*في نسيان المعروف*
ان الاسرائليين قد ارتكبوا خطايا كثيرة متنوعة اغاظوا الله بها الا انه عز وجل اظهر غيظة بنوع خصوصي ضد خطيئة عدم الشكر او نسيان الاحسان فانه استدعى السماوات والارض بمنزلة شهود على نكران الشعب الاسرائيلي لاحساناته العظيمة. فقال بواسطة اشعياء النبي (ص1 ع1) " اسمعي ايتها السماوات واضغي ايتها الارض لان الرب يتكلم ربيت بنين نشأتهم اما هم فعصوا علي. الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه اما اسرائيل فلا يعرف . شعبي لا يفهم". فتأمل الى اية حال يجذب الانسان انكار الجميل. الحيوان يعرف المحسن اليه والانسان ينسى احسانات مولاه الوحوش تبدي احساسات بشرية والناس بانكارها الجميل تتصف بصفات وحشية. الانسان لعدم شكره للمحسن اليه يظهر اقل انسا من الوحوش والحق يقال ان عدم الشكر او حجد المعروف هو شر فظيع تشمئز منه الناس بوجه العموم فضلا عن المسيحيين.
ان السيد المسيح كان يتحنن على الخطاة ولا يستنكف من اللصوص والزناة والعشارين لاجل ارشادهم وخلاصهم الا انه مع كل وداعة قلبه وحلمه اغتاظ على ناكري الاحسان لانه لما اشفى العشرة برص ولم ترجع التسعة منهم لتؤدي شكرا للمحسن اليهم قال" أليس العشرة قد طهروا فأين التسعة. ألم يوجد من يرجع ليعطي مجدا لله غير هذا الغريب الجنس" ( لوقاص17 ع17 و 18 ). فابان السيد بهذا القول انه يطالب غير الشاكرين وبالحقيقة ان لانكار الجميل تاثير قويا على النفس ولهذا يتعجب متقوا الله من عدم شكر اليهود الذين بعد خروجهم من مصر بقوة الله الشديدة وساعده الرفيع اخذوا يسجدون للعجل في الوقت عينه الذي فيه أعطي الناموس لموسى على جبل سينا والذين بعد معاينتهم احسانات السيد المسيح وعجائبه الباهرة اسلموه الى الالام في اليوم الذي اصطنع فيه العشاء السري تقديسا للنفوس. فيا لعدم شكرهم ويا لخمول عقلهم. لكن فلنترك ما صار قديما بنوع عجيب ولنأت الى ما تراه عيانا حاصلا بنا فاي لسان يستطيع ان يصف الاحسانات التي منحناها الرب الاله من جوده وصلاحه ومن ذا لا يعجز عن تأدية الشكر المتوجب على البشر عن هذه الاحسانات .فيا ايها الرب السيد انت خلقتني وصورتني وبصورتك ومثالك زينتني وانعمت علي بكل ما يلزم لحفظي وصيانتي فبقوتك توازرني وبحكمتك تدبرني وبعنايتك ترشدني. البرايا بامرك تخضع لي وتخدمني ومن خيراتك تغذيني. السموات تسترني والملائكة تحرسني ورحمتك تتنازل لضعفي وتغفر اثامي ومن ذا يهبني الحيوة سواك يا ينبوع الحيوة ومبدع الكائنات ورازق الصالحات. فكم من الديون عليك ايها الانسان لجلاله تعالى.هذا وفضلا عن الاحسانات الطبيعية قد جاد علينا الرحمن بمواهب نعمته التي تفوق الادراك. فبماذا نكافي الرب يسوع عن ذلك الدم الزكي الذي سال من جنبه الكريم وعن نعمة التبني بالمعمودية وسائر النعم الكريمة. فلنترك الكلام عن احسانات كثيرة له ولنكتف بذكر سر فدائنا وخلاصنا. ورد في سفر ايوب ما يلي: ان اخطأت لله فماذا فعلت به وان كثرت معاصيك فماذا عملت له ان كنت بارا فماذا اعطيته وماذا ياخذه من يدك. لرجل مثلك شرك ولابن ادم برك ( ايوب ص35 ع6-8). ان الهنا غني حكيم قدير لا يزيد ولا ينقص في كمالاته بل كما كان قبل ان يخلق العالم هو هو ذاته بعد ان خلق العالم لا يعتريه تغيير ولا ظل تحويل ان خلص العالم فمجده لا يزيد وان هلكوا جميعا فمجده لا ينقص وهذا السيد الذي هو ملك الملوك لا عن اضطرار ولا لحاجة ما بل من تلقاء محبته التي لا توصف ولا تحد طأطأ السموات وانحدر الى الارض ولبس طبيعتنا المائتة ليحمل اثقالنا ويرحضنا من خطايانا وقد اقتبل الالام والصلب والموت من اجلنا. فيا لحنوك وحودك الذي لا يوصف ايها السيد فلتسبح لك السموات ولتذع الملائكة باعاجيبك لاننا نحن لا نستطيع ان نقوم بالشكر المتوجب علينا لك بل بالصمت والانذهال نتعجب من سمو تدبيرك. من اجلي انا العبد البطال ولد ذاك الذي يحتجز ادراكه وتصرف مع الناس على الارض محتملا كل تعب ومشقة. نعم انك من اجلي صمت وصليت وجعت وعطشت وتعبت وعرقت وحزنت وبكيت ولاجلي احتملت الشتم والهزء واللطم والجلد والصلب والموت أفيمكنني ان اقوم بالشكر المتوجب علي وان اكافيك ليس عن كل احساناتك بل عن قطرة واحدة من دمك الطاهر الذي سفكته لاجلي. فكيف يسوغ لي ان لا احب من احبني وافتداني وخلصني وهل يمكنني ان اصمت عن ذلك الاحسان العظيم الذي يذكرني دائما بموته الخلاصي ذلك السر العظيم الذي يتحدني مع سيدي سر القربان المقدس الذي نشترك به نحن الغير مستحقين والذي به شاء الرب ان يتحدنا معه لتقديسنا وخلاصنا. قال السيد " اذا ارتفعت انا اجذب الكل الي" ( يحنا ص 12 ع 32) فاحساناته الكثيرة ومواهبه الغزيرة هي بالحقيقة تلك السلسلة التي بها يرفعنا نحن الخطاة الى صلاحه فكيف لا نشعر نحن بوفور هذه النعم ولا نفهم اننا بتوغلنا في الخطايا والاباطيل نظهر عديمي الشكر نحوه.
ان قطرات من الماء تؤثر في الصخرة بتواتر وقوعها عليها والحجر والحديد تلينهما النار واما قلبنا فاقسى من الحجر والحديد فلا تؤثر فيه مجاري وانهار الاحسانات الالهية ولا يضطرم من لهيب المحبة الالهية وما ذلك الا لعدم شكرنا. ان يوسف العفيف لما حركته امرأة سيده فوطيفار على ارتكاب الفحشاء اجابها قائلا هوذا سيدي... كل ماله قد دفعه الى يدي ليس هو في هذا اعظم مني ولم يمسك عني شيئا غيرك لانك امراته فكيف اصنع هذا الشر العظيم واخطئ الى الله ( تكوين ص 39 ع 7-9) هكذا يتكلم وهكذا يتصرف الشكور المقر بالاحسان لان ارادته وقواه تمسك عن عمل كل ما من شأنه اهانة او عدم رضى المحسن. لكن الله انعم علينا باكثر مما انعم فوطيفار على يوسف. لان فوطيفار وكل يوسف على بيته وسلمه غناه واما الله فاعطانا الخلائق باسرها لخدمتنا بل منحنا ذاته كاب ومدبر وفاد ومنقذ ومعين في كل شيئ فان كنا مربوطين بهذه الاحسانات والنعم فكيف نجسر ان نسخط المحسن الينا الرأوف. لو وهبك احد شيئا ثمينا كقرية او سفينة او شيئ آخر ونشلك من حال الضيق الى السعة والفرج أفلا تحسب ذاتك مديونا لهذا المحسن أولا تستعد ان تجاهد عنه حتى الموت. نعم وقد عاينا كثيرين بهذه الصفة فكيف لا تفعل انت هكذا بالنظر الى اعظم المحسنين اليك ولا تخشى من ارتكاب المعاصي والزلات امامه.
قد توجد روايات كثيرة يستفاد منها الوحوش الضارية ايضا والحيوانات تذكر الاحسان فروي ان اسدا خدم البار جراسيمس ناسك الاردن بعد ان اشفى القديس جراحه ولبث في خدمته حتى اللمات وان أسدا لمثل هذه الاسباب لم تضر ببعض المجرمين الذين طرحوا فريسة لهم وقد روي عن القديس امبروسيوس اسقف مديولانن ان كلبا دل على قاتل صاحبه بهجومه على ذلك القاتل ليفترسه. فاذا كانت هذه المزايا الحسنة تظهر في الحيوانات غير الناطقة فكم بالحري يجب علينا نحن البشر المغمورين بمراحم خالقنا ان نؤدي له تعالى الشكر لا بالكلام واللسان فقط بل بالسيرة والاعمال ايضا اي الابتعاد عن المنكرات وبعمل الصالحات فضلا عن الاصوام والصلوات. الخيرات التي نتمتع بها كالعافية والقوة والجمال والغنى والمجد والكرامة كلها عمل عناية الله بنا فبماذا نكافي الرب عن كل ما اعطانا. على القليل يجب علينا ان نرفض اليد المنبسطة لكي تنشلنا من حماة الخطيئة ونطيع امر الطبيب الصالح الذي يريد ان يشفينا من اسقامنا وامراضنا.
يجب علينا ان نشكر للمعتني بخلاصنا. فلنعترفن للرب باحساناته ولنقل مع داود النبي اولا ثم مع يوحنا الدمشقي بماذا نكافي الرب عن احساناته الغزيرة. الاله صار انسانا لاجلنا الفادي تصرف معنا نحن الاسراء. المحسن جاء الى ناكري الاحسان. شمس العدل اقبل الى المظلمين الغير المتألم ارتفع على الصليب. النور اشرق في الجحيم. الحيوة اقتبلت الموت والقيامة بلغت الساقطين . نشكرك اللهم على ما احسنت الينا كخالق وفاد ومرشد ونطلب من جودك ان لا تعدمنا ملكوتك لنحمدك سرمدا ونعبدك ابا وابنا وروح قدس ثالوثا متساوي الجوهر وغير منقسم مسبحين مع الملائكة والقديسين عزتك وجلالك على مدى الدهور آمين.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات