الموقف الغربي من قضية معرفة الله ورؤيته
إن موقف الكنيسة الغربية الكاثوليكية عامةً ، والذي ورثته عن اللاهوتيين المدرسيين ( السكولاستيك ) ، هو التشديد على إمكانية معرفة اكيدة بواسطة المخلوقات عى نور العقل البشري الطبيعي. وهذه المعرفة ليست معرفة بالمعنى الخاص، أي ليست بواسطة صورة الله الخاصة أو رؤيته المباشرة، بل معرفة تشبيهية قياسية analogique . يقصد اللاهوتيون الكاثوليك من هذه المعرفة إطلاقهم على الله ما يستخلصونه من المخلوقات من المدارك والأفكار معتمدين في ذلك على ما يجدونه من شبه بينهما، وعلى ارتباط المخلوقات بالله على انه علّتها الفاعلة والمثالية. وهكذا فعلاقة الشبه هذه هي أساس كل معرفة طبيعة الله.
وبخصوص رؤيا الله نفسه تقول الكنيسة الكاثوليكية مع الآباء عامة في أن الإنسان لا يستطيع أن يعرف أو يرى أو يدرك كيان ' جوهر ' الله في هذه الحياة، لكنها تختلف معهم حول إيمانها بالمعرفة الفائقة الطبيعة لكيان ' جوهر ' الله في الحياة الأخرى. وكمثال على ذلك فقد قال البابا بندكتوس الثاني عشر في مرسومه العقائدي Benedictus Deus لسنة 1336 ' إن نفوس القديسين ترى الذات الإلهية رؤية عيانية وجهاً لوجه دون واسطة من المخلوقات تكون بمثابة موضوع منظور. بل هو الجوهر الإلهي يظهر نفسه لها مباشرة سافراً واضحاً جلياً '. وقد دعم اللاهوتيون البابويون هذا الرأي بآيات من الكتاب المقدس، أهمها:
- ' فإننا ننظر الآن في المرآة في لغز لكن حينئذٍ وجهاً لوجه ' ( 1كور13: 12 ).
- ' نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو ' ( 1يو3: 2 و متى5: 8 )
وكذلك بأقوال من الآباء تتكلم عن رؤية الله واضحة في الحياة الأخرى. ولكن هذه الآيات والأقوال لا نتكلم، في الواقع، عن رؤية جوهر الله ذاته في الحياة الأخرى، بل مجده الطبيعي وجهاً لوجه أي بصورة أفضل تتناسب مع تغيير أوضاعنا في تلك الحياة.
ويتفق البروتستنت مع الكاثوليك بشأن إمكانية معرفة الله عن طريق خليقته، معرفة تشبيهية قياسية، كأن يقولون مثلاً: ' إن معرفتنا بالله تقوم بنزع كل ما يجعل حداً له تعالى من عقولنا، وبنسبة كل فضيلة إليه إلى درجة غير متناهية، وكذلك كل صفة ظاهرة في أعماله. وبما أننا نشابهه لأننا أولاده ننسب إليه صفات طبيعتنا الروحية والعقلية إلى درجة غير محدودة ' . وهم مثلهم لا يعتقدون بإمكان رؤية الله أو معرفته المباشرة في هذه الحياة. وغالباً لا يعيرون هذا الموضوع اهتماماً يذكر اللهمّ إذا استثنينا الدراسات حول موضوع الظهورات الإلهية في الكتاب المقدس والتي يعتبرونها كشفاً إلهياً استثنائياً لا علاقة له بموضوع التأله والقداسة المرفوض من قبلهم. لأنهم يشددون على الخلاص بالإيمان وحده، ويعتبرون أن الإنسان هنا على الأرض لا يمكن أن يصل إلى مرحلة القداسة التامة لأنه يحيا في الجسد الضعيف.
موقف الآباء عامة من قضية معرفة الله ورؤيته
إن أول انطباع تعطيه كتابات الآباء القديسين عن الله هو شعورهم بالرهبة والجهل والذهول. فمثلاً يرفض القديس أفرام السرياني أن يبحث في معرفة الله، ' لأن غير الممكن للطبيعة الاقتراب منه هو مخيف '. ويقول القديس كيرلس الأورشليمي ' إن الاعتراف بالجهل معرفة عظيمة في الأمور التي تتعلق بالله ' . ولعلنا لا نبالغ إن قلنا بأن السمة البارزة التي تميز طرية تعبير معظم الآباء في حديثهم عن الله هي تنزيههم إياه تعالى، عن كل ما يمكن أن يخطر على بال بشر من تصورات أو أفكار أو تشبيهات وهو ما يسمى باللاهوت التنزيهي Αποφατικη Θεολογια . كمثال على هذا التعبير نقدم قولاً للقديس يوحنا الدمشقي يلخص نظرة الآباء الذين سبقوه ' إنه من المستحيل أن يقول الإنسان ما هو الله بحسب الجوهر. لذا فمن المناسب أكثر أن نتكلم عن الله بطريقة تنزهه عن كل ما هو معروف. فالله ليس واحداً من الكائنات ، لا لأنه ليس بكائن، بل لأنه فوق الكائنات، وحتى فوق أن يكون كائن '.
وبصدد العبادات الكتابية والآبائية التي تشكل القسم الأول من التضاد المشار إليه في مطلع هذا الفصل، يتفق الآباء على أن المقصود منها هو عدم إمكانية رؤية الله أو معرفته بحسب جوهره. لأن الجوهر الإلهي هو قطعاً وبصورة مطلقة غير قابل لأن يرى أو يدرك أو يشارك من المخلوقات ، بمن فيهم القديسون والملائكة، سواء في هذه الحياة أو في الحياة الأخرى :- ' واضح أن الله يوجد، ولكن ما هو بحسب الجوهر والطبيعة فهذا بالكلية غير مدرك وغير معروف ' ( القديس يوحنا الدمشقي )
- ' أنه لم يجد أحد من الناس قط، ولن يجد أبداً ما هو الله بحسب الطبيعة والجوهر ' ( القديس غريغوريوس النزينزي )
- ' إن المعرفة بالنسبة للأرواح غير المتجسمة هي ما تعنيه كلمة رؤيا ορασις بالنسبة إلينا. ومع ذلك فلا الملائكة ولا رؤساء الملائكة يعرفون جوهر الله. ولا حتى يبحثون أن يعلموا ما هو الله حسب الجوهر كما فعل أفنوميوس، ولكنهم يمجدونه ويسجدون له دون انقطاع ' ( القديس يوحنا الذهبي الفم )
أما القسم الثاني من التضاد والذي تعلنه الآيات التي تتحدث عن إمكانية رؤيا الله ومشاركته، فهي تشير عند الآباء إلى تنازل الله إلى ضعف الذين رأوا، وظهوره لهم بطرق يستطيعون بها قبوله:- ' لو أن إشعياء أو حزقيال أو الأنبياء الآخرون قد رأوا فعلاً جوهر الله ذاته، لما كان رآه كل واحد منهم بطريقة مختلفة. لأن الله يقول لهوشع ' وأنا كثرت الرؤى وبيد الأنبياء مثلت أمثالاً ' ( هو12: 11 ). هذا يعني أنني لم أظهر جوهري بل بواسطة الرؤية تنازلت نحو ضعف الذين رأوا ' ( القديس يوحنا الذهبي الفم ).
- ' إن الله بحسب جوهره غير مدرك، ومع انه يظهر بحسب مسرته ويُرى. إلا اننا لا نراه كلا مُتناهٍ بل بحسب القياس الذي يظهر لنا به. أي أنه يكيّف هذه الرؤيا بحسب إمكانيتنا للفهم ( للقبول ) '( القديس أبيفانيوس القبرصي ).
هذا التنازل الإلهي إلى مستوى ضعفنا يسميه آباء آخرون انحدار لقوى الله إلينا، ولهذا نستطيع أن نعرفه وأن نراه من خلال هذه القوى، بينما يبقى جوهره غير مدرك ولا نقترب إليه:- ' نحن نقول أننا نعرف إلهنا من خلال قواه من جهة، ولكننا نرفض إمكانية الاقتراب إليه بالجوهر من جهة أخرى. لأن قواه ενεργειαι αυτου تنحدر نحونا، أما جوهره فيبقى غير مقترب إليه' ( القديس باسيليوس الكبير ).
- ' يصدق السيد عندما يخبرنا بأن أنقياء القلوب سوف يعاينون الله. كذلك لا يكذب بولس عندما يظهر بكلمته المعروفة أن الله لم يره أحد قط ولا يقدر أن يراه. لأنه بالطبيعة غير مرئي. لكنه يصبح مرئياً بواسطة القوى ταις ενεργειαις التي بها يرى ما حوله ' ( القديس غريغوريوس النصيصي )
- ' الله قابل للمشاركة بحسب قواه الناقلة، لكنه غير قابل للمشاركة ولا بأي شيء من جهة جوهره ' ( القديس مكسيموس المعترف )
هذه القوى بحسب الآباء هي ذاتها ما سماها الكتاب ' وجه الله الذي يُرى ' ( تك32: 30 ، خر11: 33 ). ومجده الذي يُعاين ( عد12: 7، مز17: 15 ، يو1: 14 ، 2كور3: 18 ) ونوره الذي يضيء ( مت17: 2، مر9: 3، لو9: 29 ) وملكوته الذي يأتي ( لو17: 20 ، لو9: 27 ، مت4: 17 ، مر1: 15 ) وحياته الأبدية التي يعطي ( يو3: 15-16 ) والتي هي نفسها معرفة الله ( يو17: 3 ) أو رؤيا الله ( يو6: 40 ) أو مواهب نعم الله ( رو12: 6 و 1كور12: 4- 31 ).
وبالتأكيد فهذه القوى غير مخلوقة لأنها إلهية:- ' إن الإلهي هو فعلاً نار غير مخلوق وبدون بدء وغير مادي،وهو أيضاً غير قابل للوصف ولا للتغير، فهو لا ينطفيء ولا يموت ولا يمكن إدراكه بالكلية لأنه يتجاوز كل المخلوقات' ( القديس سمعان اللاهوتي الحديث )

لكن هذا لا يعني أنها غير قابلة للرؤيا، فقد رآها البطاركة والأنبياء والرسل والقديسون في حياتهم الأرضية بعد وصولهم بمساعدة هذه القوى إلى درجة عالية من الحياة التقية الطاهرة من الأهواء وبالتالي إلى الامتلاء من مواهب الروح القدس أي من هذه القوى لأنه يستحيل معرفة الله أو رؤية قواه الإلهية إلا بمساعدة هذه القوى ' وبنورك نعاين النور ' ، ' لأن الله الذي قال أن يشرق نور من الظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ' ( 2 كور4: 6 ).- ' وهذا النور فصلني عن كل كائن مرئي واعطاني رؤية غير المخلوق ووحدني مع غير المخلوق وغير الفاسد وكل ما هو غير قابل للرؤية بلا حدود ' ( سمعان اللاهوتي الحديث )
موقف الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة بصدد رؤيا الله ومعرفته إذاً كان واضحاً منذ البداية ولا سيما بعد صراع آبائها القديسين في القرن الرابع مع الهرطوقي أفنوميوس وتشديدهم ضده بأن الجوهر الإلهي لا يمكن أن يُرى البتة. أما في الحياة الأخرى فقد كان واضحاً أيضاً أن ما سنراه في تلك الحياة ليس الجوهر الإلهي بل المجد الإلهي أي القوى الإلهية عبر طبيعة المسيح البشرية:- ' في الحياة الأخرى سوف نرى المسيح ملتحفاً بالمجد الإلهي وعندها فرؤيا الله ستصير وجهاً لوجه، لأن الله صار إنساناً ولذا سوف نراه في ( عبر ) طبيعة المسيح البشرية ' ( يوحنا الذهبي الفم )
وهذا المجد الإلهي كما يوضح القديس كيرلس الإسكندري هو المجد الأبدي للمسيح أي هو المجد المشترك له مع الآب والروح القدس .

موقف القديس غريغوريوس بالاماس
>>> يتبع