حيّ". لقد غلب اللهُ داوودَ بالمحبّة. أقام اللهُ داوودَ ملكاً عندما كان الأخير راعياً، وأعطاه وعوداً لا يستحقّها إنسان، ومجّده بأمجاد لا يحلم بها آخر. أمّا أنا، يقول النبيّ داوود، فلقد أظهرتُ عدم عرفاني للجميل. أنتَ صدقتَ بوعودك، أمّا أنا فقابلتُك بما لا يليق، لذا سوف تتغلّب في محاكمتك. في المحاكمة سوف تتبرّر أنت وسوف أُدان أنا. وأيّة مداينة تكون مداينتي أنا المضبوط بالخطايا! عندما ستحاكمني سأكون مستحقّاً عدلك. فأنا علّةُ محاكمتي وسببُها، أمّا أنت فمبرَّر وعادل بكلّ ما تصنع بنا.
(5) ها أنذا بالآثام حبل بي، وبالخطايا ولدتني أمّي
هنا يغوص داوود النبيّ إلى أعماق ذاته ويرى مقدارَ عتمة الأهواء الداخليّة وصعوبة المحيط الخارجيّ. فبعد أن "يعترف" بخطيئته ينظر إلى ذاته المجبولة بالشهوات وإلى عالمه الممزوج بالشرور. يتكلّم عن هذه الحالة "اللاطبيعيّة" السائدة اليوم. الحياة الطبيعيّة للإنسان هي تلك التي كانت بالفردوس. والحياة اللاطبيعيّة أو ما دون الطبيعيّة هي التي نحياها على أرضنا، هذه تتّصف بالآلام والموت والتعب وغدا عالمُها ملآناً شروراً. هذه لم تكن من قبل لكنّها دخيلة على حياة البشر. إنّها حالة ما بعد الخطيئة، لا بل يمكن تسميتها حالة الخطيئة لأنّها جاءت من الخطيئة ونتجت عنها. حتّى الولادة بالمخاض والآلام، كما هي الآن هي من حالة الخطيئة. يولد الإنسان من مولده في "عالم الخطيئة". "بالخطايا ولدتني أمّي". هنا يتكلّم داوود عن حياته كلّها الميّالة إلى الخطيئة والمحاطة بعالم يجرّ إليها. فداوود لا يستغرب كثيراً أنّه سقط ويعترف بأنّه خاطئ في دنيا خاطئة!
هنا لا يقصد النبيّ أنّ الحبلَ والزواجَ هما إثم وخطيئة، فإنّ الزواج مبارك؛ لكن يتكلّم عن اختلاط العالم بعناصر ما بعد الخطيئة. وكما يقول فمّ الذهب: "إنّ ما نتعلّمه من هنا ليس أنّ الجسد هو سبب الخطيئة أو أنّ الطبيعة هي دافع حتميّ إليها (وإلاّ لكنّا لا نستحقّ عقوبات)، وإنّما أنّ طبيعتنا والمحيط قابلان وميّالان للخطيئة بعد السقوط، وذلك بسبب أهوائنا وفساد العالم، لكنّنا نغلبها بحكمتنا وبأتعابنا، عندما تتّحد الحكمة مع الجدّ والتعب".
(6) لأنّك قد أحببتَ الحقّ، وأوضحتَ لي غوامض حكمتك ومستوراتها
هنا تظهر بالفعل توبة داوود الحقيقيّة: إنّي أعترف بكلّ ذلك وبخطيئتي وأجعلها أمامي كلّ حين، لأنّك تحبّ الحقّ ولا يفيد أمامك لفّ أو دوران أو إنكار، ولا يرضيك تبرير كاذبٌ للذات. أنا خاطئ وقد أخطأتُ. ولا يمكنني عندما آتي لمصالحتك أن أغيظك أيضاً بغشٍ وتبرير. أنا أذنبتُ، نعم، فارحمْني وسأقول الحقّ لأنّك هكذا تحبّ. وعلاوة على ذلك، فإني أعيّر ذاتي أيضاً وأوبّخها، لأنّني فعلتُ الشرّ عن معرفة وليس سهواً. فأنتَ سبق لك وكشفتَ للجميع ولي بالأخصّ خفايا حكمتك ومكنوناتها. لم أقترفْ خطيئتي جهلاً كمَن لا يعرف الناموس، بل عمداً وبمعرفة فأنا أعرف مبادئ الناموس وحتّى أيضاً أسراره وخفاياه، ورغم كلّ ذلك فقد أخطأتُ.
(7) تنضحني بالزوفى فأطهر، تغسلني فأبيضُّ أكثر من الثلج
بعد كلّ ذلك الاعتراف بالخطيئة ومعاينة العتمة الداخليّة والوسخ والبشاعة النّاتجة عن أعمال الظلمة ينظر داوود بثقة ورجاء إلى يدَيّ الربّ اللتَين سوف تغسلانه، لا بدّ، من إثمه.
"الزوفى" ترجمة لكلمة (υσσόπο) وهو نبات ذو قوّة تطهيريّة عاليّة ينظّف جدّاً. لذا يقول داوود، رغم كلّ ما وصلتُ إليه، لا بدّ أنّك سوف تطهّرني كما لو بالزوفى وسوف تعيدني أبيضَ كالثلج. كثيرٌ من الآباء مثل كيرلّلس الاسكندريّ وثيوذوريتوس وأثناسيوس الكبير، يرون بذلك نبوءة عن سرّ المعمودية المقدّس. والقدّيس إسيخيوس يراه رمزاً لعمل الروح القدس (الزوفى والتطهير).
(8) تُسمعني بهجة وسروراً، فتجذل عظامي الذليلة
إنّك يا ربّ ستسامحني، وسوف أتأكّد من ذلك عندما- حتماً- سوف تسكب في نفسي عوض هذه العَبَرات بهجةً وسروراً. أنت ستحوّل الحزن المنسكب فيَّ إلى بهجة وغبطة من عندك.
خطيئتي أتعبتْني، وحتّى عظامي صارتْ ذليلةً واتّضعتْ وكلّتْ تحت ثقل إثمي. فرِّحْني، أَعِد البهجة ليس فقط إلى نفسي المتألمّة لكن إلى عظامي المتوجّعة أيضاً، اغرسْ فرح غفرانك. وبلسِمْ بمرهم محبّتك وصفحك جراحَ نفسي ليجذل أيضاً لحمي وعظمي. بالطبع إنّ انتقال الأحاسيس النفسيّة إلى الجسد هو أمر طبيعيّ، لأنّه يدلّ على عمق تلك الأحاسيس.
بعض الآباء يرون بهذه الكلمات نبوءة أيضاً عن المسيح. وكأنّ داوود يطلب من الله أن ينقذ الإنسان ليس فقط من الذنوب المقترفة بحقّ الناموس، وإنّما أن يشفي حتّى العظم واللحم، وهذا ما تمّ بجسد المسيح القائم كبداية لقيامتنا. وكأنّ "تجذل عظامي" هي نبوءة عن قيامة الجسد التي ستحصل لأوّل مرّة مع المسيح. من هؤلاء الآباء الذهبيّ الفمّ وكيرلّلس الاسكندريّ.
.
المصدر :كتاب مصاعد القلب
سوف ادرج القسم الثاني بموضوع آخر
صلواتكم