ما المنفعة لك ايها الانسان لو ملكت العالم باسره نظير اسكندر المكدوني وحويت حكمة وفهما اكثر من سليمان وقوة وشجاعة اكثر من شمشون وايراكليس وكنت اغنى من كريسوس وبريامس واجمل من نركيسيوس وبالاجمال لو فقت سائر الناس في جميع المزايا الجسدية ثم سلمت نفسك الشقية الى العذاب. هل تستفيد شيئا من هذه الامتيازات في الآخره.
كلا بل عريان شقيّا تعود الى الارض كما انك عريان خرجت منها ويعتريك التحيّر اذ يستبين لك ما كنت متمتّعا به من الغنى واللذات مناما رأيت فيه انك كنت موجودا في مكان ومتمتّعا بخيرات كثيرة ثم استيقظت من منامك فاشعرت بانك محروم كل ذلك. نعم طالما انت موجود في ليل هذه الحيوة المقتمة تتوهم انك بالحقيقة حاصل على هذه السعادة الشقية والعذوبة المرة وما ذلك الا اضغاث احلام فانّك اذا متّ موتا حسيّا واستنارت عيناك عقليّا حينئذ تعرف الحق وتندب بلا فائدة تشبثّك بهذه الحيوة الوقتية الزائلة وابتعادك عن الغبطة الابدية. فاذا ان كنت لا تربح شيئا من هذه الدنيا فلم تتعب باطلا وتشقى سدى. اسع مجتهدا في خلاص النفس الذي هو اعظم فائدة من ربح العالم بأسره كما قال الرب " ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم بأسره وخسر نفسه". واعتن بان تخضع الادنى الى الافضل اي ان تعبّد الجسد لمشيئة النفس.
هذا وبما ان كثيرين يرومون التمتع بتلك الخيرات السماوية الا انهم لتوانيهم يخشون من السلوك في الطريق الكربة المؤدية الى اليوة وليس لهم من يقودهم اليها وبما انه يتعذّر لطالب فن او علم التوصل الى مرغوبه بدون معلم وأساذ فقد استعنت الله انا الخاطي غير المستحق دعوة المتوحدين في جمع هذا الكتاب من اقوال معلمينا فجاء كتابا صغير الحجم عظيم الافادة به ينظر الخاطي ثقل الخطيئة مع وفور الخيرات التي يفقدها بسببها ويشعر بعظم الخسارة الملّمة به فيستدل على الطريقة التي بها يبلغ الشفاء والنجاة من موت النفس وقد سمّيته" كتاب خلاص الخطاة" وذلك بصواب لاني واثق بالله الرأوف ان كثيرين يستهدون به الى الخلاص بالتوبة اذ قد جمعت فيه اقوالا عذبة اقتطفتها من جنائن الكتاب الالهي كالنحلة التي تجتني من الازهار عسلا تتحلى به قلوب المتناولين منه وقسمته الى ثلاثة اجزاء الجزء الاول يشتمل على شرح انواع الخطايا وعلى الكلام في فائدة المحن والاحزان وفي التعزيات المختلفة التي تتأتّى عن الصبر وقت الشدائد وقد ادرجنا فيه ست مقالات في احتقار هذا العالم وكل التمتعات الوقتية كالغنى والجاه واللذات الجسدية والجزء الثاني يتضمن الكلام في الاعتراف وفي مناولة الاسرار الالهية وفيه ادرجنا خمس مقالات مفيدة جدّا (1) في الموت (2) في الدينونة (3) في نعيم الفردوس (4) في العذاب الابدي (5) في التوبة الخالصة والجزء الثالث يشتمل على شرح بعض عجائب لسيدتنا والدة الاله اجترحتها لمعونتنا نحن المسحيين وما القصد مما جمعناه الا فائدة المسيحيين وتحريضهم الى التوبة والخشوع لان من يتلو هذا الكتاب ولا سيما الفصل 21 من الجزء الثاني منه لا بدّ من ان يندم على خطاياه ويتوب عنها لان الخاطي اذا عرف الخسائر التي يتكبدها بسبب الخطيئة فلا شك انه يبتعد عنها ومن عرف فائدة الاحزان في سبيل الرب يبتدر الشكر له والصفح لمن احزنه ومن عرف تقلبات الدنيا وخداعها واكاذيبها يحتقر العالم ويقلع عن محبة اللذّات ومن عرف عظم الفائدة التي تخوّلها مناولة الاسرار الالهية يبتدر الى التوبة والاعتراف ليستمد الصفح والنعمة ومن سمع بعذاب الاشقياء وسعادة الاتقياء يودّان يرضي الله خوفا من العذاب واملا بالثواب ومن يتلو عجائب سيدتنا الكلية القداسة ويقف على ما اظهرته من اعمال التحنن والرحمة نحو الخطاة فلا بد ان يتخشع فرحا ويدرف دموع التعزية والسرور. فداوموا على مطالعة هذا الكتاب ايها الشباب والشيوخ لانكم فيه تجدون ما هو اهمّ وضروري لخلاص نفسكم فمنه تجتنون غنى لا يسلب وشرفا فائقا ونعمة حقيقية تمنح السيادة على الخليقة والانتصار على المحال والمساهمة للملائكة وفيه تجدون حكمة روحية ادبية تحاكي حكمة سليمان . هذا واني اتوسل اليكم ايها القرّاء الكرام لن تطلبوا لي منه تعالى مغفرة خطاياي وان يوازرني بنعمته لاتمم واجباتي لاني لا اعرف لي حتى الان عملا يرضيه تعالى واني لأرهب من كوني اعلم في هذا الكتاب ما لم اعمله الا اني من جهة اخرى اذكر دينونة ذلك العبد البطال الذي دفن وزنة سيده في الارض فسمع من الرب الحاكم العادل " القوا العبد الشرير والكسلان في الظلمة القصوى" فخوفا من هذا الحكم العادل كتبت هنا ما لم اعمله طالبا منه تعالى الرحمة والمغفرة. ثم وان وجد في كتابي هذا شيء مخالف تعليم الكنيسة الشرقية الارثوذكسية فارفضه علنا لاني بالحقيقة استعرت عبارات فيه من مؤلفات ايطالية رومانية واطلب اصلاحه بروح المحبة المسيحية وعلى كلّ أومن واعترف بما كرز به الانبياء وعلّم به الرسل معاينوا الكلمة وتسلمناه من الاباء والمعلمين الالهيين واسجد للاب والابن والروح القدس ثالوث متوحد بلا انقسام واله واحد مثلّث الاقانيم جوهر واحد وقوة واحدة واله واحد قبل الدهور ومبدع الكائنات الذي له ينبغي كل مجد واكرام وسجود الى ابد الدهور آمين.