كيف يمكن للأبالسة أن يوقعونا في شباكهم مقدِّمين لنا الخير في الظاهر؟
إنه بالرغم من أنه يمكن للأعمال الأكثر صلاحاً ألا تمنَّ لنفسنا بفائدة ما بل وحتى يمكن لها أن تضرَّ بها بل وإنه ليس من الإمكان أيضاً البقاء بدون الأعمال الخارجية ومن دون الإرغام الذاتي إلى السواعي والأتعاب الروحية المفيدة للنفس ، كما أنَّه يستحيل أن يكون للحياة الروحية الداخلية وجود من دون هكذا أعمال . يجب أن يُصطاد وأن يُعثر على ذلك الرابط السري والمقدَّس ما بين الأمر الخارجي والأمر الداخلي وكلٌّ من الأمرين يتكاملان معاً ويتعاضدان معاً كما ويمكن التوصل إلى ذلك عن طريق الخبرة الروحية ، وبوساطة الصلاة ، يُعطى الباحث والسائل نعمةً الله . كي تتوصل أعمالنا إلى هدفها الرئيسي أي إلى تقويم وشفاء إنساننا الداخلي وكيلا تكون مجرَّد طرقٍ في الهواء لا معنى له ( 1كورنثوس9: 26 ) ، فإنه من الضروري أن نتتبع بانتباهٍ كلَّ حركةٍ من حركاتِ القلبِ ، وأن نجتهد دوماً في ملاحظة أية فكرٍ وأية شعور ينشأ في نفسنا واقتادونا إلى تصرُّفٍ أو آخر ما ، وقولٍ ورغبةٍ ما ونحكم من ذلك ما المفيد وما المضر بالنسبة لنا . إنَّه لو أنصتنا هكذا إلى أنفسنا ، سوف نكتشف بأنَّه ليس كلَّ تصرُّفٍ ممدوحٍ في الظاهر هو خيِّرٌ بالحقيقة وأنَّ الحياة الغير المتعمقة البسيطة والغير الجذابة في الظاهر هي في الواقع المفيدة للنفس .
إنه كثيراً ما يتخفى تحت قناع الأعمال الصالحة والمفيدة أمرٌ خطيرٌ وضارٌّ جدَّاً . يقول سليمان الملك في الأمثال :" تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ ." ( أمثال16: 25 ) . وكان داود الملك في المزامير :" في الطريق التي كنت أسلك فيها أخفوا ليَّ فخَّاً ." ( مزمور142: 3 ). إنَّ " هؤلاء " المقصودين في الآية هم الشياطين الّذين يُحاولون في أكثرية الأحيان أن يُوقعونا في فخاخهم مقدِّمين لنا أموراً جدُّ نافعةٍ ومنيرة وباسلة في الظاهر . وحالات سقوط المسيحيين في كثيرٍ من الأحيان المفتونين من جراء انخداعهم بسبب الفضائل الكاذبة هي أكثر بكثير من سقوطهم مغريين من جراء خطاياهم الظاهرة ، بالإضافة إلى ذلك فإنَّ الخروج من هكذا افتتان هو أصعب بكثير إذ أنه قلَّما يُرى في هذه الحالة ضرر هذا الافتتان ذاته .
يا لكثرة عدد الأمثلة الموجودة حول هذه الحالة فإنَّنا نجد خبثاً شيطانياً وشروراً شيطانية متنوعةً وأكثر حبكةً في روايات الآباء القدِّيسين وسيَرِهم . وما أكثر تلك الأحيان التي تحاول فيها هكذا نصائح خبيثة ووساوس شيطانية أن تحيد المسيحي كلَّ يومٍ وكلَّ ساعةٍ تقريباً وأن توجهه نحو الطريق المِعوج . يبدأ الأبالسة محادثتهم مع ذهننا بسهولة إذ أنهم عندئذٍ يخفون أنفسهم ويُقدِّمون نصائحهم على أنها إحدى أفكارنا الخاصة الأكثر بساطةً فقط ولذلك فكثيراً ما نكون عرضة لخطر قبول واحدة من تلك الأفكار الزاهية والمزينة والتي تعبِّر عن اندفاع النفس والتهاب الإحساس بشيء حقيقي وباستنارة خلاصية وذات نعمة . يُحاول الشياطين عادة أن يخدعونا بأفكار خدَّاعة ومشاعر كاذبة وأما المجاهدون والنساك وأولئك العلمانيون الّذين يتولون القيام بتنفيذ جهاداتٍ خاصة وكذلك أولئك الّذين لديهم بدون أية جهاد آراءً رفيعةً عن أنفسهم فيحاول الأبالسة كثيراً أن يفتنوهم بوساطة رؤىً وإعلاناتٍ كاذبة إذ أنهم يظهرون لهم في هيئة ملائكة منيرة أو في هيئة بشر . ولكن بشكلٍ عام فالفخاخ الأولى والثانية هي متآلفةٌ من حيث الطبع وإنها تلتصق بنفس الإنسان بوساطة موثوقيته السرية العميقة ببرِّه الخاص وبوساطة شعوره باستحقاقه الذاتي .
ولكي نكتسب انتباهاً ورصانةً خاصة تجاه ظواهر " منيرة " ومشرقة سواء أكانت داخلنا أو خارجنا سنأتي هنا بعضاً من روايات الآباء القدِّيسين المفيدة للغاية الّتي تكشف لنا تعدد هيئات ومكر وخبث إغواءات الأبالسة .
يقول القدِّيس إغناطيوس ( بريانشانينوف ) بأنه " ليس دائماً ما يسعى الأبالسة إلى إقحام الإنسان ليكون في شركة معها وأن يخضعوه لها بوساطة أفكار الخطيئة الظاهرة : إذ يوحي الأبالسة أولاً بأفعالٍ لا تمتلك في الظاهر ما يُدانُ عليه وغالباً ما تكون صالحةً في الظاهر وأما فيما بعدُ بعد أن تحصل على سلطانٍ على ذلك الإنسان فإنها تدفعه إلى اقتراف أعمالٍ الخطيئة والتي تتحول بالنتيجة إلى إيهام الأبالسة الأولي على ذلك الإنسان . إنَّ هذا ما يُظهر لنا مدى ضيق وحزن طريق الأفكار هذا وبأية اتزانٍ ينبغي أن نسير نحن عليه ." ( 11 المجلد 472 ص117 ).
روى أحد الشيوخ حدثاً كالحدث التالي : إنَّ أحد الشبان بعد أن حصل على سماحٍ من أبيه ترهبن في دير حيثما ابتدأ يجاهد بشدة حتى أنه أذهل رئيس الدير بسيرته الصارمة . وشرع بعد فترة وجيزة يطلب من الرئيس أن يخلي سبيله في البرية حتى يعيش هنالك كناسك . وبعد أن حصل على السماح ذهب الشابُّ إلى البرية وسكن في مكانٍ الّذي دله عليه الرب بطريقة عجيبة . سكن الراهب هناك وشرع بالجهاد وعاش في النسك وهو على هذه الحال مدة ستَّةِ سنين دون أن يلتقي بأحدٍ . وها أنه في إحدى قد جاء إليه إبليس ، لقد أخذ الشيطان هيئة أبٍ شيخ كان وجه ذلك الشيخ مريعاً . عندما رآه الأخ خاف وارتطم بوجهه على الأرض وشرع في الصلاة وبعدئذٍ استقام . فقال له إبليس :" لنصلِ قليلاً بعد يا أخي ." فصلى كلاهما وبعد أن فرغا من الصلاة سأله الشيطان :" كم من الوقت مضى على سكناك هنا؟" فأجابه ذاك :" ستُّ سنين ." فقال الشيطان:" إذن أنت تكون جاري ! إنَّني قد علمت قبيل أربعة أيام بأنَّك قاطنٌ هنا . إنَّ قلايتي لا تبعد كثيراً عن هذا المكان ، قد صار مدة إحدى عشرة سنةً لم أغادرها وإنَّني اليوم حتى خرجت منها ، بعد أن علِمت بأنك تقطن على مقربة مني . وإذ علمت ذلك قلت لنفسي : سأذهب إلى رجل الله هذا وسأتحاور معه قليلاً لفائدة أنفسنا . كما أنِّي سأخبره هذا أيضاً : أنَّ النسك لا يأتينا بأية فائدة ، إذ أنَّنا لا نشترك بجسد ودم المسيح المقدَّسين ، وبأنَّني أخشى أن نصير غرباء عن المسيح إذا ما حدنا عن هذا السر . وليكن معلوماً لديك أيُّها الأخ أنها على بعد ثلاثة أميالٍ منه يوجد دير فيه كاهنٌ : دعنا نذهب إلى هناك في يوم الأحد لكي نشترك بجسد ودم المسيح المقدَّسين ونعود بعد ذلك إلى قلالينا ." نالت هذه الفكرة استحسان الأخ . فجاء إبليس في يوم الأحد مجدداً وذهبا معاً إلى الدير ودخلا الكنيسة ووقفا ليصليا . بعد نهاية الصلاة لم يجد الأخ ذلك الّذي أتى به إلى الكنيسة وشرع يسأل الإخوة أين يكون الأنبا الّذي دخل معه إلى الكنيسة ؟ أجابه الإخوة :" إنَّنا لم نرَ أحداً ما سواك !" عرف الأخ عندئذٍ بأنَّ ذاك كان إبليساً وقال لنفسه :" أنظري يا نفس بأية حيلةٍ أخرجني الشيطان من قلايتي ! ولكن ما لي من هذا فإنَّني قد أتيت من أجل إتمام عملٍ صالحٍ ؛ إذ أنَّني سأتناول جسد ودم المسيح ومن ثَمَّ أعود إلى قلايتي . لقد تناول الأخ ، فاضطُرَّ بعدئذٍ أن يتقاسم المائدة مع الإخوة الّذين في الدير وعاد في النهاية إلى قلايته .
مضت فترة من الوقت فجاء إليه إبليس مجدداً ولكن هذه المرة على هيئة شاب علماني شرع في التحديق به من أعلى رأسه حتى أسفل قدميه ثمَّ قال:" إنَّه هو !" ثمَّ بعدئذٍ بدأ يتطلع فيه مجدداً . فسأل الأخ:" لماذا تحدِّق بي؟" أجابه ذلك الشاب :" أظنُّ بأنَّك لا تستطيع أن تتعرف عليَّ . وبالأحرى كيف لك أن تعرفني بعد كلِّ تلك الفترة ! أنا جار أبيك ابن فلانٍ . نعم أجل ! ألا يُدعى أبوك فلان بن فلان؟ أما اسم أليس أمك فلانة ؟ وتُدعى أختك فلانة . وكان اسمك السابق فلان . قد ماتت أمك وأختك قبل ثلاث سنين وأما أبوك فقد مات قبل فترة وجيزة بعد أن جعلك وريثاً له إذ قال :" لمن سأترك إرثي سوى لابني الّذي ترك العالم وهو الآن يعيش كناسك من أجل الله . له أعطي جميع خيراتي ." ثمَّ ترجانا أن نعثر عليك ونخبرك حتى تأتيَ وتقبل الإرث وتوزعه على الفقراء والمساكين وتقدمه عن نفسك ونفسه . لقد بحث عنك الكثيرون ولم يجدوك ، وأما أنا فإذ قد أتيت إلى هنا من أجل عملٍ ما يخصُّني سمعت عنك . لا تتلكأ ! اذهب وبع كلَّ شيءٍ وتمِّم وصية أبيك ." أجاب الأخ:" لا يحلُّ لي أن أعود إلى العالم ." فقال له الشيطان :" إذا لم تذهب فسوف يخرب الميراث ، وأما أنت فستعطي حساباً على ذلك أمام الله . وما الضرر مما أقوله لك:" اذهب ووزع الميراث على المساكين واليتامى كيلا يتمكن الزناة والناس الملتوون من هدر ما تبقى منه للفقراء؟..." وبعد أن أغوى الشيطان الأخ بهكذا أقوال عاد به إلى العالم وأرسله إلى المدينة وغادره من فوره . أراد الراهب الدخول إلى بيت أبيه المفترض موته وها أنَّ أبوه بذاته قد خرج في استقباله . عندما أبصره أبوه لم يعرفه وسأله بخشونة :" من أنت؟" فاضطرب الراهب ولم يستطع أن يُجيبه بشيءٍ . فشرع والده يسأله حينئذٍ أجاب الراهب باضطرابٍ :" أنا هو ابنك ." ردَّ الوالد على ذلك:" ولأية علة عدت إلى هنا؟" فاستحى الراهب من إخباره بالعلة الحقيقية لعودته وإنما قال :" إنَّ محبتي تجاهك قد جعلتني أعود لأنَّه قد تاقت نفسي جداً إليك ." بقي الراهب في بيت أبيه ؛ وبعد فترة من الزمن سقط في فعل الزنى ونال عقاباً صارماً من أبيه . يا للمسكين ! فإنَّه لم يرجع إلى التوبة بل بقي في العالم ." ( 11 المجلدات 453-456 ص9 ).
ويشير القدِّيس إغناطيوس بريانشانينوف الروسي تعقيباً على هذه الرواية إلى أنَّ السبب الرئيس لسقوط الراهب كان نسكه السابق لأوانه والمتعمَّد ، الّذي لم ينضج له بعد . كذلك ينوِّه القدِّيس بأنَّ غالباً ما يتعامل إبليس مع النساك بشكلٍ ظاهري مكشوف وأما مع أولئك القاطنين في المساكن العامة فيتعامل عادة بالأفكار ولكن هذه المعاملات هي متشابهة في الواقع . يستعمل الشيطان غالباً لكي يهلك الإنسان المقدِّمات الأكثر صلاحية في الظاهر واصفاً صلاحاً مليئاً بالحيوية والغنى والمنفعة ولكنه في الواقع يدفعه نحو ارتكاب الخطايا الجمة والهلاك .
يا لمدى خبث خبثِ ودراية العدو ! فكأنَّ خروج الناسك للمرة الأولى من قلايته لم يؤدي إلى أية كارثة حتى أنه وللوهلة الأولى قد انتهى بمنفعةٍ كبرى . ولكنَّ الضرر كان يكمن في ذلك أنه قد أُخذ من النفس انتباهها الخلاصي ، وأُظهِرَ لها بأنَّ الخروج ليس فيه شيءٌ من الخطورة . وهكذا يمكن للشيطان أن يُهيأ ضحيته لمدة طويلة مخرجاً إياها في الغالب إلى مسلك الهلاك بعد أن يخفي عنها كلَّ ضررٍ وراسماً لها كل استحقاقاتٍ على ذلك الدرب حتى يتمكن أخيراً من إصابة الوقت المناسب الّذي يمكنه أن يضرُّ فيه بدون إمكانية الإصلاح المسيحي الفاقد حذره الخاص .
يُذكِّرنا الأسقف إغناطيوس بريانشانينوف الروسي بالتجربة التي لحقت ببطرس الآثوسي البار . فقد جُرِّب هذا الشيخ من روح شرير أيضاً الّذي قدَّم له ذاته على أنه أحد أقربائه وكان يقنعه بالأقوال المعسولة أن يترك حياة السكينة ويذهب إلى وطنه حتى يقوم بتخليص مواطنيه الهالكين هناك . رفض القدِّيس بطرس الآثوسي ذلك الإغواء وأخزى الشيطان . يقول القدِّيس إغناطيوس بريانشانينوف الروسي :" كان بإمكان القدِّيسين أن يُعاكسوا تهجمات العدو بفضل رحمة الله وحدها فقط الساكنة في القدِّيسين وتنيرهم : كيف لنا أن نحتمل تلك التهجمات حينما يكون لدينا الغرور الذاتي الأعمى وبلادة العقل الإرادية والرأي الذاتي الّذي يلاطفنا ويخدعنا على الدوام؟ كيف لنا أن نحتمل هذه الهجمات حينما يتواجد إنساننا الداخلي في ظلمةٍ روحية وأسرِ الشيطان؟ يتوجب عليه التنويه بأنَّ الحق الذي يُبشَّر به من قبل الحكمة الجسدية يتآلف مع حقِّ العالم المعادي لله ويتناقض مع الحق الإنجيلي ." ( المجلد الأول ص458 ).
ويروي القدِّيس عينه أيضاً عن حدث آخر للتجربة الشيطانية : كان الأبالسة يظهرون لأحد الإخوة متخذين هيئة ملائكة ويوقظونه ويظهرون له النور ويدعونه لحضور القداس الإلهي / يا للخبث ! لن يشكَّ كثيرون منا اليوم في أنَّ الّذي يظهر هم ملائكة النور ويوقظوننا للصلاة في منتصف الليل ويدعوننا لحضور القداس الإلهي؟ اليوم سيستجيب الكثيرون بدون أية تفكير لتلك الدعوة ./ لكنَّ ذلك الأخ فبعد أن طلب نصيحة شيخه أخزى الأبالسة ولم يسمع لهم بالرغم من أنهم كانوا يعرضون عليه الصلاح للوهلة الأولى . حينئذٍ ابتدأ الأبالسة يفترون في حضرته على الشيخ الّذي كشف له حبائكهم. لقد قالوا للأخ:" إنَّ شيخك لمرائي فقد كان لديه المال ولم يقرض أحد الإخوة بعد أن قال له بأنَّ ليس لديه مال ." قصَّ الأخ في الصباح التالي على الشيخ هذا الأمر أيضاً . فقال له الشيخ :" في أنه كان لدي مال فهذا صحيح وأمَّا في أنَّني لم أقرض الأخ الذي طلب مني فإني لم أعطه لأنني كنت أعلم أنه لو أعطيته لكان ذلك قد سبب الضرر لنفسه . وقررت بأنه لو عصيت وصية واحدة من وصايا الله أفضل من أن أعصي الوصايا العشرة معاً . فإنه من هذا الأمر الصغير يمكن أن يحصل اضطراب كبير ولكان مسببه هو المال . وأما أنت فلا تسمع للأبالسة الّذين يرغبون في إغوائك ..."
يُعلق سيدنا إغناطيوس على هذه الرواية قائلاً :" لا يجب علينا أن ننجرَّ وراء الفضائل التي يقترحها علينا الأبالسة مهما كانت ساميةً ومشرقةً يجب علينا أن نرفض كلَّ شيءٍ بغضِّ النظر عن إذا كان معروضاً من قبل الأبالسة أم لا . إنَّ الخضوع الطوعي للأبالسة بالرغم من كونه أنه قد يحصل بدعوة وإصرار منهم يُخضع الإنسان لهم ويحرمه من حريته الروحية جاعلاً إياه أداةً للأبالسة ! هذه كارثةٌ تشمل العالم ولا تُفهم من قبل العالم ." ( 11 الصفحات 466-467 ص110 ).
أحداثاً مثيرةً وذات عبرةٍ كبيرةٍ يقصُّها لنا أحد الرهبان الآثوسيين الّذي عاش خلال القرن التاسع عشر في جبل آثوس وكان قد زار الكثير من الأماكن الرائعة هناك فوصف انطباعاته ضمن رسائل أرسلها إلى أصدقائه في روسيا .
كان كاتب هذه الرسائل في إحدى المرات ذاهباً مع راهبٍ آثوسيٍّ آخرَ إلى قلايته . مرَّ الاثنان بمجاراة صخرة ضخمة كانت تتربع فوق الهوة فقصَّ عليه ذلك الراهب قصة هذا المكان . قبل نهاية الحرب التركية الأخيرة كان أحد الرهبان اليونانيين يعتني بخلاص نفسه في هذا المكان ، والّذي كان ينحدر من عائلة يونانية نبيلة ولكنه بعد أن تنازل عن جميع حقوقه بالمجد والكرامة في العالم ، اختار ذلك الإنسان حياة البرية . لعله كان مقتدراً جداً في جهاده الروحي وإلا ما كان ليُغضِب الشيطان . لأنَّ جميع المحاولات ليحاربه بالأفكار ضاعت سدىً ، فاكتشف الشيطان مكان ضعفه فجعل ذهنه وقلبه الخاصان به أداة لسقوطه الخاص . ملأ الشيطان رأس الراهب بأفكار عن سمو جهاده الروحي وأقنع ذهنه بعد أن عرض عليه تنوع الجهاد وصرامته وكثرتهما وهكذا رويداً ، رويداً قاد الشيطان ذلك المسكين إلى هكذا ضلال حتى أنه بدأ يرغب في مشاهدة رؤى سرية ومحاولاتٍ علنيةٍ لظهورات العالم الروحي . عندما تأصلت الكبرياء والغرور إلى حد عميقٍ للغاية فيه ابتدأ الشيطان يعمل بحزم في الناسك ! إذ أنه بدأ يظهر للناسك على هيئة ملاكٍ ويُحاوره . كان المسكين يصدِّق الأقوال الملائكية وفكره الخاص إلى حدِّ أنه رغب في أن يخدم الكنيسة برتبة رئيس الأساقفة الّتي بحسب قول الملاك كان الناسك مستحقاً لها منذ زمنٍ بعيد وكان قد كُتِبَ له أن يقبله من قبل الرَّبِّ نفسه . كان مقام أقربائه في العالم يشغل باله بشكلٍ مبالغ فيه جداً وكان مجد اسمهم في العالم يحكُّ فكر الناسك الّذي قد نسي ذاته . لم ينقصه شيءٌ سوى مناسبةٌ التي بإمكانها إخراج الناسك إلى العالم.... ولكن بالنسبة للشيطان فلم يكن ذلك بالأمر العسير . في إحدى المرات عندما كان الناسك مشغولاً للغاية بأفكاره حول مقامه المستقبلي العظيم الشأن متفكراً في إيجاد وسائل ليصل إلى هدفه المنشود وريثما كان متعمقاً في فكره ، طرق على عصابة عتبة قلايته . فذُعِرَ الناسك ورسم إشارة الصليب وذهب ليفتح الباب متلفظاً بصلاة:
- من هناك؟ - استفسر الناسك
أجابوه:- نحن فولانيون نحن آتون من وطنك وقد أحضرنا سجدةً من أقربائك مع شيءٍ آخر أيضاً . لقد جئنا إلينا بطلبٍ هام ائذُن لنا أن ندخل ونتحدث معك ، أيُّها الأب القدِّيس .
فتح الناسك الباب فسلِّم عليه الغريبان بإكرامٍ .
- تفضَّلا – قال الناسك بتواضعٍ وهو يفتح الباب .
فدخل الغريبان جعل ربُّ البيت الضيفان يجلسان على أريكة الحصير وجلس هو بنفسه قبالتهما . سأل الناسك في النهاية عن سبب زيارتهما ، وأما الغريبان فأجابا :
- هوذا ما لدينا أن نقوله لك ، أيها الأب القدِّيس : أنت تعرف كم نحن نعاني تحت ظلم الباب العالي وكم نحن مظلومون وكم هي مظلومةٌ عائلاتنا وإيماننا وكنيستنا ذاتها... وبالطبع فأنت تعلم بهذا....
- نعم وهو كذلك – قال الناسك متفوهاً بشعورٍ من الغم- وماذا في ذلك؟

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات