لا يتعرض إلى هكذا تجارب التي غالباً ما تستمرُّ لمدة طويلة وتكون عاقبتها ثقيلة الرهبان والنساك الّذين يسلكون حياة متوحدة فحسب بل والمسيحيون الّذين يسكنون في العالم كذلك أيضا عندما يخوضون بجهلٍ في جهاداتٍ سامية . إنهم باجتهاداتهم الخاصة تلك يهيجون الأبالسة ، ولكن بما أنَّ جهادهم الروحي لا يكون قويماً فإنه لا يؤدي بهم إلى الأمر الرئيسي أي أنهم بإذلال جسدهم لا يذلون نفسهم بل إنهم يزرعون فيها بشكلٍ لا يُلحظ أشدَّ الكبرياء والرأي الذاتي ، لا يمكن للنعمة الإلهية أن تحفظ هكذا فعلة وإنَّما تسمح من أجل توعيتهم بأن يتمَّ إغواؤهم ويُستهزأ بهم من قبل الشياطين حتى يتواضعوا بوساطة ذلك .
يروي لنا الأسقف إغناطيوس بريانشانينوف الروسي حدثاً حصل في عصره : كان أحد الجنود يذهب إلى دير لافرا القدِّيس ألكسندر نيفسكي الروسي إلى قدس الأب يوانيكيوس ليأخذ منه الإرشاد الروحي ( وقد كان في هذه الأثناء المطران إغناطيوس المستقبلي يلتجئ إلى هذا المرشد ليأخذ منه النصح الروحي ) وقد كان اسمه بولس وقد كان من المنشقين الّذين قد عادوا إلى الكنيسة الأم منذ فترة وجيزة . كان بولس قبل ذلك مرشداً على المنشقين وقد كان مثقفاً . كان وجه بولس ساطعاً من الفرح . ولكنه بسبب اجتهاده الكبير الملتهب فيه كرَّس بولس ذاته لجهادٍ روحي مفرط وغير منسجم مع بناء جسده ، لأنه لم تكن لديه فكرةٌ كافية حول الجهاد النفسي.
ذات ليلةٍ كان بولس واقفٌ للصلاة . وفجأةً ظهر نورٌ حول الإيقونات على هيئة شمسٍ وأما في وسطها فتوجد حمامةٌ ناصعة البياض . وسُمع صوتٌ من الحمامة يقول :" اقبلني فأنا الروح القدس وقد أتيت لكي أجعلك مسكناً لي ." فقبل بولس ذلك فرحاً . دخلت الحمامة فيه عن طريق الفم فشعر بولس فجأةٌ وقد كان مرهقاً من الصوم والسهر بشهوةٍ بغية : ترك بولس الصلاة وركض إلى العرين. وأصبحت شهوته الجائعة يستحيل إشباعها . أصبحت كلُّ المطارح وجميع الزواني المتاحة بالنسبة لبولُس مطرحه الدائم . وفي النهاية عرف بولُس نفسه. وعرض إغواءه من جراء الظاهرة الشيطانية وتنجسه مع عواقب الافتتان الروحي في رسالة إلى الراهب الكاهن المتوحد ليونيدِس . وقد ظهرت في رسالته حالة بولس الساقط السابقة الروحية المرموقة . وكان لدى الأسقف إغناطيوس بريانشانينوف الروسي ذاته الفرصة للاطلاع على هذه الرسالة .
" يتوجب علينا التنويه – يقول سيِّدنا إغناطيوس- بأن الروح الشرير الساقط والراغب في أن يسيطر على مجاهد المسيح لا يعمل بسيادة فيه بل إنما يبحث عن طريقةٍ ليجذب بها موافقة الإنسان بالإغواء المقترح عليه وبعد أن يحصل على الموافقة فإنه يسود على الإنسان الموافق على ذلك..... وأما الروح القدس فيأتي بسلطانه الذاتي بصفته إلهاً في ذلك الزمان حينما الإنسان المتواضع والّذي أذلَّ نفسه لا يكون في انتظار مجيئه البتة . ويُغيَّر ذهنه وقلبه فجأةً . ويشمل بفعله إرادة ومواهب الإنسان كلِّها ، والّذي لا تكون لديه الفرصة ليفكِّر في الفعل الحاصل فيه ." ( 9 الجزء الخامس ص49-50 ).
وإليكم حدثاً آخر الّذي لم يمر على حصوله وقتٌ طويلٌ ، وقد رواه لي أحد الرهبان المبتدئين . لقد حصلت هذه القصة المؤلمة مع أخيه بالجسد ، الّذي كان هو معه قد اقبلا كلاهما نحو الإيمان المسيحي وشرعا في الذهاب إلى الكنيسة وفي التجوال حول الأماكن المقدَّسة وزيارة الأديرة . شرع الإخوان في مطالعة الآباء القدِّيسين وإتمام صلاة يسوع . ولكن على ما يبدو فإنَّ أخ الراهب المبتدئ قد أنحرف في تلك التمارين عن المسلك القويم ولأجل هذا قد حدث له التالي : ذات مرةٍ عندما كان وحده في البيت مصلياً ظهر أمامه شيطانٌ قذر وبدأ يعيق صلاته ، ولكنَّ الأخ لم يرتعب وبدأ يحاور الشيطان بشجاعةٍ . وأخذ ينصحه في التوبة وشرع يشرح له عن رحمة الله التي يفوقها الوصف وبأنَّ الله في إمكانه حتى إياه أن يرحم إذا ما هو – أي الشيطان- تاب . بدا الشيطان وكأنه يستمع إليه بانتباهٍ فتفكَّر بعدئذٍ بجديةٍ وتقبل في النهاية هيئة التائب وابتدأ يصلي ويئن ويسجد للإيقونة وعلى العموم عبر بكامل هيئته عن تخشع وتوبة عميقين لما قد فعله من شرٍّ ، وكان يردِّد بأنه يترقب رأفةً قريبة . كان الأخ يتابع كالمسحور أفعاله ( على ما يبدو بسرورٍ داخليٍّ ) . وها أنه بالحقيقة قد هبطت على الشيطان بعد برهةٍ من الوقت سحابةٌ منيرة وكأنها نورٌ ونعمةٌ وعلى مرأى الفتى المسرود تحول الشيطان إلى ملاكِ نورٍ وقال في النهاية بأنه مدين بالشكر للأخ . اقترح عليه الشيطان السابق بأن يصبح حارساً دائماً وأميناً للأخ . كان الأخ في حالةٍ من الحماسة لا توصف وليس على بعضه من السعادة فوافق على ذلك . دخل الملاك و.... أخذ الأخ في الجنون وفي الصراخ والتعيير بأقوالٍ رهيبةٍ وبدأ بكسر الإيقونات وبرميها على النافذة وباقتراف أشياءَ أخرى رهيبة . وهو كتواجد الآن في مشفى الأمراض العقلية . وإنه يسكن أحياناً في بيته مع ذويه ولكن عندما يتفاقم مرضه يتوجب عليه أن يعود إلى المستشفى لأنه حينئذٍ تكون أعماله قذرةً . ولكنه ما أن يتحسَّن يصبح بمقدوره أن يصليَّ قليلاً . بعث أخوه الراهب المبتدئ طلباً إلى الكثير من الأديرة ليصلوا لأخيه المسكين . وإليكم أمثلةً حول كيف أنَّ التواضع الحقيقي يتهرَّب بسهولة من فخاخٍ مماثلة .
ظهر الشيطان لأحد الإخوة ، على هيئة ملاك النور وقال له :" أنا هو رئيس الملائكة جبرائيل وقد أُرسلت إليك ." أجابه الراهب :" تحقَّق ربَّما قد تكون مرسلاً إلى أحدٍ آخر؟ لأني أنا لست بمستحقٍّ أن تأتيَّ إليَّ ملائكةٌ مرسلون ." فاختفى الشيطان من فوره . وكان الشيوخ يقولون :" حتى ولو ظهر لك بالحقيقة ملاكٌ لا تقبله بيسرٍ ، ولكن تواضعْ قائلاً : إنَّني أنا بما أنَّني قاطنٌ بكليتي في الخطايا فلست مستحقَّاً برؤية الملائكة ." ( 11 المجلد 4801 ص134 ).
ويُروى عن شيخٍ آخر أيضاً الّذي كان يعيش حياة السكينة في قلايته فاحتمل تجارب شيطانية . وعلى ما يبدو فإنَّ أبالسةً كانوا قد ظهروا له ولكنه احتقرها . وإنَّ الشيطان بعدما رأى بأنه قد غُلب من قبل الشيخ ظهر له وقال :" أنا هو المسيح !" فأغمض الشيخ عينيه . فعاد الشيطان وقال :" أنا هو المسيح فلِمَ تغمض عينيك؟" فأجاب الشيخ :" إنَّني لست راغباً في رؤية المسيح هنا بل في الحياة الأبدية ." وبعد ذلك لم يظهر له الشيطان البتة . ( 11 المجلد 481 ص135 ).
يتوجب علينا التنويه بأنَّ ظهور ملائكة قدِّيسين مرسلين من الله بالحقيقة يُعطى لأولئك المسيحيين المتواضعين الودعاء فقط الّذين هم خارج خطر الكبرياء والوقوع في الغرور فيضرون أنفسهم بذلك .
ذات مرة حينما كان القدِّيس مكاريوس الكبير جالساً في قلايته ظهر أمامه ملاك مرسل من الله وقال له :" يا مكاريوس ! لا تخف من هجوم الأعداء الغير المنظورين لأنَّ سيِّدنا الصالح لن يتنحى عنك ولن يكفَّ عن تعضيدك ، كن شُجاعاً وتثبَّت غالباً بشجاعةٍ رئاسات وسلاطين العدو ./ إنَّ الرئاسات والسلاطين هم بحسب تعليم القدِّيس ديونيسيوس الأريوباغي حول الرتب السماوية – قواتٌ عدم الأجساد من الرتبة الملائكية الثالثة- الرتبة الأولى ومن الرتبة الملائكية الثانية – الرتبة الثالثة . ويقصد بهم هما الملائكة الساقطة المفتونة من قبل الشيطان . ( ملاحظة المترجم البلغاري )/ ؛ ولكن لا تتعالى بعملك لكي لا تتركك المعونة الإلهية وكيلا تسقط سقطةً كبيرةً ."أجاب مكاريوس المغبوط مبتلاً بالدموع:" وبماذا أتعالى في حين تتغذى نفسي على مثال المرأة البغية الفاجرة من رجس الأفكار النجسة المجلوبة لها من قبل الأبالسة ." يقول القدِّيس إغناطيوس بريانشانينوف الروسي بأنه كان قد توصل مكاريوس الكبير إلى هكذا تواضع عميق بوساطة التعمُّق الذاتي الّذي قد أعطاه إياه عمله الذكي . لقد رأى مكاريوس في ذاته سقطة الإنسان وحواره مع الأبالسة ." ( 11 المجلد 284 ص8 ).
يقول سيِّدنا إغناطيوس الروسي :" يستحيل على الإنسان المتواجد في منطقة الحكمة الجسدانية ولم يسبق أن حصل على نظرةٍ روحيةٍ على طبيعته الساقطة ألا يدفع ثمناً ما عن أعماله وألا يعترف باستحقاق ما على نفسه مهما نطق إنسانٌ كهذا بكلماتٍ متواضعة ومهما بدا متواضعاً في الخارج . لا يعدُّ التواضع الحقيقي من سمات الحكمة الجسدانية وليس من الممكن أن يكون له هذا التواضع : التواضع : هو ملك الذهن الروحي . يقول مرقس الناسك البار :" إنَّ أولئك الّذين لم يسبق لهم أن صاروا ممنونين لكل وصية من وصايا المسيح يكرِّمون ناموس الله بالجسد بدون أن يعوا الّذي ينطقون به ولا حتى الّذي هو عليه مرتكز . وفضلاً عن ذلك فهم يرغبون بتتميمه بوساطة الأعمال ." يتبين من كلام الأب البار بأنَّ ذاك الّذي يعترف لنفسه بعملٍ صالح هو قابعٌ في حالة من الافتنان الذاتي . وتكون هذه الحالة أساساً للإغواء الشيطاني : إذ يجد الملاك الساقط ميناءً له في مفهوم الإنسان المسيحي الكاذب المتشامخ ويقوم بتطعيم إغوائه الخاصة إلى جانب ذلك المفهوم برياحة وبوساطة الإغواء يقوم بإخ2ضاع الإنسان أيضاً لسلطانه ويرمي به إلى ذلك الافتنان المدعو بالشيطاني . يتبيَّن من الاختبارات المشار إليها بأنَّه لا أحد من الناس المفتونين قد أعترف بعدم استحقاقه في رؤية الملائكة معترفاً لذاته بالتالي باستحقاقٍ ما . لا يمكن للإنسان الجسداني النفساني التفكير بنفسه بطريقة أخرى ."
وهكذا فإنه لا يمكننا أن نثق بكلِّ اندفاعٍ صالح أو حركة فينا كما يبدو لنا وإنَّما يتوجب علينا أن نميِّز الخير الحقيقي المسيحي والإنجيلي من الخير الكاذب الضار بالنفس الّذي يفصلنا عن الله .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات