اليوم سأعرض بعض الاختلافات بين النصين (المسوري والسبعيني) من تلك التي يصنفها العلماء بأنها اختلافات طفيفة لأنها تكون مقتصرة على اختلاف كلمة واحدة, بعكس الاختلاف الذي عُرض في الحلقة رقم 2, وهو من الاختلافات المصنفة بأنها كبيرة, لأنها تغيّر المعنى بشكل كبير.

في (أشعيا 36: 11) المسوري نقرأ:

فقال ألياقيم و شبنة و يواخ لربشاقى: كلِّمْ عبيدَك بالآرامي لأننا نفهمه, و لا تكلمنا باليهودي في مسامع الشعب الذين على السور.

ونقرأ في السبعينية النص نفسه تماماً, مع اختلاف طفيف هو استعمال كلمة "الرجال" بدلاً من كلمة "الشعب".

هذا الاختلاف طفيف جداً, ولا يؤثر على معنى الآية.

لطالما استخدم العلماء مثل هذه الاختلافات (وهي كثيرة جداً) للدلالة على أن السبعينية هي ترجمة رديئة, وغير دقيقة للأصل العبري, ومن غير المأمون الاعتماد عليها.

ولكن عندما اكتشفت مخطوطات البحر الميت, وُجدت نصوص عبرية مختلفة عن النص المسوري!

هذا النص لأشعيا مثلاً, وُجدَ في الكهف رقم واحد في المخطوط الذي حمل اسم (1Q – isa A).

وعندَ دراسة النص, وُجدت الكلمة العبرية (هااناشيم) التي تعني "الرجال" وليس الكلمة (هاام) الموجودة في المسوري والتي تعني "الشعب"!

هذا الاكتشاف, واكتشافات أخرى كثيرة مماثلة, أظهرت أنه حتى ما قد يبدو لنا أنه عبارة عن اختلافات طفيفة في الترجمة, هي بحقيقة الأمر عبارة عن ترجمة دقيقة وأمينة جداً, ولكن ليس للنص المسوري بل للنص العبري الأصيل. (1)

اختلاف آخر

(تكوين 4: 8) المسوري

"و كلّم قايين هابيل أخاه, و حَدَثَ إذ كانا في الحقل أنّ قايين قام على هابيل اخيه و قتلَهُ."


نلاحظ أن القسم الأول من الآية غامض, ماذا كلّم قاين أخاه؟

الجملة مبتورة.

والكلمة في الأصل هي "قال قاين" ولكن المترجمون وضعوا كلمة "كلّمَ" بدلاً من "قال" ليخفّفوا من حدّة البتر في الجملة.

لننظر الآن إلى النص السبعيني (المسيحي) بحسب التريودي:

"وقالَ قاين لهابيل أخيه: فلنعبرنَّ إلى البقعة, فعرضَ أنهما حينما كانا في البقعة, نهضَ قاين على أخيهِ هابيل فقتلهُ."


هنا العبارة كاملة, وواضحة.

ربما تكون عبارة "فلنعبرنّ إلى البقعة" قد سقطت سهواً, ولكن من الواضح هنا أيّ من النصّين هو الأصل, وأيّ هو المشوّه.

ولكن هل هذا الاختلاف هو طفيف كما يقول بعض النقّاد؟

إنّ سقوط العبارة في النص المسوري, يخفي حقيقة هامة وهي أن قاين قتل أخاه عن سبق الإصرار والترصّد (بلغة المحاكم), لأنه خطّطَ لقتل أخيه بعيداً عن الأعين, واستدرجه إلى البقعة (أو الحقل) بمكر وخباثة, وهو ينوي قتله في قلبه. وهذا يوضح حجم خطيئته.

وبحسب النص المسوري يمكننا أن نفترض, أن حادثة القتل صارت بشكل عَرضي, إذا ربما اهتاجَ السخط في قلبه فجأة, فقتل أخيه في ثورة غضب, من دون سبق تصوّر وتصميم, مما يخفّف من وقع الخطيئة.

حتى المحاكم (البشرية) تُخفّف الحكم في هذه الحالة.

برأيي هذا الاختلاف ليس طفيفاً أبداً!



اختلاف آخر


(تكوين 4 :23) المسوري (الكتاب اليهودي)

"و قال لامك لامرأتيه عادة و صلّة: اسمعا قولي يا امرأتي لامك و أصغيا لكلامي, فاني قتلت رجلاً لجرحي و فتى لشدخي, إنه ينتقم لقايين سبعة أضعاف و أما للامك فسبعة و سبعين"


وعندما نقرأ نفس النص في السبعينية, نجده مطابقاً تقريباً للمسوري ولكنه يختلف عنه بكلمة واحدة, أو بالأحرى حرف واحد!

لنقرأ (تكوين 4:23) بحسب السبعينية (الكتاب المسيحي)

"فقالَ لامخ لامرأتيه أضّة وصلّة: اسمعا صوتي يا امرأتي لامخ, افهما أقوالي, إني قتلتُ رجلاً لجرحي, وحَدَثاً لشدخي, إن قاين انتُقمَ منه سبع دفعات, وأمّا من لامخ فسبعين دفعةً في سبعة."


عملية الجمع 7+70 صارت عملية ضرب 7*70

اختلاف بسيط جداً كما يبدو للوهلة الأولى! ولكن هل هو حقاً كذلك؟

لنتذكر كلام الرب يسوع في (متى 18: 21):

"حينئذ تقدم إليه بطرس, و قال يا رب, كم مرة يخطئ إلي أخي و أنا أغفر له هل إلى سبع مرات؟ قال له يسوع: لا أقول لك إلى سبع مرات بل إلى سبعين مرّة سبع مرّات."

الرب يسوع يشير إشارة واضحة إلى كلام لامخ, ويقول الرب لامرأتي لامخ ولنا نحن البشر, أن الانتقام الذي كان في العهد القديم قد تضاعف من سبع مرات إلى سبعين مرة في سبعة, تحول إلى مسامحة وغفران مضاعفة من سبع مرات إلى سبعين مرّة في سبعة!

للأسف, وبسبب تشوّه النص المسوري, أضعنا فهم هذه النقطة الرائعة والمدهشة في كلام الرب, بسبب هذه الاختلافات التي يقول عنها النقاد أنها طفيفة!

هل هي حقاً طفيفة؟

لقد ضاع صوت لامخ المدوّي: اسمعا صوتي! افهما أقوالي!

وكيف نفهم أقوالك يا لامخ ونحن نستعمل نصّاً مشوهاً وقد نسينا كتابنا المقدس الحقيقي!

نتوقف هنا لنسمع الآراء والتعليقات, وإلى اللقاء في الحلقة القادمة بمشيئة الرب.

صلواتكم

طاناسي




ثبت المراجع: )1Jinbachian, Some Semantically Significant Differences Between the Masoretic Text and the Septuagint