" وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ . قَائِلاً : " تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ . فَإِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي قِيلَ عَنْهُ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ : صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ : أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ . اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً " . وَيُوحَنَّا هَذَا كَانَ لِبَاسُهُ مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ وَعَلَى حَقْوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ . وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَاداً وَعَسَلاً بَرِّيّاً . حِينَئِذٍ خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنّ . وَإعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ " ( متى 3 : 1 ـ 6 ) ؛ ( مرقس 1 : 1 ـ 6 ) ؛ ( لوقا 3 : 1 ـ 6 ) .
يُحدد القديس لوقا زمان ظهوره بدقة بالغة ، وكان الشعب فى مذلة رهيبة وكان الرومان يسيطرون على اليهودية حتى فى الأمور الدينية إذ أقال الحاكم الرومانى رئيس الكهنة " حنان " وأقام " قيافا " عوضاً عنه ، فى هذا الوقت كان الرب يُدبر لهم ما هو أعظم ، لا أن يُحطم المملكة الرومانية ويُقيم إسرائيل من مذلة زمنية وإنما يهيئ الطريق لإسرائيل كما للرومان لكى يقبلا العضوية فى جسد المسيح المُقدّس .
وظهر يوحنا للشعب وهو فى سن الثلاثين وهو سن بداية الخدمة له ككاهن من نسل هارون ( عدد 4 : 3 ، 23 ، 30 ، 35 ، 39 ، 43 ، 47 ) ؛ ( 1 أيام 23 : 3 ) .
جاء تحقيقاً للنبوءة :
" صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ : أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ ، مهدوا سبله ، كل واد سيمتلئ وَكُلُّ جَبَلٍ وكل تل سيَنْخَفِضُ ، والطرق المتعرجة ستصبح مُسْتَقِيمة ، والوعرة ستصبح مستوية ، وسيبصر كل بشر خلاص الله " ( إشعياء 40 : 3 ـ 5 ) .
التشبيه هنا يشير إلى تضاريس الأرض للمرتحل على الطريق غير المعبَّد . وهنا التعبير عميق وشعرى ، فالرب لا يريد أن يتعامل مع شعب انحطَّت نفسه وصارت روحه دون المستوى ، وحقًّا جاء المعمدان وصرخ فى المنبطحين على بطونهم أرضاً ليقوموا ويستقيموا ويرفعوا الرؤوس ، فنجاتهم قد قربت والفادى أشرقت أنوار أمجاده .
" وَكُلُّ جَبَلٍ وكل تل سيَنْخَفِضُ " .
إسرائيل لا يوجد فيها جبال عالية إلاَّ فى الأطراف ، أمَّا أرضها فيعلوها تلال وآكام فقط . يقصد بكلمة سينخفض تواضع النفوس العالية والمتعظمة بنفسها حتى تتقبَّل روح وداعة المسيح وتواضع نفسه المنسحقة ليحل الروح القدس بلا مانع . وهذا مطلع نشيد التعظيم للعذراء القديسة الذى أوله " تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ ... " : " أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ " ( لوقا 1 : 52 ) . هذا كان موضوع إحتداد المعمدان وصرخاته النارية فى وجوه المتكبرين ببرهم وعلمهم ومعرفتهم :
" وَكَانَ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ الَّذِينَ خَرَجُوا لِيَعْتَمِدُوا مِنْهُ : " يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي ؟ ... وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ " ( لوقا 3 : 7 ، 9 ) .
" فَاصْنَعُوا أَثْمَاراً تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ . ولاَ تَبْتَدِئُوا تَقُولُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ : لَنَا إِبْرَاهِيمُ أَباً . لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هَذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَداً لإِبْرَاهِيمَ " ( لوقا 3 : 8 ) .
أما الطرق المتعرجة فهى النفوس الملتوية ، التى تتكلَّم بلسانين وتسلك بوجهين وتلعب على الصفين وتُدلي برأيين ، تمسك بالرأس والذيل معاً ، وتطمح بأن تكسب الدنيا والآخرة معاً ، وترضى الله والشيطان ، تزنى وتقف فى الهيكل تصلّى ، تأكل بيوت الفقراء والأرامل وترفع يديها تصلِّى وتزيد الصلاة لتأخذ المزيد . تضحك فى الوجه والخنجر معدّ باليد ، تسرق كل ما يقع فى الصندوق وتدافع عن الأمانة والشرف والحق . ومن أجل الفضة تخون الشرف والإيمان وحق المسيح .
كلمة " كل بشر " الواردة فى نبوءة إشعياء النبى تعنى أن الخلاص صار للجميع ، اليهود والرومان وكل الأجناس ولا يقتصر على جنس دون غيره :
" كُلُّ الأُمَمِ الَّذِينَ صَنَعْتَهُمْ يَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَكَ يَا رَبُّ وَيُمَجِّدُونَ اسْمَكَ "( مزمور 86 : 9 ) .
كما نرى فى أيامنا : دائماً يسبق الرئيس أو الملك موكب متقدم أمامه ، كان هكذا الحال فى كل العصور السابقة يسبق الملك منادون يمهدون الطريق أمامه . هكذا الله الكلمة المتجسد كان لا بد له من سابق يُعد الطريق امامه ، ويهيئ القلوب لإستقبال ملكوت السماوات القادم ، وينادى بما يلزم لهذا الملكوت وهو التوبة من كل القلب . لهذا جاء القديس يوحنا المعمدان ينادى بالتوبة " توبوا فقد إقترب ملكوت السماوات " ، وتعبير " ملكوت السماوات " هنا يُعبر عن تأسيس ملكوت مضاد ومقابل لمُلك الشيطان الذى ساد بخطيئة أبينا آدم ، جاء ينادى بالإستعداد لقبول هذا الملكوت ، فهو ليس مفروضاً على الناس ولكن الإنسان بحرية إختياره وقبول قلبه يقبل أو يرفض ، ولكن الله لا يملك على قلوب مليئة بالخطيئة والدنس ، إنما يملك فقط على القلوب الطاهرة والنقية . من أجل هذا جاء القديس يوحنا ينادى بالتوبة إعداداً للقلوب لتقبل ملكوت السماوات الذى اقترب مجيئه بتقويم الضمائر الملتوية ، وتمهيد الأفكار غير المستوية ، وتطهير المشاعر الدنسة والنجسة مما تزخر به من دنس ونجاسة .
كانت كلماته بلا تنميق بشرى أو مداهنة لأحد ، كان كأسد يزأر فى برية العالم الموحشة التى خلت من الثمر الجيد بفعل الخطيئة ، وجاء إليه أهل أورشليم واليهودية والأرجاء المحيطة ، جاءوا إليه ليقودهم إلى التوبة لا لكى يُعاقبوا وإنما من خلال التوبة يدينون أنفسهم مسرعين لنوال المغفرة ، فبدون إدانة الإنسان لنفسه لن يتوب أبداً وبالتالى لن يطلب المغفرة ، وبعدم طلبه للمغفرة لن ينالها ، ولن ينال نعمة الله . وكان الناس ينالون المعمودية معترفين بخطاياهم .
الدعوة كانت متجهة إلى التوبة العملية والسلوك ، دعوة لترك التعوج فى الحياة الروحية والسلوك بثبات فيها .
إرسالية المعمدان كانت هي التوبة تماماً كما وصفها ملاخي النبى في آخر نبوَّته : فإمَّا التوبة ومصالحة قلوب الآباء على الأبناء وقلوب الأبناء على الآباء وإلاَّ تحل العقوبة العادلة ! .
جاء يوحنا المعمدان أمام الرب تحقيقاً للوعد الإلهى :
" ها أنذا أُرْسِلُ مَلاَكِى فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِى . وَيَأْتِى بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِى تَطْلُبُونَهُ وَمَلاَكُ الْعَهْدِ الَّذِى تُسَرُّونَ بِهِ . هُوَذَا يَأْتِى قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ " ( ملاخى 3 : 1 ) .
"ها أنذا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا النَّبِىَّ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَالْمَخُوفِ . فَيَرُدُّ قَلْبَ الآبَاءِ عَلَى الأَبْنَاءِ وَقَلْبَ الأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ . لِئَلاَّ آتِىَ وَأَضْرِبَ الأَرْضَ بِلَعْنٍ " ( ملاخى 4 : 5 ، 6 ) .
هذه الآيات تتكلم عن المجيئين الأول والثانى للسيد المسيح رب المجد حيث يأتى يوحنا المعمدان أولاً كملاك الله ( كلمة ملاك معناها رسول أو مُرْسَـلْ ) أولاً ليعد طريق الرب قبل مجيئه الأول ، ويأتى إيليا النبى بشخصه فى آخر الأيام وما قبل المجيء الثانى ليحارب الدجال بأن يرد الناس إلى الإيمان الصحيح ، وهى التى استعملها القديس مرقس فى إنجيله : " ها أنذا أرسل أمام وجهك ملاكى الذى يهيئ طريقك أمامك " ، ثم يُردفها بنبوءة إشعياء النبى : " صوت صارخ فى البرية : أعدوا طريق الرب مهدوا سبله " ( إشعياء 40 : 3 ) .
+ جاءت هذه النبوءة واضحة تماماً ، وقد تحققت فى شخص القديس يوحنا المعمدان الذى شهد للرب يسوع المسيح أنه " حمل الله الذى يرفع خطيئة العالم " ( يوحنا 1 : 29 ) . لهذا حاول اليهود أن يُقدموا تفاسير متنوعة لهذا النص فإدعى بعضهم أن ملاخى يتحدث عن نفسه كملاك الرب ، وإدعى آخرون أنه يشير إلى ملاك الموت الذى يقود الأشرار ليطرحهم فى نار جهنم .
+الأب فيكتورينوس أسقف بيتوفيم يقول : " ورأيت ملاكاً آخر صاعداً من الشرق ، له ختم الله الحى " ( رؤيا 7 : 2 ) . إنه يتحدث عن إيليا النبى ، الذى هو النذير فى أيام ضد المسيح ، وذلك لإصلاح الكنائس وتثبيتها فى مواجهة الإضطهاد العظيم المفرط . نقرأ أن هذه الأمور تـُنبّئ عنها فى فاتحة العهد القديم والعهد الجديد ؛ إذ يقول بملاخى " ها أنذا أرسل إيليا النبى قبل مجيء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف . فيرد قلب الآباء على الابناء " . حسب وقت الدعوى ، ليرد اليهود إلى إيمان الشعب الذى خلفه .
ويقول لاكتنتيوس : عند إقتراب نهاية الأزمنة ، سيرسل نبى عظيم ليحول البشر إلى معرفة الله وسينال قوة لعمل عجائب . وإذ لا يسمع له الناس سيغلق السماء ، ويجعلها تمنع مطرها ، وسيحول ماءهم إلى دم ، ويعذبهم بالعطش والجوع . وإذا سعى أحد لأذيته تخرج نار من فمه وتحرقه .
ويقول القديس هيبوليتس : إنه لأمر محتم أن البشيرين ( السابقين ) لمجيئه يجب أن يظهرا أولاً كما قيل بواسطة ملاخى والملاك ( بشارة زكريا الكاهن بميلاد يوحنا السابق ) ... إنهما ( إيليا وأخنوخ ) سيأتيان ويُعلنان عن ظهور المسيح أنه سيكون من السماء ، وسيعملان آيات ويردان الذين غـُلبوا بالشر وعدم التقوى إلى التوبة .
ويرى الأب فيكتورينوس فى هذه العبارة إشارة إلى أن عدداً كبيراً من اليهود سيقبلون الإيمان بالسيد المسيح خلال شهادة إيليا فى الأزمنة الأخيرة عند مجيء ضد المسيح .
إذن فالآيتان تتكلمان عن شخصين مختلفين ولكن لا نستطيع أن نفصل بينهما ونقول أن هذه الآية تتحدث عن القديس يوحنا المعمدان الذى كسابق يُعد طريق الرب عند مجيئه الأول وأن الآية الأخرى تتحدث عن إيليا النبى الذى سيأتى قبل المجيء الثانى للسيد المسيح . وهذان القديسان بينهما أوجه شبه عديدة . [ هذا الأمر يشابه إلى حد ما حديث رب المجد عن نهاية العالم ، وعن خراب أورشليم ( متى 24 ) ] .
إيليا النبى الذى سبق وصعد حياً بالجسد إلى السماء :
" وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا ، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِى الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ " ( 2 ـ ملوك 2 : 11 ) .
سيأتى مرة ثانية ويقوم بالمهمة الموكولة له مع أخنوخ الذى صعد حياً بالجسد أيضاً :
" وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ " ( تكوين 5 : 24 ) .
ثم : " وَمَتَى تَمَّمَا شَهَادَتَهُمَا فَالْوَحْشُ الصَّاعِدُ مِنَ الْهَاوِيَةِ سَيَصْنَعُ مَعَهُمَا حَرْباً وَيَغْلِبُهُمَا وَيَقْتُلُهُمَا " ( رؤيا 11 : 7 ) .
لأنه لا بد أن يذوقا الموت كسائر البشر إذ أنهما صعدا سابقاً إلى السماء أحياء دون أن يموتا :
" كَمَا وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الدَّيْنُونَةُ " ( عبرانيين 9 : 27 ) .
[ ما عدا الذين سيكونون أحياء وقت المجيء الثانى للرب :
" هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ : لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا وَلَكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ . فِى لَحْظَةٍ فِى طَرْفَةِ عَيْنٍ عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ . فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِى فَسَادٍ وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ " ( 1 ـ كورنثوس 15 : 51 ، 52 ) ] .
" وَيُوحَنَّا هَذَا كَانَ لِبَاسُهُ مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ " .
فى الكتاب المقدّس نرى أن ذلك كان لبس الأنبياء الخاص فى العهد القديم وكانت الثياب المصنوعة منه خشنة رخيصة يلبسها الفقراء ، والحزانى فى حالة حداد :
" وَيَكُونُ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ يَخْزُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رُؤْيَاهُ إِذَا تَنَبَّأَ وَلاَ يَلْبِسُونَ ثَوْبَ شَعْرٍ لأَجْلِ الْغِشِّ " ( زكريا 13 : 4 ) .
" ويطوق حقويه بمنطقة من جلد " .
وكان إيليا يلبس منها فقد جاء عنه :
" فَقَالُوا لَهُ : إِنَّهُ رَجُلٌ أَشْعَرُ مُتَنَطِّقٌ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقْوَيْهِ . فَقَالَ : هُوَ إِيلِيَّا التِّشْبِيُّ " ( 2 ـ ملوك 1 : 8 ) .
ولباس المعمدان الخشن تحدَّث عنه السيد المسيح : " هُوَذَا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ النَّاعِمَةَ هُمْ فِي بُيُوتِ الْمُلُوكِ " ( متى 11 : 8 ) . وأمَّا منطقة الجلد التي تشد الوسط فهى تجعل الإنسان مستقيم القامة حاضر العافية والنشاط ، قادراً على المشى مسافات طويلة . فانتفت الحاجة إلى معين . فاللبس إلى سنين .
جاء بمظهره غير المألوف وكأنه انحدر من عصور سحيقة ليظهر كضيف على عالم إسرائيل الموجوع . جاء ليكرز في برية اليهودية التي تحدها مرتفعات اليهودية من غرب ، والبحر الميت من الشرق ومنخفض وادى الأُردن من شرق أيضاً وتمتد شمالاً حتى نهر يبوق الذي يصب في الأُردن ( انظر الى خريطة المنطقة ) . وهي برية شاسعة غير مأهولة ، جيرية التربة مغطَّاة بالحصى وقطع الحجارة وصخور . ويتناثر فيها هنا وهناك مجموعات من نباتات برية وشجيرات قصيرة تحوى تحتها الثعابين والأفاعى [ الأفاعى ( متى 7:3 ) ] . وتحرك المعمدان لم يقتصر على الضفة الغربية للأُردن بل امتد حتى الضفة الشرقية على شاطئ الأُردن .
" وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَاداً وَعَسَلاً بَرِّيّاً " .
الجراد يقول البعض أنه نوع من النباتات الصحراوية ، وقيل أيضاً أنه حشرة الجراد المعروفة وقد أجازت الشريعة الموسوية أكله فكان يُشوى على النار وهو محلَّل لليهود بأمر الله :
" هَذَا مِنْهُ تَأْكُلُونَ . الْجَرَادُ عَلَى أصنافه " ( لاويين 11 : 22 ) .
وكان العسل البرى يكثر فى ذلك الحين فى شقوق الصخور فى البرية حيث كان يوحنا مُقيماً . فعلى هذا يمكن أن يقال :
" جَاءَ يُوحَنَّا لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَشْرَبُ " ( متى 11 : 18 ) .
والطعام حاضر في كل حين وطعامه جاهز عند طلبه لا يحتاج إلاَّ إلى التقاطه من على الصخور والشقوق :
" أَرْكَبَهُ عَلى مُرْتَفَعَاتِ الأَرْضِ فَأَكَل ثِمَارَ الصَّحْرَاءِ وَأَرْضَعَهُ عَسَلاً مِنْ حَجَرٍ وَزَيْتاً مِنْ صَوَّانِ الصَّخْرِ " ( تثنية 32 : 13 ) .
كان طعامه جراداً وعسلاً برياً ، وكأنه قد جذب للسيد المسيح شعوب الأمم الجافة روحياً كعسل برى يحمل عذوبة فى فم السيد ، ويحول من اليهود الذين صاروا كالجراد الساقط بسبب عدم طاعتهم للوصية إلى طعام شهى ! بمعنى آخر إذ نرفض مع يوحنا طعام العالم المبهج نكسب حتى نفوس الآخرين طعاماً شهياً للرب ! .
+ يرى القديس أمبروسيوس فى ملبس يوحنا المعمدان ومأكله كرازة نبوية عن عمل السيد المسيح ، إذ يقول : [ تنبأ بملبسه عن مجيء المسيح الذى حمل نجاسات أعمالنا النتنة ( كمنطقة من جلد الحيوانات الميتة ) وخطايا الأمم الحقيرة ( كوبر الإبل ) ، طارحًا هذا اللباس الذى لأجسادنا على الصليب . وتشير المنطقة الجلدية إلى الجلد الذى كان ثقلاً على النفس لكنه تغير بمجيء المسيح ... إذ شملنا قوة تلهبنا روحيًا فتمنطقنا بوصايا الله بروح ساهرة قوية وجسد مستعد متحرر . أما طعام يوحنا فحمل علامة على عمله وحوى سراً ... فصيد الجراد عمل باطل بلا نفع لا يصلح للطعام ، والجراد ينتقل من موضع إلى آخر بصوت مزعج . هكذا كانت شعوب الأمم كالجراد ، ليس لها عمل نافع ، ولا نشاط مثمر ، تتمتم أصواتاً بلا معنى ولا اتزان ، وتجهل الحياة ، صارت طعاماً للنبى ، إذ تجمعت ونمت وازدادت في أفواه الأنبياء ( خلال دخولهم إلى كنيسة العهد الجديد ) ... أما العسل البرى فيصور لنا عذوبة الكنيسة التى جاءت من البرية ، إذ لم تحصد أعمالها فى حدود خلايا ناموس اليهود وإنما امتدت إلى الحقول ومواضع الغابة التي سبق فامتلأت بالظلال ، كما هو مكتوب : " سمعنا به فى أفراثه ، ووجدناه فى موضع الغابة " (مزمور 132: 6 ) . كان يوحنا يأكل عسلاً بريًا إشارة إلى الشعوب التي تشبع من عسل الصخرة ، كما هو مكتوب : " ومن الصخرة كنت أشبعك عسلاً " (مزمور 81 : 16) ] . هكذا شبعت الأمم من السيد المسيح الصخرة بعسل كلماته العذبة التي سجلها بالحب على الصليب ، وبالقوة خلال قيامته المبهجة .
كانت معمودية يوحنا رمزاً للمعمودية المسيحية جاء بها يوحنا ليهيئ بها الطريق أمام معمودية العهد الجديد ، لم تكن تهب البنوة لله ، ولم تكن تحمل فى ذاتها القدرة على غفران الخطايا والتقديس ، إنما ما حملته من قوة فقد استمدته كرمز من قوة المرموز إليه . ولم تكن معمودية يوحنا بالتالى بديلاً للختان .
وعماد المعمدان قائم على اعتراف بالخطايا دون قبول نعمة ، والموت عن حياة الخطية دون قيامة . والخطية عند المعمدان هى ترك الله وعدم طاعة وصاياه . والتوبة عنده هى العودة إلى يهوه والخضوع لوصاياه . وقد مارس يوحنا المعمودية بأمر إلهى " الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ " ( يوحنا 1 : 33 ) .
هنا تتوقف قيمة مغفرة الخطايا على معنى التوبة أولاً . فالتوبة تعنى تغيير الفكر ، وإن تأملنا فى معناها فهى تعنى تغييراً فى السلوك . فلو عرفنا أن المعمدان أرسله الله لتنبيه الشعب بمجيء المسيَّا الذى بواسطته يتمُّ العهد الجديد بين الله والشعب ، العهد الذي يقوم على صلب الابن وسفك دمه كذبيحة كفَّارة لغفران خطايا الشعب ، إذا فهمنا ذلك أدركنا بغير أى مجال للشك أن التوبة على يدى المعمدان وغفران الخطايا كانت تمهيدية تؤهِّل الشعب للدخول ـ مجرد الدخول ـ فى مجال عمل الابن الكفارى لنوال مغفرة الخطايا بالدم . ومن هذا نرى أنه في الوقت الذي فيه معمودية الماء للتوبة لا ترتقي بصاحبها إلى شيء من البر أو النعمة ، نرى أن الذى إعتمد بالروح القدس ينال بر المسيح ونعمة الله ، ويرقى حتى إلى الشركة مع المسيح والجلوس معه عن يمين الآب .
إذن ، فالتوبة على يدى المعمدان والتغطيس فى الماء كانت هى بمثابة العودة من حياة الخطيئة وكل أعمالها وعاداتها . أى أن التوبة هى مجرد الرجوع أو العودة ثانية إلى الله الحىّ . وتغطيس الماء هو غسيل الجسد وبالتالى غسيل الضمير من نجاسات الخطايا المرذولة . ويكون الغفران بالتالى هو غفران خطايا البعد عن الله وخيانته . هذا يعنى أن عملية العماد على يد المعمدان بأكملها من التغطيس فى الماء والاعتراف بخطايا نجاسات الخطيئة وقبول الغفران عن كل الماضى المظلم كان تأهيلاً للدخول فى الإيمان بيسوع المسيح لقبول الفداء والخلاص وغفران الخطايا بأكملها التى اقترفها الشعب بكسره ناموس موسى ووصايا الله ، حيث يقبل الإنسان المؤمن بالمسيح الروح القدس الذى هو روح التجديد للخليقة الجديدة الروحية المعدَّة لقبول ملكوت الله .
ومعروف أن المعمودية كدعوة إلى الرجوع إلى الله ، تعطي مغفرة الخطايا ، وهذا أساس مجيء يوحنا لتنفيذ هذا الوعد الإلهى والنبوى :
" وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَهُ . لِتُعْطِيَ شَعْبَهُ مَعْرِفَةَ الْخَلاَصِ بِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُم " ( لوقا 1 : 76 ، 77 ) .
ولو أن هذا هو كارت الدخول إلى عهد النعمة حيث يُمنح مستقبلاً هذا الغفران والخلاص ، لأن معمودية يوحنا وحدها لا تعمل شيئاً إذ لابد من الإيمان بالمسيح :
" فَسَأَلَهُمْ : " فَبِمَاذَا اعْتَمَدْتُمْ ؟ " فَقَالُوا : " بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا " . فَقَالَ بُولُسُ : " إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ قَائِلاً لِلشَّعْبِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ أَيْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ " ( أعمال 19 : 3 ، 4 ) .
أمَّا فى الكنيسة فمعمودية الماء ومعمودية الروح القدس اتحدا معاً فى طقس واحد حتى صارت هبة مغفرة الخطايا وهبة الروح القدس متحدة فى العماد والإيمان معاً :
" فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ : " تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ " ( أعمال 2 : 38 ) .
ولكن وضعت الكنيسة العماد بالماء باسم الآب والابن والروح القدس معاً بالتغطيس ثلاث مرَّات ، ثم كان الأسقف فى البداية يضع يده على رأس المعمَّد ويصلِّى فيحل روح القدس . وبعدها وضعت الكنيسة سر مسحة الميرون المقدَّس الذى يتمِّمه الكاهن الآن ويسمّى مسحة الروح القدس فيحلّ على المعمَّد .
+ يقول الأب غريغوريوس ( الكبير ) : كان يوحنا يعمدّ بالماء لا بالروح القدس ، فبكونها عاجزة عن غفران الخطايا ، تغسل أجساد من يعتمدون بالماء ، أمّا نفوسهم فلا تقدر أن تغسلها . إذن لماذا كان يوحنا يعمّد ؟ ... إنه فى ميلاده كان سابقًا لمن يولد ، وبالتعميد كان سابقًا للرب الذي يعمّد ، وبكرازته صار سابقًا للمسيح ! .
كانت معمودية يوحنا أشبه بالغسلات والتطهيرات التى كانت رمزاً لتطهير الروح ، ولكنها كانت أعظم فهى إشارة للتوبة ونوال الغفران وإشارة إلى المعمودية المسيحية .
كانت التوبة على يدى يوحنا المعمدان تمهيدية تؤهل الشعب للدخول ( مجرد الدخول ) فى مجال عمل الابن الكفارى لنوال مغفرة الخطايا بالدم .