الناموس مؤدّبنا إلى المسيح
الرسالة: غلا 3 : 23-19
4 : 1-5
للقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم
[align=justify]
· " قبل أن يأتي الإيمان[1] كنّا محفوظين تحت النّاموس مغلقاً علينا إلى الإيمان الذي كان مزمعاً إعلانه " (غلا 3 : 23)
إنّ أوامر الناموس كانت تشكّل ضمانة ًللذين يتبعونها. هذا ما يريد أن يقوله عن طريق استخدامه الكلمتين "محفوظين" و"مغلقاً".
كان الناموس يحافظ على شعب الله داخل سور عن طريق الخوف، الخوف من العقاب، وبسلوكهم حياة ً تنسجم عن وصاياه. هكذا كان يحفظهم في عهد الله.
· " فالناموس إذاً كان مؤدّباً لنا، يرشدنا إلى المسيح لكي نُبرّر بالإيمان " (غلا 3 : 24)
المؤدب[2] لا يتعارض مع المعلم بل يتعاون معه لكي يحرّر الشّاب من كلّ شرّ وبكلّ الطرق يؤهّله لتقبّل تعاليم معلمه.
· " فبعد أن جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدّب لأنّ جميعكم أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع " (غلا 3 : 25-26)
إن كان الناموس هو المؤدب يحفظنا ويضمن سيرنا على الطريق القويم، طريق الله، فهو إذاً لا يتعارض مع عمل النّعمة (المعلم الحقيقي)، بل يتماشى ويتعاون معه. إن كان عهد النعمة قد أتى وبقي المؤدّب قابضاً على الإنسان لا يسلمه للمعلم الحقيقي عندها يتناقض مع الإيمان أي مع النعمة الإلهية.
في مجيء الإيمان علينا أن نخرج إليه ولا نبقى مغلقاً علينا بأوامر الناموس وإلا يتعطل عمل الخلاص كله.
كما أنّ المصباح الذي كان ينير في الليل، إن أتى النهار وبقي المصباح يضطرنا ألا نخرج ونتحرر ونرى نور الشمس عندها لا يعود المصباح يقدّم لنا شيئاً بل يحطمنا. يصبح عندها الناموس عائقاً لابتغاء ما هو أسمى. والذين كانوا يتبعونه الآن هم يدينونه. لأن المؤدّب (المربّي) الذي يحتفظ بولده عند مجيء المعلم ولا يسلمه إلى المعلم كما هو منتظر فهو يصبح عثرة وعلى كل حالّ ينظر إليه الولد باستهزاء.
لذلك يقول الرسول بولس: " بعد أن جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدّب " (غلا 3 :25).
" لأنّ جميعكم أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع " (غلا 3 :26). آه! كم هي عظيمة قوّة الإيمان التي تنقشع لنا تدريجياً. في البداءة أعلن بولس الرسول أن الإيمان يُظهرنا أبناء لابراهيم. " اعلموا أنّ الذين هم من الإيمان أولئك هم بنو ابراهيم " (غلا 3 :7). الآن، يقول إنّ الإيمان يظهرنا أبناء الله. "لأن جميعكم أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع ".
عن طريق الإيمان لا عن طريق الناموس.
· " لأنكم أنتم كلكم الذين اعتمدتم في المسيح قد لبستم المسيح " (غلا 3 :27)
بعد أن قال إنكم أصبحتم أبناء الله بالإيمان بيسوع المسيح يُظهر الطريقة التي بواسطتها يتم مثلُ هذا العجب الكبير: طريقة المعمودية.
" لأنكم أنتم كلكم الذين اعتمدتم في المسيح قد لبستم المسيح" لكن لماذا لم يقل الذين اعتمدتم في المسيح قد ولدتم من الله؟ هذا لأن الولادة من فوق نتيجة طبيعية للمعمودية. هنا يعبّر عن هذه النتيجة أي عن البنوة لله بطريقة بليغة أكثر: يقول بما أن المسيح هو ابن الله وأنتم لبستم المسيح إذاً أصبح الربّ يسوع ساكناً فيكم، أصبحتم ملتصقين به إلى حدّ القربى الواحدة والصورة الواحدة.
· " ليس يهودي ولا يونانيّ، ليس عبدٌ ولا حرٌّ، ليس ذكرٌ ولا أنثى لأنكم جميعكم واحدٌ في المسيح يسوع " (غلا 3 :28)
أتريد أوضح من هذا التفسير؟! بعد أن قال إنكم صرتم أبناء الله بالإيمان (3 :26) لا يتوقف عند هذا الحد بل يسعى ليجد وحدةً أكبر وأوضح مع المسيح. في سبيل هذا الهدف يقول: "لأنكم جميعكم واحدٌ في المسيح يسوع" (غلا 3 :28)
أي شكلٌ واحدٌ، صورة ٌواحدة، صورة يسوع المسيح. ما الذي هو أعجب وأرهب من ذلك؟ الوثني واليهودي (الصائران واحداً)، العبد والحرّ، كلهم يأخذ صورة المسيح لا صورة ملاك أو رئيس ملائكة بل صورة ربّ الملائكة والبشر.
· " فإذ كنتم للمسيح فأنتم إذن نسلُ ابراهيم وورثة بحسب الموعد " (غلا 3 :29)
تكلم سابقاً على المواعيد وعلى النسل[3] فهو يُظهره الآن بوضوح قائلاً إن البركات قد أعطيت لابراهيم ولنسله أي للمسيح ولكم أنتم لابسي المسيح وورثة الله.
· " وأقول إنّ الوارث ما دام طفلاً فلا فرق بينه وبين العبد مع كونه مالك الجميع. لكنّه تحت أيدي الأوصياء والوكلاء إلى الوقت الذي أجّله الرب. هكذا نحن أيضاً حين كنّا أطفالاً كنّا متعبّدين تحت أركان العالم " (غلا 4 :1-3)
الكلمة " طفل" هنا لا تشير إلى السنّ بل إلى طريقة التفكير والفهم. يريد هنا الرسول أن يقول إن الله أراد من البدء منحَ خيراته هذه لكننا كنا أطفالاً في فكرنا متأثرين بنظام الشهور والسبّوت " أركان العالم " إذ يصفه الرسول بالعبودية.
· " فلما حان ملء الزّمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة مولوداً تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبنّي " (غلا 4 :4-5)
يُظهر هنا إنجازين أو عملين للتجسّد: التحرر من الشرور من جهة ومنح الخيرات من جهة ثانية. هذه الإنجازات لم تكن لتحصل على يد بشرية بل فقط على يد الله.
ما هي هذه الإنجازات بالضبط؟
1. التحرر من لعنة الناموس.
2. الإرشاد إلى البنوّة.
لأنه يقول بوضوح: " ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني" هذا الإنجاز تتميم لوعود الله لابراهيم.
لكن ما الذي يُظهر أننا صرنا أبناءَ الله؟ قال سابقاً لأننا لبسنا المسيح الذي هو الابن. الآن يقول أيضاً نلنا روحَ التبني لم يكن باستطاعتنا من قبلُ أن ندعو الله " أبانا" قبل أن نكون قد صرنا أبناء. إن كانت نعمة الروح القدس قد جعلتنا نحن العبيد أحراراً، نحن الأطفال كاملين، نحن الأعداء ورثاء وأبناء، فكيف نجسر الآن إنكار النّعمة والعودة إلى الوراء؟
[/align]
[1] الإيمان هنا هو بمعنى الناموس الروحي، عهد النعمة الذي يكمل ناموس الشّريعة الموسويّة. الناموس الروحي انكشف بيسوع المسيح وبوصاياه الجديدة وبشريعة الروح القدس.
[2]Pedagogue أي مربّي. بعض التّرجمات تستخدم كلمة حارس (مناظر) الذي يفرض النّظام على الأولاد ويقودهم إلى معلم المدرسة.
[3] راجع غلا 3 :16 " وأما المواعيد فقيلت في ابراهيم وفي نسله لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحدٍ وفي نسلك الذي هو المسيح".
كتاب أناجيل ورسائل الأعياد السيدية والثابتة
دير مار مخائيل - بسكنتا
تعاوني النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع م.م. 2005

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات