إمكانية معرفة الله ورؤيته الأب الدكتور جورج عطيـــة
رأينا أن إعلان الله الشخصي عن ذاته قد تمّ عبر ظهورات إلهية بطرق مختلفة أمام البطاركة والأنبياء في العهد القديم وبصورة خاصة بواسطة ابنه المتجسد في العهد الجديد ( عبر1: 1-2 ).
فهل يمكن لله أن يُظهِر طبيعته الإلهية للبشر أو للملائكة ؟ وهل يمكن لهؤلاء أن يروه وأن يعرفوه وأن يصنعوا شركة معه ؟
التضاد في تعابير الكتاب المقدس عن رؤيا الله والشركة معه
على التساؤلات المتعلقة بهذا الموضوع يجيب الكتاب المقدس بعبارات متضادة ، فمن جهة يؤكد :- ' وقال لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش ' ( خر33: 20 )
على التساؤلات المتعلقة بهذا الموضوع يجيب الكتاب المقدس بعبارات متضادة ، فمن جهة يؤكد :
- ' ويكون متى أجتاز مجدي أني أضعك في نقرة من الصخرة واسترك بيدي حتى أجتاز، ثم أرفع يدي فتنظر ورائي وأما وجهي فلا يُرى ' ( خر 33: 22 )
- فقال اخرج وقف على الجبل أمام الرب ، وإذا بالرب عابر وريح عظيمة وشديدة قد شقّت الجبال وكسرت الصخور أمام الرب ولم يكن الرب في الريح، وبعد الريح زلزلة وبعد الزلزلة نار ولم يكن الرب في النار، وبعد النار صوت منخفض خفيف ' ( ملو19: 11-12 )
- ' الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر ' ( يو1: 18 و 1يو4: 12 )
- ' وليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يُعلن له ' ( مت11: 27 و يو 6: 46 ، 10: 15 )
- ' الذي وحده له عدم الموت ساكناً في نور لا يُدنى منه الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه ' ( 1تيمو6: 16 )
بينما من جهة أخرى يظهر بوضوح :- ' فدعا يعقوب اسم المكان فنئيل قائلاً لأني نظرت الله وجهاً لوجه ونجّيت نفسي ' ( تك 32: 30 )
- ' ويكلم الرب موسى وجهاً لوجه كما يكلم الرب صاحبه ' ( خر33: 11 )
- ' فماً لفم وعياناً اتكلم معه وشبه ( مجد ) الرب يعاين ' ( عد 12: 7-8 )
- ' أما أنا فبالبر أظهر أمام وجهك وأشبع عندما يتجلى لي مجدك ' ( مز 17: 15(
- ' طوبى لأنقياء القلب لأنهم سيعاينون الله ' ( مت 5: 8 (
- ' والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً ' ( يو1: 14 (
- ' وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور ' ( مت 17: 2 (
- ' ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح ' ( 2 كور3: 18 (
- ' الله قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة لكي نصير بها شركاء الطبيعة الإلهية ' ( 2 بط1: 4 (
- ' وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ' ( يو17: 3( إذاً من وجهة نظر معينة الله هو غير قابل لأن يُرى أو يُقترب إليه أو يصنع أي شركة معه بينما من وجهة نظر اخرى هو قابل للمعرفة وللمشاركة وللرؤية وللوصول إليه.
هذا التضاد يظهر أيضاً عند الآباء القديسين. فالقديس مكاريوس المصري مثلاً يقارن ما بين الله والطبيعة الإنسانية فيقول ' هو الله بينما هي ليست الله، هو السيد وهي الأَمة، هو الخالق وهي الخليقة، وليس هناك أي شيء مشترك بين طبيعته وبينها ' ، وهو نفسه يتكلم في موضوع آخر من كتاباته عن تحول النفس إلى طبيعة إلهية ( أي تأله النفس بالنعمة ).
نعطي كمثال آخر القديس غريغوريوس اللاهوتي الذي، من جهة، يرفض إمكانية معرفة جوهر الله وحتى بالنسبة للملائكة. ولكن من جهة اخرى، يصرّح بان ملكوت الله هو رؤية الثالوث الأقدس، وبأن الوحدة مع الله تتجاوز كل معرفة.
من أمثلة التضاد الواضح عند الآباء أنهم تارة يسمون الله بجملة من الأسماء ويقولون عنه الكثير الأسماء Πολυωνυμος وتارة أخرى يصرحون أنه لا يصح أن يطلق على الله أي اسم ولذلك يقولون عنه الذي ليس له اسم Ανωνυμος .
والحقيقة أنه يوجد تضاد في التعبير ولكن ليس من تناقض البتة كما سنرى. نكتفي الآن بالإشارة إلى أن هذه الأسماء الإلهية التي يتكلم عنها الآباء، إنما تحاول أن تصف ما يصدر عن الله، بينما هو في جوهره غير قابل أن يسمى . هكذا نقول عن الله أنه الوجود والحياة والصلاح إلخ ... لأن هذه جميعاً تنشأ عنه. لكننا نعلن بطريقة أخرى أنه ليس الحياة ولا الصلاح ولا الوجود إلخ ... لا بمعنى أن هذه ليست عنده، بل لأنه متجاوز كل هذه.

الموقف الغربي من قضية معرفة الله ورؤيته
>>>> يتبع