يوحنا فم الذهب
مولده وصباه:
ولد يوحنا في انطاكية[1] عاصمة سوريا سنة 344 من أب اسمه سيكوندوس والذي كان قائد القوات الرومانية في سورية، ومن ام اسمها أنثوسا. توفي والده بعد مدة صغيرة من زواجه، وعندما اصبحت امه انثوسا ارملة قامت بتكريس حياتها لاعالة ابنها الوحيد يوحنا. وقد حدثنا يوحنا عن أمه، قال: "كانت تقول لي: يا ولدي، لم أتمتع الا قليلاً بالحياة مع أبيك، وقد سلبتني العناية الالهية سريعاً هذه السعادة. وتضافرت آلام موت والدك مع أوجاعي في ولادتك. انها آلام لا يعرفها الا من مارسها. ليس من كلمات تقدر أن تعبر عن الاضطرابات والعواصف التي تتعرض لها صبية فقيرة في الخبرة اذ تجابهها مصيبة جامعة للعنف والفجأة فتلقي ذاتها ازاء واجبات لا تتوافق مع طبيعتها وعمرها: تلاقي اهمال الخدم، وتعمل لاحباط أحابيلهم وحيلهم، والصمود لمناورات الاقارب، وللانتصار على جشع جباة الضرائب ..."[2]
ملامحه:
كان قصير القامة، أصلع الرأس، نحيلا غائر الخدين والعينين، عريض الجبين أجعده وكان صوته عذبا لكنه ضئيلا.[3]
تحصيله وأصدقائه:
درس يوحنا اللغة والبيان في مدرسة الفيلسوف ليبانيوس[4] والذي ترك أثراً لا يمحى في نفس الذهبي الفم[5]. اذ كتب له معلمه ليبانيوس: " ... بلغني خطابك اللبق الرائع. لقد عرضته على اناس متضلعين في الفصاحة فأبدوا جميعهم اعجاباً لدى قراءته ... معبرين بشتى الحركات العفوية عما ينتابهم من نشوة واستثارة. اني فخور بك لان قواعد الفصاحة متالقة باحلى مظاهرها في هذا الخطاب الذي جاء مثالاً يحتذى".[6] فأجاد القديس يوحنا اللغة اليونانية التي ساعدته كثيراً في مواعظه وشروحاته. ودرس الفلسفة على يد انذورغاثيوس في أنطاكية أيضاً. شغف يوحنا بأشعار الأقدمين وأقاصيصهم. ومن أكثر أصحابه المقربين كان باسيليوس[7] الذي أصبح أسقف رفنية[8] قريباً من مصياف[9].
أحب القديس يوحنا مسقط رأسه أنطاكية كما كان يحب الطبيعة، حيث كان هذا الحب يتحول إلى حب روحيّ في صلاته، فقد قال في الطبيعة: "المروج حسنة، والبساتين جميلة، لكن قراءة الكتاب المقدس أجمل وأحسن. هنالك ترى الأزهار التي تذوي وتذبل، وهنا الأفكار تزهر. هنالك يهب النسيم، وهنا روح الله. هنالك السياج شوك، وهنا عناية الله سورنا. هنالك قرّة العين، وهنا منافع القراءة. البستان محدود محصور، والكتب المقدسة منتشرة في الأرض كلها. البستان عرضة لتأثير الفصول، والكتب المقدس لا يؤثّر فيها صيف، ولا شتاء، بل هي على الدوام مورقة حاملة الأثمار".[10]
زهده وورعه:
درس يوحنا المحاماة وبهر زملاءه بفصاحته وبلاغته. ثم رغب فجأة بتركها. وكان ملاتيوس الجليل أسقف أنطاكية يراقب تقدم يوحنا في العلم. فلما تيقن من زهد يوحنا وضعه في دار الأسقفية ثلاث سنوات ثم منحه سر المعمودية ورقّأه إلى درجة القارئ سنة 367.
ثم أنشأ يوحنا بالاشتراك مع صديقه باسيليوس أخوية نسكية ضمت بعض رفاقهما في التلمذة وأنشأ ثلاثة كتب في إطراء السيرة النسكية، لا تزال من أفضل ما صُنف في موضوعها.
__________________________________________________ _______
[1] انطاكية: أسس مدينة أنطاكية سنة 300 قبل الميلاد احد خلفاء الاسكندر الكبير سلوقس وسماها باسم والده انطيوخوس، وتقع في الزاوية الحادثة من تقاطع سوريا بآسيا الصغرى، عند الفتحة الواقعة بين جبال سوريا وطوروس. وكانت انطاكية في العصر الاول المسيحي عاصمة الشرق، وعروس المدائن، ومقر للعبادات الوثنية. وقد احتلت المكانة الثالثة بعد روما عاصمة الامبراطورية الرومانية والاسكندرية، أعظم مرفأ لها في البحر المتوسط. وكان عدد سكانها في عهد القديس يوحنا يساوي المئتي ألف.
[2] الأب الياس كويتر المخلّصي، خطيب الكنيسة الأعظم القديس يوحنا فم الذهب، ص 22.
[3]http://www.johnchrysostom.org/life/index.html
[4] كان ليبانيوس من أعظم خطباء عصره. فقد كان خطيب مدينة أنطاكية في كل مناسبة مهمة وممثلها في الأوقات الحرجة، فقد كان أستاذاً مدرباً فهيماً يعرف أن يكتشف المواهب عند تلاميذه فقد اكتشف هذا الفيلسوف السوري مواهب وفصاحة تلميذه يوحنا والذي تلقى يوحنا منه الفصاحة والبلاغة.
[5]الأب الياس كويتر المخلّصي، خطيب الكنيسة الأعظم القديس يوحنا فم الذهب ، ص 23
[6] ايمّا غريب خوري، الاقمار الثلاثة، ص 155.
[7] (غير باسيليوس الكبير) صديق فم الذهب الذى اجتذبه إلى محبة الله، وكان عاملا رئيسيا فى تغيير مجرى حياته.
[8] كورة ومدينة من أعمال حمص يقال لها رفنية تد مر وقال قوم: رفنية بلدة عند طرابلس من سواحل الشام.ينسب إليها محمد بن نوار الرفني سمع حيان الرفني صاحب رفنية.
[9]تقع مدينة مصياف على أقدام السفوح الدنيا للجبال الساحلية في منطقة مصدعة على خط الانهدام السوري الأفريقي إلى الجنوب الغربي من مدينة حماه بـ45 كم.
[10] القس عبد المسيح زهر، القديس يوحنا الذهبي الفم، ص 15 – 16.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات