غالبًا ما تحدث أمور عديدة حولنا في الكنيسة خلال الصّلوات وخصوصًا الحركات الليتورجيّة الّتي إمّا نقف أمامها متفرّجين وغير مكترثين أو نمارسها من دون أن نفهم الرمز الّذي وراءها، فنرسم إشارة الصّليب ونتابع مسيرة الصّلاة فاعلين ما تفعله الجماعة، وإذا أردنا أن نسأل نشعر بالخجل قائلين في أنفسنا إنّه إذا سألنا الكاهن فسيُشعِرُنا بالخجل من أنّنا نمارس أمورًا لا نفهمها وقد تأخّرنا بالمجيء إليه وسؤاله. طبعًا هذه الفكرة خطأ لأنّ الكاهن سيكون مسرورًا إذًا جاءته أسئلة تدلّ على وعي المؤمن لِما يحدث حوله خلال الصّلوات وسيكون سعيدًا جدًّا بالإجابة.
من الأمور الّتي تحدث دائمًا في كنيستنا خلال الصّلوات حركة تبخير الكاهن للأيقونات وللهيكل والكنيسة إضافةً إلى تبخير المؤمنين الّذين غالبًا ما يقفون باحترام راسمين إشارة الصّليب أمام الكاهن المبخِّر. والتّبخير لا يُمارس فقط في الكنيسة إذ إنّ كلّ واحدٍ منّا يقوم بالعمل نفسه في المنزل فيبخّر البيت والأيقونات الموجودة فيه إضافة إلى تبخير سكّان هذا المنزل. فهل تساءلنا عن معنى هذه الحركة الليتورجيّة؟
للتّبخير رموز عديدة منها ارتفاع الصّلوات كالبخور أمام الربّ (مز 141: 2)، والنّعمة التي يسكبها الله في نفوسنا مثلما ينشر البخور رائحته في الكنيسة، كما يقوم الكاهن بتبخير أيقونات القدّيسين ورفاتهم من أجل إكرامهم وإكرام الله الذي كلّلهم بالقداسة. أمّا نحن فيقوم الكاهن بتبخيرنا لكي يكرّم صورة الله المطبوعة فينا من خلال المعموديّة ولكي يذكّرنا بأنّ أجسادنا هي هياكل للروح القدس: "أما تعرفون أنّكم هيكل الله، وأنّ روح الله يسكن فيكم؟... لأنّ هيكل الله مقدّس وأنتم أنفسكم هذا الهيكل" (1 كو 3: 16-17)، "ألا تعرفون أنّ أجسادكم هي هيكل الروح القدس الذي فيكم هبةً من الله؟" (1 كو 6: 19). ونحن نرسم إشارة الصّليب بعدما يقوم الكاهن بتبخيرنا تأكيدًا على هذا المعنى واحترامًا منّا له. لقد خلقنا الله على صورته ومثاله، لذا فنحن بمثابة أيقونة بشريّة تُظهر للآخرين صورة الله، وبتبخيرنا يكون الكاهن يكرّم الله من خلالنا كمخلوقين على صورته ومثاله.
إنّ حركة التّبخير، على بساطتها، تحمل رموزًا مهمّة، وفي الوقت نفسه تحمِّلُنا مسؤوليّة عظيمة. لم تُدخِل كنيستنا البخور إلى الصّلوات فقط لتعطير الأجواء بالرّوائح الزكيّة، لكنّ كنيستنا تعي بكلّ تأكيد أهميّة أن نكون على صورة الله، كما تعي أهميّة المعموديّة التي من خلالها نلبس المسيح. فمن ساعة معموديّتنا نحن مطالَبون بأن نكون مسيحيّين حقيقيّين، أي على صورة المسيح، جاعلين أعضاءنا أعضاء المسيح، ومتصرّفين كما يليق بالاسم المُعطى لنا وبمن يسكن هيكل جسدنا.
متى وعينا هذه الرّموز إضافةً إلى رموز أخرى موجودة في كنيستنا، نعرف كم أنّ ليتورجيّتنا غنيّة وغير مملّة كما يظنّ البعض، ونعرف كم أنّنا نسيء فهم لاهوت كنيستنا الرّعائي الّذي تقدّمه لنا من خلال بعض الأمور البسيطة، كالتّبخير مثلاً. نقول إنّه من واجب الكنيسة أن تعلّم أبناءها هذه الأمور؛ هذا أمر صحيح وهو يحدث إمّا من خلال العظات التي يلقيها رؤساء الكهنة والكهنة وإمّا من خلال طرق أخرى، لكنّ السؤال الأهمّ هل نحن نعير الأهميّة والانتباه إلى ما تحدّثنا به الكنيسة؟ هل نفضّل أن نطّلع على لاهوتنا ونتعرّف على مسيحيّتنا أم نذهب وراء المنشورات الدّنيويّة وأخبار الفنّانين والسّياسيّين وننسى أخبار القدّيسين والأهمّ من ذلك أخبار ربّنا وأقواله الموجودة في الكتاب المقدّس؟ هل نمارس حياتنا المسيحيّة كأيقونات تشعّ بالقداسة والنّقاوة والشّجاعة والاعتراف أم نعيش حياتنا على هامش كلّ ذلك؟
لقد وردت في أخبار الآباء القدّيسين قصّة صغيرة تمثّل واقعنا الحالي حيث أنّ أحد آباء الجبل المقدّس اضطرّ أن يغادر ديره ليذهب إلى الطّبيب، فوصل إلى البيت التّابع لديره (الأمطش) ولم يكن قد زاره منذ وقت طويل، وكان أنّ بعض الأشخاص قاموا بتجهيز شاطئ للعراة بمحازاة هذا البيت. فسأل راهبٌ شابٌّ الشيخ، وقد اعتراه الخجل ممّا رآه، عن رأيه بأولئك الّذين يرتادون هذا الشّاطئ فأجابه الشّيخ: "إنّهم أيقونات مرميّة في سلّة المهملات".
في النّهاية، السؤال يُترَك لكلّ واحدٍ منّا، هل نريد أن نشعّ بالقداسة المعطاة لنا منذ خُلِقنا على صورة الله ومثاله، أو أن نكون مرميّين في سلّة المهملات مع أنّنا هياكل للرّوح القدس؟