ما هي مميزات عصرنا ؟

أمَّا العالم فصار يميلٌ أكثر فأكثر للإعجاب بمسيحية هسترية كاذبة كهذه . ولكنَّنا نحن لا ينبغي لنا أن نعير انتباهنا لذوقه حيث أنَّه بقدر ما نحافظ على روح إيماننا بقدر ما نتغرَّب عن هذا العالم وبقدر ما سنظهر ممقوتين ومبغضين ولا منطقيين وضعفاء وعديمي النعمة من وجهة نظره . وإذا كان العالم اليوم مجذوباً إلى حدٍّ ما من قبل الأرثوذكس ويظهر حبَّه للاطلاع على إيمانهم فإنَّ هذا لا يعدُّ سبباً لكي نرسم هالة سريةً ما أو روحانية كاذبة إرضاءً للعالم . فالحقُّ العسير أفضل من الباطل المجمَّل . إنَّنا اليوم فقراءٌ من حيث الروحانية كما لم يكن ذلك من قبل . إنَّه ينطبق علينا قول المزمور أكثر مما على مسيحيي الأزمنة السالفة :" خلَّصني يا ربُّ لأنه قد أنقرض التقي لأنه قد أنقطع الأمناء من بني البشر ." ( مزمور11: 1 ). إنَّنا فقراءٌ بالروح ولعلَّ رؤيتنا لذلك بوضوح واستيعابنا له واحتمالنا إياه بتواضع وتوبة هو العمل الخلاصي الوحيد المتاح لنا اليوم . إنَّ استيعابنا الواضح لروح العصر ولحالتنا الروحية ولمقدار إمكانياتنا سيحفظنا من بحوثٍ خاطئة ومن بعثرة لتلك القوى الضئيلة التي نمتلكها بلا جدوى ومن إفلاس أعمالنا من جراء مشاريعنا الّتي من المستحيل تحقيقها ومن مساعينا التي لا تتوافق مع حالتنا الروحية .

إنَّه لم يعد من عادة عصرنا الحاضر التمتع بالموائد الروحيَّة الغنية بتلك الروعة والرائحة الطيبة أو الفواحة التي امتلأت بها حياة المسيحيين الّذين كانوا قبلنا . إنَّنا قد حظينا بالحصة الأكبر من الضعفات والأحزان ولذلك بالذات فالأمور الأكثر خلاصية بالنسبة لنا هي : الصلاة المتواضعة والتنهد المستمرين على حالتنا الفقيرة والنظرة الأكثر انسحاقاًً وذلاً إلى أتعابنا وأعمالنا والتصرُّف المتنازل والرحيم تجاه أقربائنا والقبول بكلِّ شيءٍ يحصلنا معنا بشكر وبلا سخط والاتكال الكامل على رحمة الله وعدم الاتكال على الذات في أي حال من الأحوال فيما يختص بأعمالنا وألا نتوقع من أنفسنا أن نكون متعالين .

ولعلَّ المثل الأوضح على كلِّ هذا هو الّذي يرسمه لنا الأسقف القدِّيس إغناطيوس الروسي : إنَّه يشبه الغنى بالنعم الروحية عند المسيحيين الأوائل بوليمةِ غداءٍ فاخرة أقيمت من قبل ربَّ البيت الغني على شرف أصدقائه ومعارفه الكُثر. وكان على هذه السفرة الروحية الكثيرُ من الأغذية الروحية التي لا حدَّ لها وبعدما انتهت الوليمة كوفئ كلٌّ من الضيوف بالعطايا الروحية بسخاءٍ . وحينما غادر الجميع رأى ربُّ البيت جمعاً من المتسولين الجوعى فأمر عبيده بألا يرفعوا السفرة وقدَّم كلَّ ما تبقى للميسورين . فتقدَّم هؤلاء إلى الصالة الواسعة بخوفٍ وانذهال وبدأوا بالتهام كلَّ شيءٍ كان قد تبقى على السفرة وما تحتها من الفتات المتساقطة من المائدة ولم يذق أحدٌ منهم وجبةً كاملة ولا رأى كيف كان الخدم يخدمون باجتهاد ولا الأوعية والأدوات الكريمة التي يؤكل بها هناك كما أنه لم يسمع أحدٌ منهم صوت جوقة المغنين وأنغام الموسيقى بحيث أنه لم يكن بمقدور أحدهم أن يتصور بوضوح جوَّ الوليمة الّذي كان سائداً قبل ذلك . بعد أن أرضوا جوعهم كان بإمكان هؤلاء الناس أن يتصوروا على وجه التقريب فقط مدى الروعة التي كانت سائدة في هذا المكان قبل قدومهم . ولكنَّهم بالرغم من ذلك خرُّوا أمام ربِّ البيت شاكرين إيَّاه على الطعام الّذي لم يأكلوا ولم يروا مثيله إلى ذلك الحين قطُّ . أمَّا هو فقال لهم :" يا إخوة ! إنَّني حينما دبَّرت الوليمة لم أحسب حسابكم ولذلك فإنِّي لم أعطكم وليمةً بالشكل المطلوب ولا أعطيكم الهدايا ...." وأمَّا الفقراء فصاحوا بصوتٍ واحد :" يا سيِّدنا ! وهل نحن بحاجة إلى الهدايا ! هل نحن بحاجة إلى وليمةٍ فاخرةٍ ! إنَّنا لا نعرف كيف نعبِّر عن شكرنا من أنَّك لم تتقزز منَّا نحن المعانون من كلِّ علَّةٍ بل إنَّك سمحت لنا بالدخول إلى خدرك وخلَّصتنا من الموت الفاجع !" غادر الفقراء بدون عن شكر ربِّ البيت الرحوم . حينئذ قال ربُّ البيت لخدمه : " ارفعوا السفرة الآن وأغلقوا خدري . فإنه لن يكون هنالك ضيوف بعد وكلُّ ما كان يصلح للأكل قد أعطيَ . وكلُّ شيءٍ تمَّ !" ( 9 الجزء الخامس ص 384-385 ).

يمثِّل الفقراء والميسورون في المثل حالتنا الروحية وأما الفتات والصحون الفارغة فالجوع الروحي الّذي يعاني منه عصرنا وأمَّا الشكر المتواضع والاعتراف بأنَّنا لسنا مستحقين لأيَّة ولائم وهدايا فاخرة فيمثل الاستعداد الصحيح لنفسنا .

يجب علينا أن نصغي إلى الإحساسات المسبقة ونبوءات الآباء القدِّيسين تلك ، التي تختصُّ بعصرنا هذا الّذي يعدُّ بالنظر إلى كلِّ شيء آخر الأزمنة . إنَّ وعينا لروح عصرنا هذا سيخرجنا من حالة افتتاننا الذاتي وسيعطينا النظرةً الصحيحةً إلى قوانا وإمكانياتنا وسيجعل متطلباتنا نحو أنفسنا وتجاه الآخرين أكثر اعتدالاً من جهة ويحملنا على التيقظ ونكون ساهرين ومنتبهين وألا نقع في القنوط بل وكذلك ألا نسبح في الأماني منفصلين عن الواقع من جهةٍ أخرى .

لنستمع إلى هذه الأقوال المحزنة والمفيدة في الوقت ذاته :

" إنَّ الشمس التي تغيب تُمَثِّل بشكلٍ حيٍّ حالة المسيحية في عصرنا . حيث أنَّه يضيء شمس الحق – المسيح ذاته إنَّه يصدر نفس الإشعاعات لكنَّها لا تصدر نفس السطوع ولا الحرارة عينها اللّذين كانا في الأزمنة السالفة . إنَّ هذا يحصل هكذا لأنَّ الإشعاعات لا تسقط علينا مباشرةً وإنَّما تلامسنا بشكل غير مباشر وتتسرَّب من حولنا . إنَّ أشعة شمس الحق أشعة المسيح – الروح القدس هو :" النور ومظهر النور للعالم به يُعرف الآب ويُمجِّدَ الابن ويُعرف من قبل الجميع ." ( طروبارية غروب العنصرة ) .

" اليوم حينما تكاثر المستغنون بالعلم والفنون وبكل شيءٍ مادي اليوم " لم يتبقى صدِّيقٌ " ( مزمور11: 1 ). إنَّ الروح القدُس يصدر متطلعاً إلى بني آدم وباحثاً عن إناءٍ مستحقٍّ من بين هذه الجماعة من الداعين أنفسهم بالمتعلمين والمتنورين والأرثوذكسيين يصدر حكمه الحزين :" ليس ثمة من يفهم ليس ثمة من يبحث عن الله كلُّهم انحازوا عن الطريق وأصبحوا بمجلهم طالحين ليس ثمة من يفعل الخير ليس ولا واحدٌ . إنَّ حلقهم هو كالقبر المفتوح ، يغوونك بألسنتهم وأما في شفاههم فسم الثعابين وفمهم مملوءٌ بالأقسام والعلقم . أرجلهم تسرع إلى إهراق الدم ، أما طرقهم فقاحلة ومليئةٌ بالويلات ، إنهم لم يعرفوا مسلك السلام وليس في أعينهم خوف الله ." ( رومية3: 11-18 ).

ولذلك يحيد عنَّا الروح الإلهي وهو الكرامة الحقيقيَّة للمسيحيين الحقيقيين المكتسبة من أجل شعب الله الجديد برمته من قبل رئيس نسلهم الكليُّ قدسه ." ( 9 الجزء الاول ص 406-407 ).

" يشهد لنا الكتاب المقدَّس بأنَّ المسيحيين على مثال اليهود سوف يبتدأون يفترون بالتدريج عن التعليم الإلهي الموحى لهم : سيبتدئون يدعون بلا انتباهٍ تجدد الطبيعة البشرية من قبل الإله المتأنس وسينسون الأبدية وسيركزون كلَّ انتباههم على الحياة الأرضية : وسينخرطون بمزاجهم واتجاههم هذا بتطوير وضعهم على الأرض وكأنه أزليٌّ وبتطوير طبيعتهم الساقطة من أجل إرضاء رغبات وشهوات نفوسهم وأجسادهم . وبالطبع فإنَّ الفادي الّذي افتدى الإنسان ليعيش في الأبدية المغبوطة هو غريبٌ عن اتجاهٍ كهذا . إنَّ من شيم اتجاه كهذا هو التراجع عن المسيحيَّة . ( 9 الجزء الأول ص 457-458 ).

" لقد ظهر الشرُّ في وسط الجنة على أنه خير لكي يغوي بشكل أفضل إنَّه يظهر في صدر كنيستنا المقدَّسة متخفيَّاً ومتحليَّاً بتنوعٍ جذَّابٍ من الإغراءات ، التي يدعوها تسليةً وترفيهٍ بريءٍ حيث إنه يسمي تطور الحياة المادية وتذليل الروح القدس نجاحاً وتطوراً للبشرية . سيكون الناس ذوي ذهنٍ منحرفٍ لأنهم قد أحبوا الباطل .( 2تسالونيكي 2: 12 ) لأنهم جهلاءٌ بالإيمان ، لهم فضيلةٌ في الظاهر لكنهم قد أنكروا قدرتها ( 2 تيموثاوس3: 8، 5 ). إنَّ من حصل على هذه المقدرة ورفضها بمشيئته فمن الصعب له استرجاعها ( عبرانيين10: 26 ) ، لأنه بذلك يخسر المشيئة الصالحة ذاتها بسبب رفضه المسبق للعطية الإلهية . يمكننا أن نحافظ بطريقةٍ ما على الفضيلة الخارجية بمكرٍ : ولكنَّ استعادة قوة الفضيلة فتخصُّ ذاك الّذي يكسو البشر قوةً من العلو . ( لوقا24: 49 ) ( 9 الجزء الأول ص 495-496 )."

" لقد تجرأ الكثير من الناس اليوم على إدخال تدابير خاصة بهم إلى تدابير الروح القدس . ولهذا السبب أصبحت التدابير السماوية أرضيةً والتدابير الروحية جسدية والتدابير المقدَّسة خاطئة والحكيمة منها سخيفةً.... فهنالك مسيحيون ولكنَّه قد فُقدَت معرفة الحقيقة العامة والمشتركة بينهم والّتي من خلالها يتَّحد الكلُّ في جسدٍ روحيٍّ واحدٍ في طريقة تفكيرٍ واحدةٍ في روحٍ واحدٍ تحت الرأس المشترك – المسيح . يوجد لدى كلِّ واحدٍ اليوم بشكلٍ متفاوتٍ طريقة تفكيره الخاصة به ، دينه الخاص ، وطريقه الخاص الّتي قد اعتمدها بشكلٍ تعسفيٍّ أو أنَّها قد أعتُرف بها صدفةً بأنَّها مستقيمةً أو أنَّه قد تمَّ تبريرها . إنَّ هذه الرعية التي لا تحصى والّتي فقدت صلتها ووحدتها بالروح والحقِّ تحت إشراف مرشدها الروحي تشبه فوضى كبيرةً : فكلُّ خروفٍ يمشي في جهته الخاصة بدون أن يعرف إلى أين هو متجهٌ ، وليس من أحدٍ ليستوقفه ، ليس من أحدٍ ليعتني به ، إنَّ الناس لا يسمعون بعد – إلى هذا القدر قد تقسَّى سمعهم – الصوت الخلاصي للراعي الحقيقي ، الصادر من كنيسته المقدَّسة والّذي ما يزال يفضح ظلمهم علانيةً وينصحهم بالطريق القويم ويظهره لهم . لقد أصمَّهم ضجيج الاهتمامات الدنيوية الرهيبة ضجيج الأفراح الشعورية ، ضجيج النجاح الأرضي . " قد ارتبطت بالأرض نفسهم " ولم تعد قادرةً على استيعاب الانطباعات الروحية ." ( 9 الجزء الرابع الرسالة 58 ).

" إنَّ شباك الشيطان قد أصبحت أكثر بكثيرٍ مما كانت عليه في زمن الكنيسة المسيحية الأولى ، فقد تفاقمت إلى ما لا نهاية . لقد تكاثرت الكتب الحاوية على التعاليم الكاذبة ، وتكاثرت العقول التي تمتلك في حدِّ ذاتها وتنقل إلى الآخرين تعاليم كاذبةٍ لقد قلَّ عدد أتباع الحقِّ المقدَّس إلى المنتهى ، وقد ازداد إكرام الفضائل الطبيعية المتاحة لليهود والوثنيين ، المضادة للطبيعة ذاتها ، التي تنظر إليها نظرتها إلى شيءٍ شرِّير ، كما تناقص استخدام مفهوم الفضائل المسيحية ، كيلا أقول إلى أية حدٍّ قد نقص ، حتَّى إنه قد انقرض القيام بها عملياً ، لقد تطورت الحياة المادية وأما الحياة الروحية فبدأت بالاختفاء ، إنَّ لذة وعناية الجسد تهضم كلَّ وقتنا وليس ثمةَ وقتٌ نتذكر فيه الله . ويتحول كلُّ ذلك إلى واجباتٍ وقوانين ." ( 9 الجزء الأول ص 397 ).

إنَّنا حالياً قد توصلنا إلى فترة من حياة البشرية كهذه حينما يكتسب الخلاص فقط وحصرياً بوساطة تحمُّل الأحزان بلا تذمُّر وعن طريق الإيمان بالله وترجي رحمته . ليس في إمكان أحد بعد أن يخلص بطريقةٍ أخرى . فإنَّه لم يتبقى سوى طريقٍ واحدٍ وحيدٍ للخلاص وهو طريق تحمُّل الأحزان ...."

" إنَّ الإنسان الّذي ينقصه التواضع ليس بإمكانه أن يحصل بدون أيَّ ضررٍ على أيَّة مواهب إلهيَّة . ولذلك قد تمَّ التنبؤ بأنه في الأزمنة الأخيرة وبسبب الكبرياء المتفاقمة سيخلِّص الناس فقط عن طريق تحمُّل الأحزان والأمراض وأما جهاداتهم فتؤخذ منهم." ( 16 ص 70، 116 ).

" إنَّ الأحزان هي مصير مميز من مصائر عصرنا الّذي لم يُعطى له لا جهاد الاستشهاد ولا جهاد الرهبنة . لقد أُعطِيَ لنا نحن مسيحيو الزمن الأخير حصة الأحزان التي هي على ما يبدو صغيرةً وحقيرة . ولكنَّ مقياسها هو عند الله !" ( 9 الجزء الرابع ص 462 ).

" يجب علينا أن نفهم روح العصر وألا ننجرَّ وراء مفاهيم وانطباعاتٍ سابقة التي من المستحيل تحقيقها حالياً..."

يجب علينا أن نتوب وأن نصلي ونحفظ أنفسنا من الافتتان الروحي ، لأنه في عصرنا القسم الأكبر من الراغبين في العيشة الفضلى والمتوهمين أنفسهم بأنهم يعيشون حياة الفضيلة هم مشتعلين من الماديات وهم قابعون بدرجةٍ أو أقلَّ في الافتتان الذاتي ." ( 12 الرسالة 188 ).

وإليكم أفكار أب معاصر لنا الكاهن المتوحد سيرافيم روز الّذي عاش في أميريكا ( رقد سنة 1982 ):

" بما أنه أصبحت ترجمة الكتب الأرثوذكسية متاحةً أكثر فأكثر وأما المصطلحات الأرثوذكسية حول المعركة الروحيَّة فتحوم حولنا أكثر فأكثر ويتكلَّم أكثر فأكثر عدد من الناس عن الصوفية وحول صلاة يسوع والحياة النسكية وعن حالات صلاتية رفيعة وحول الآباء القدِّيسون الأكثر سمواً من أمثال القدِّيسين سمعان اللاهوتي الحديث ، غريغوريوس بالاماس أو غريغوريوس السينائي . فمن المستحسن جدَّاً أن تُعرف هذه الجهة السامية بالحقيقة من الحياة الروحية الأرثوذكسية وأن يُكرَّم القدِّيسون العظام الّذين عاشوا بالحقيقة حياةً مثل هذه ، ولكنَّنا إن لم نمتلك وعياً واقعياً ومتواضعاً جدَّاً فيا لبعدنا عن حياة الصوفيين ( النساك ) ويا لقلَّة استعدادنا حتى للاقتراب منها ، إنَّ اهتمامنا بها سيكون تعبيراً آخر فقط عن عالمنا الأنركزي ( تركيب مؤلف من الأنا والمركزية ) المصطنع ...

يجب علينا أن نعي حقيقةً في أية أزمنة نعيش ومدى قلة معرفتنا وشعورنا بأرثوذكسيتنا في الواقع ومدى بعدنا لا عن القدِّيسين القدماء فحسب بل حتى عن المسيحيين الأرثوذكسيين العاديين الّذين عاشوا قبل مئة سنة أو حتى قبل جيل واحد من قبلنا ومدى القوة التي بها يجب علينا أن نسعى اليوم لكي نبقى مسيحيين أرثوذكسيين ..." ( 19 ص 61 ).

وهكذا فإنَّ آباء الزمن الأخير كانوا يقولون غالباً بأنَّ عصرنا هو عصرٌ صعبٌ وشرِّيرٌ للخلاص وبأنه قد انتشرت كثيراً المراءاة وبأنَّ الفضيلة الحقيقية قد فقدت تقريباً وبأنَّ أغلبية المسيحيين يعيشون حياة الفضيلة الخارجية فقط وأما قلوبهم فقد انفصلت عن الله واستُعبِدت من الأرض من هذا العالم الفاني وبأنَّ التظاهر قد صار مسكونياً وبأنه لا أحد يبحث بعد عن الإلهي بل كلُّ واحد يبحث عما يريحه هو نفسه . وتقف حالياً أمام كلِّ مؤمنٍ المهمة العسيرة في البحث والتنقيب ضمن هذه الفوضى من الأعمال والأقوال الإنسانية الكاذبة في هذا الخليط من الكذب والحقيقة عن تلك الحقيقة التي وحدها يمكنها أن تخلِّص وتشفي – تلك الحقيقة قريبةٌ إنها أبداً لن تنتهي ولكنَّ ثمةَ الكثير من الحقائق الكاذبة تحاول تظليلها وأن توهمنا بأنهم هم الحقيقة بالذات الّتي نحن بحاجةٍ إليها . إنه داخل وخارج نفسنا يتمُّ فعل عدائي يجتهد العدوُّ في تبديل الإيمان الأرثوذكسي وروحه بتزوير دقيقٍ ورائعٍ له وأن يرغمنا على أن نقوم ولو بخطوةٍ صغيرةٍ متطرفة عن الطريق الضيق وأن يسحبنا من هنالك إلى طريق الإلحاد .

إنه من المهم على وجه الخصوص أن نتعلم الآن فهم وتطبيق كتابات الآباء القدِّيسين في حياتنا وأن نقتني لأنفسنا روحهم إذ أنه روح الإنجيل . لقد تمم الآباء بحياتهم وأعمالهم وأقوالهم وإحساساتهم التعليم الإنجيلي إنهم قد اقتنوه بوضوحٍ وشرحوه بالتفصيل في كتبهم . إنه من المستحيل بالنسبة لنا أن نفهم وأكثر من ذلك أن نطبِّق وصايا الإنجيل بدون تجربة الآباء القدِّيسين ، فإنَّنا لا محالة سوف نضيع منذ بداية طريقنا . وإنَّ كلمة الآباء القدِّيسين ذاتها تصلنا بصعوبةٍ كبيرةٍ جدَّاً بعد فإنَّنا قد توقفنا عن فهم الآباء القدِّيسين . إنَّ جهاداتهم هي في كثيرٍ من الأحوال عسرةٌ علينا ، حيث أنَّ ذلك الإيمان الغير المتزعزع الّذي كان يمنحهم القدرة على صنع العجائب لا نجدها بعد حالياً ، كما أنَّ بساطتهم وطهارة ذهنهم وقلبهم تبدو بالنسبة لنا صعبة المنال وإنَّ إنكارهم للعالم وعدم اتكالهم على الناس وازدرائهم بالجسديات وسعيهم نحو السماويات هي بالكاد مستحيلة بالنسبة لنا . ولكن بالرغم من ذلك كلِّه فإنَّ روح الآباء القدِّيسين وعملهم الداخلي وتوجههم الرئيسي وهدف أعمالهم ( مؤلفاتهم ) تبقى ضرورية بالنسبة لنا . إنَّنا لا نستطيع أن نسير بكلِّ هذه اليقظة كما ساروا هم بها ، أن نحتمل الأعباء ذاتها ونأسر العلويات ذاتها ولكنَّه يمكننا ومن الواجب علينا أن يكون لدينا نفس اتجاه مسلكهم ونفس الأهداف وأن نحدِّد قيمة وفائدة كلَّ شيءٍ بمقياس الآباء وأن نعدَّ مضراً وغير مفيد ذلك الشيء الّذي كانوا هم أيضاً يصونون أنفسهم منه .