سلام ونعمة
..................
عقيدة "تألُّه الإنسان بالنعمة" عند آباء ما قبل نيقية (1) سِر الثيوسيس
عند القديسين إغناطيوس و إيرناؤس

سر الثيوسيس ، أو عقيدة تألُّه الإنسان بالنعمة ، الشركة فى الطبيعة الإلهية ، الإتحاد بالله و التشبُّه به ، الخلود و عدم الفساد... كلها مسميات لمعنى واحد...و بعيداً عن المعانى السلبية السيئة التى ـ عادةً ـ ما تجول فى العقلية القبطية المُعاصرة عن هذه التعبيرات ، فقد تتبعنا تعليم آباء الكنيسة الجامعة ماقبل مجمع نيقية عن هذا السر الفائق العقل، للبرهنة على أرثوذكسية هذه العقيدة من أقوال آباء الكنيسة أولاً ، و لإزالة هذه المعانى السيئة نظراً لما تتميز به كتابات ماقبل نيقية بالبساطة و العمق و عدم التعقيد ثانياً ، و التشبُّع بهذا السر العظيم ثالثاً.
مثل هذه المعانى التى أوردها قداسة البابا المُعظَّم الأنبا شنودة الثالث ، بابا الإسكندرية ، فى كتابه " بدع حديثة ، عندما وصف هذا السر بالكلمات التالية [ تأليه الإنسان معناه أن يتصف بالصفات الإلهية .. لذلك محال أن أحد الآباء نادى بهذا التأله ][1] ، و نحن نتفق تماماً مع سيدنا أن الآباء لم ينادوا بأن الإنسان يصير غير محدود ، مالىء السموات و الأرض ، و أن يكون فاحصاً للقلوب و الكلى .. إلى آخر هذه المعانى التى تتعب الإذن من مجرد سماعها ، بل على العكس تماماً ـ و على النحو الذى سيتضح من نصوص الآباء ـ أن التأله هذا هو نعمة من الله تقود الإنسان إلى التواضع و التشبُّه بالإله المتجسد نفسه ، الذى لم يستنكف أن يخلى نفسه من أجل خلاصنا !!!
و لذلك ، نحن هنا لا نرد على أحد أو نهاجم أحد أو نتحيَّز لأحد ، بل كما قال العظيم غريغوريوس النيصى : [ الحق يجتاز فى الوسط ، ليبيد كل هرطقة و لكن ليقبل ما هو نافع فيها].!!!
نظرة عن التأّّله و النعمة و الخلاص عند آباء الكنيسة :بدايةً .. يجب أن نضع فى إعتبارنا أن هناك تيّاران في لاهوت النعمة عند الآباء ، فالآباء الشرقيّون يرون النعمة في تأليه الإنسان، بينما يرى الآباء الغربيّون النعمة في التحرّر من الخطيئة، فالتيّار الأوّل يستند إلى كتابات يوحنا الإنجيلي، ويشدّد على تجسّد الكلمة الذي بواسطته يصبح الإنسان ابن الله، بينما يرتكز التيّار الثاني على رسائل بولس الرسول، ويرى في النعمة مساعدة يعطيها الله للإنسان ليحيا حياة قداسة على مثال المسيح. فالتيار الأول يركّز على كيان الإنسان، بينما يركّز التيّار الثاني على عمله. فالنعمة عند آباء الكنيسة الشرقيّة تهدف إلى رفع كيان الإنسان ليصير على صورة الله. أمّا عند آباء الكنيسة الغربيّة فتهدف إلى تحرير الإنسان من الخطيئة.
يرى آباء الكنيسة في تألّه الإنسان النعمة الكبرى التي يمنحها الله "للإنسان. فبينما كان الفلاسفة اليونان ينشرون نظريّة أفلاطون في التشبّه بالله، والأديان اليونانية تسعى إلى الوصول إلى خلود الآلهة بواسطة طقوس سحريّة أو طرق تقشّف بشريّة، راح اللاهوتيّون المسيحيّون يعلنون أن الاشتراك في الطبيعة الإلهية والتشبه بخلود الله والتأله لا يستطيع الإنسان أن يصل إليها بجهوده الخاصّة، بل هي نعمة من الله. فالله نفسه نزل إلى البشر وتجسّد ليرفع الإنسان إليه ويشركه في حياته الإلهية. وقد صار أمراً تقليديًّا في اللاهوت الشرقيّ تقسيم تاريخ الخلاص إلى ثلاث مراحل:
+ خلق الله للإنسان على صورته ومثاله
+ سقوط الإنسان بالخطيئة الأصليّة
+ إعادة الصورة القديمة بالتجسّد والفداء
ويقوم التألّه، أو اشتراك الإنسان في الطبيعة الإلهية الذي ورد ذكره فى رسالة بطرس الثانية "لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ" (1: 4)، على الخلود وعدم الفساد والحياة الأبديّة بعد الموت. فالإنسان مائت من طبيعته، أمّا الله فمن طبيعته لا يموت. ومن ثمّ فالاشتراك في طبيعة الله يعني أولاً عدم الموت.
وعندما يفسّر آباء الكنيسة قول الكتاب المقدّس إنّ الله خلق الإنسان "على صورته ومثاله" يميّز بعضهم بين الصورة والمثال. فالصورة هي في طبيعة الإنسان، إمّا في جسده، ونفسه حسب إيريناوس، إمّا في نفسه فقط حسب أكّليمندوس الإسكندريّ وأوريجانوس. وهذه الصورة لا تُفقد بالخطيئة. أمّا المثال فقد فقده الإنسان بالخطيئة، وأعاده إلينا الكلمة المتجسّد. فمن يقبل خلاص المسيح وفداءه يشترك في الطبيعة الإلهية، أي في عدم الفساد وفي الحياة الأبديّة.
أمّا أثناسيوس وغريغوريوس النيصيّ فيريان في "الصورة" ختماً إلهيًّا يضعه الله في روح الإنسان وعقله. وهذا الختم يصبح قاتماً بالخطيئة، ويعيده الفداء إلى بهائه الأوّل. أمّا "المثال" فهو الاقتداء والتشبّه بالله. فالإنسان يصير تدريجياً على مثال الله يتألّه باشتراكه في حياة المسيح الإله، وذلك بواسطة الإيمان وسري المعموديّة والافخاريستيا.
فالثيوسيس هو عمل الله المثلث الأقانيم القوى و المُقدس فى حياة الإنسان
لقد دُعي الإنسان حقاً ليعيش في الله، ليشاركه في مجده، ليتحد به ليصير بالنعمة ما هو عليه الله بالطبيعة. إنها وحدة مع الله بواسطة القوى الإلهية بلا اختلاط أو ذوبان. إتخذ الرب يسوع المسيح طبيعتنا ليشركنا بالحياة الإلهية ويجعلنا "شركاء في الطبيعة الإلهية" (2بطرس 1: 4)، أي في القوى الإلهية وليس في الجوهر الإلهي.
ليس "التأله" هبة مجانية للروح القدس وحسب بل يتطلب أيضاً مشاركة الإنسان. إذا هو بالضرورة صيرورة ديناميكية تتضمن درجات من الشركة مع الله و حياة تقوم على الخبرة الشخصية و هذه الصيرورة أن تبدأ منذ الآن بمحبة لله وحفظ وصاياه و بحياته في الكنيسة وبمشاركته في أسرارها ... و هو يعنى يعني صيرورة الإنسان ابن الله بالتبني، بنعمة الروح القدس، ابن بالنعمة بينما يسوع هو ابن الله بالجوهر، بالطبيعة
و نحن عندما ندرس هذا السر العظيم "الثيوسيس" عند آباء ما قبل نيقية ، فنحن ندرس الصورة الإنجيلية البسيطة الأولى التى قدمها آباء الكنيسة عن هذه العقيدة ، بدون الدخول فى التعقيدات العقائدية و اللاهوتية ، التى أثرت شرح هذا المصطلح جداً عند آباء ما بعد نيقية من أمثال أثناسيوس و غريغوريوس الثيولوغوس ، و أيضاً لنكشف هذا الثراء الكنسى فى شرح هذه العقيدة ، و التنوع الذى يقدمه هؤلاء الآباء من حيث مواقعهم فى الكنيسة ( أساقفة و رعاة / معلمون و مدافعون) أو منطلقاتهم و خلفياتهم الفكرية إذا كانت تقليدية أو فلسفية ، أو حتى اختلافهم من حيث ظرف المكان و الجغرافيا.
القديس إغناطيوس الأنطاكى( 107 م)
الإتحاد بالله ، نجده أول ما نجده عند هذا الأب القديس الذى قدم جسده ليُطحن بأسنان الوحوش ليكون خبراً طاهراً لله ،فهو يمثل البساطة و التقوى المسيحية و وحدة الأسقفية و الكنيسة و الشعب و الإستعداد للشهادة ، و هو من الآباء الرسوليين ، فهو تلميذ يوحنا اللاهوتى ، و يقول عن أبنائه فى الإيمان و هو فى طريقه إلى الاستشهاد:
[ إنى أصلى حتى يكون بينهم إتحاد قائم على أساس جسد و روح يسوع المسيح ، الذى هو حياتنا الأبدية ، إتحاد بالإيمان و الحب لا يفوقه و لا يعترضه أى شىء آخر ، إتحاد خاص بيسوع و الآب ]
الرسالة إلى ماغنيسيا.
كان هذا العظيم منشغلاً دائماً بالحضور السرى للمخلص وسط شعبه ، إما فى سر الإفخارستسا أو فى حياة المؤمنين اليومية ..
[ فلنمارس كل أعملنا بفكر أن الله يحيا فينا حينئذ سنكون هياكله و هو سيكون إلهنا الساكن فينا ]
الرسالة إلى أفسس 15
فالقديس إغناطيوس الأنطاكى قدم الخلاص على أنه مشاركة فى الحياة الإلهية و النور و الحب الإلهيين ، ، و لقد كتب عده تعبيرات تعبر عن هذا المعنى ، فهو لا يتردد أن يُقلب المسيحيين بحاملى الروح : بنفمافورى ، ثيوفورى : حاملى الله ، و خريستوفورى : حاملى المسيح ، و هاجيوفورى :حاملى القداسة ، بل كان يُلقِّب نفسه " بالثيوفوروس : حامل الإله" ، و هذا التعبير لا يدل على الإفتخار أكثر ما هو يدل احساسه الدائم باتحاد الله به و وجوده دائماً فى حياته ، و تلك المحبة و الوحدة السرية بين الله و الإنسان ، كانت القاعدة التى انطلق منها فى تعليمه عن وحدة الكنيسة و الأسقف و الشعب ، صحيح أن القديس إغناطيوس لم يذكر كلمة "ثيوسيس" لكن مضمونها واضحاً جداً فى لغته الرمزية
المفضلات