شفاء نازفة الدم

الإنجيل: مر 5 : 24-34
النص المشابه متى 9 : 19-22
لوقا 8 : 40-56

للقديس يوحنا الذهبي الفم

· " تبع يسوع جمعٌ كثيرٌ وكانوا يزحمونه" (مر 5 : 24)
تبعه جمعٌ كثيرٌ ربما بسبب رئيس المجمع يايرس الذي تقدّم إلى الرب طالباً عونه، وأيضاً بسبب الحشرية الفضولية لرؤية العجائب. القليل من الناس يتبعه من أجل سماع كلامه. لذلك لم يدع الكل يدخل إلى البيت بل فقط التلاميذ ومنهم ثلاثة. معلماً إيانا أن نهرب دائماً من المجد الآتي من الناس.
· " وإن امرأة بها نزفُ دم منذ اثنتي عشرة سنةً، وقد كابدت كثيراً من أطباء كثيرين، وأنفقت كل مالها ولم تستعد شيئاً، بل صارت إلى حالة أسوأ. فلما سمعت بيسوع جاءت بين الجمع من خلفه ومسّت ثوبه لأنها قالت إني مسست ولو ثيابه برئتُ" (مر 5 : 25-28)
لماذا لم تقترب منه بطريقة علانية بل "جاءت من خلفه؟" لأنها كانت تخجل بسبب دائها وتُعتبر نجسة ًبسبب نوع مرضها[1] كما ولو لم يكن لها معرفة كاملة بالرب يسوع وإلا لتيقنت أنه سوف يكشفها.
هي المرأة الأولى التي جاءت إلى الرب في وسط الجمع وقد سمعت أنه يشفي نساءً عديدة وكان منطلقاً إلى بيت رئيس المجمع ليشفي ابنته الصغيرة. لم تجسر دعوة السيد إلى بيتها على الرغم من غناها. مع ذلك كله لم تشك أبداً من قدرته على شفائها "ولو مسّت ثيابه". وقد شجعها أنه كان يدخل إلى بيت العشّارين ويخالط الخطأة فيتبعونه.
· " وللوقت جفّ مسيل دمها وشعرت في جسمها أنها برئت من دائها[2]. وفي الحال شعر يسوع في نفسه بالقوة التي خرجت منه فالتفت إلى الجمع وقال من مسَّ ثيابي؟ فقال له تلاميذه ترى الجمع يزحمك. وتقول من مسّني؟ فأدار نظره ليرى التي فعلت ذلك. فخافت المرأة وارتعدت لعلمها بما حدث لها، فجاءت وخرّت له وقالت الحق كله. فقال ياابنة إيمانك أبرأك فاذهبي بسلام. وكوني معافاةً من دائك" (مر 5 :29-32).
كيف تصرّف المسيح؟ لم يتركها مخفية ًبل جعلها تظهر أمام الجميع لأسباب عديدة. ادعى البعض عن غير حقّ أنه فعل ذلك من أجل الشهرة. كيف يفعل الرب ذلك وهو الذي أمر الكثيرين ألا يخبروا أحداً عن شفائهم؟! كيف يمكن للرب أن يطلب مجداّ لنفسه؟! لماذا إذاً جعلها تخرج إلى العلن؟
1. أراد أن يُزيح عنها الخوف حتى لا تبقى تحت ضغط ضميرها وكأنها سرقت النعمة خلسة.ً
2. أصلح تفكيرها لأنها كانت تعتقد أنه لم ينتبه إليها.
3. يعلن للجميع إيمانها ليقتدي بها الآخرون.
العجيبة هنا لا يقتصر على وقف نزيف دمها. الأكبر من ذلك أنه كان عارفاً بكل شيء. وأيضاً رئيس المجمع المرافق المسيح تشدّد إيمانه عن طريق المرأة. خصوصاً عندما جاء واحد من دار رئيس المجمع يقول له: "قد ماتت ابنتك، لا تتعب المعلم" (لوقا 8 : 49) والذين في البيت كانوا يستهزئون عندما قال إنها نائمة. لقد فكر بهذا الضّعف البشري (الشك بالإيمان). لذلك جلب المرأة إلى الوسط. كان رئيس المجمع ضعيف الإيمان لذلك قال له الرب:
" لا تخف آمن فقط فهي تشفى" (لوقا 8 : 50) انتظر الرب عن قصد موت ابنته حتى يظهر إقامتها من الموت جلياً. لذلك أخذ يحاور المرأة ليربح وقتاً. هذا ما يشير إليه الكتاب بقوله "وبينما هو يتكلم جاء واحد من دار رئيس المجمع قائلاً له قد ماتت ابنتك لا تتعب المعلم" (لوقا 8 : 49) بسبب كل ذلك جاء بالمرأة إلى الوسط وقال لها: "ثقي يا ابنتي" (لوقا 8 : 48)، الكلام الذي قاله للمخلع "ثق يا بني" (متى 9 :2) في الواقع كانت المرأة خائفة جداً لذلك قال لها " ثقي يا ابنتي" رغم سنها المتقدم حتماً مرتباً إياها في مصفّ عائلة الله.
بعدها أضاف المديح التالي: "إيمانكِ أبرأكِ" (مر 5 : 34) أو " إيمانك قد شفاك" (لوقا 8 : 48 ومتى 9 : 22).
يذكر لوقا عن المرأة تفاصيل أخرى، عندما اقتربت منه وشُفيت لم ينادها للحال بل قال: "من الذي لمسني" (لوقا 8 : 45) بعدها قال له بطرس مع بقية التلاميذ: "يا معلم الجموع يضيّقون عليك ويزحمونك وتقول من الذي لمسني؟" (لوقا 8 : 45). هذا برهان على أن له جسداً حقيقياً، ولم يرفض عن تكبّر الاختلاط بالجموع الذين كانوا يزحمونه. ثم يكرّر يسوع قوله: "قد لمسني واحدٌ لأني علمتُ أن قوةً قد خرجت منّي" (لوقا 8 : 46 ومر 5 :30) معطياً هكذا جواباً قاطعً على شكّ السامعين الإيماني.
هذا كله قاله ليحثّ أيضاً المرأة على الاعتراف بعملها. لهذا السبب لم يوبخها للحال. كان يقصد إظهار معرفته بالخفايا وبكل شيء، كما كان يريد أيضاً من المرأة أن تعترف من نفسها بالأعجوبة الحاصلة.
لاحظ سمو إيمان المرأة وفضيلتها على رئيس المجمع! لم تُمسكه ولم تزعجه بل اقتربت منه من خلف ولمست ثيابه بطرف أصابعها. جاءت في الآخر وذهبت في الأول بعد شفائها. في حين أن ذاك قاد الطبيب إلى منزله. أما هي فاقتصرت على اللمس. كانت تعاني كثيراً من دائها لكن إيمانها كان يجنّحها ويعلن عن قدراتها.
لاحظوا الطريقة التي استخدمها الرب لتعزيتها: "إيمانك أبرأك" (مر 5 : 34 ولوقا 8 : 48). لو شفاها علانية لما استطاع أن يضيف مثل هذا الكلام. قال هذا ليحثّ رئيس المجمع على الإيمان وليُظهر إيمان المرأة العظيم وليمنحها المنفعة الروحية التي تفوق شفاء الجسد. غاية العجيبة التعليم والإرشاد إلى الخلاص. لم تذهب المرأة أن يُظهر هذا التعليم وقبل أن تحصل على نعمة مديح السيد. لقد أظهر إيمانها علانية وبدد خوفها لأن لوقا يقول:
"فلما رأت المرأة أنها لم تختفِ جاءت مرتعدة" (لوقا 8 : 47 ومر 5 : 33).
الرب أعطاها شجاعةً من جديد ومع شفاء جسدها منحها خيرات روحية أخرى عندما قال لها: "اذهبي بسلام" (لوقا 8 : 48 ومر 5 : 34).



[1] راجع سفر اللاويين 15 : 25 " وأية امرأة سال دمها أياماً كثيرة في غير وقت طمثها أو امتد السيلان إلى ما بعد وقت طمثها تكون في جميع أيام سيلان نجاستها كما في طمثها: أنها نجسة".

[2] يُقدم المفسّر ثيوفيلكتوس تفسيراً رمزيا للرواية معتبراً الإنسانية نازفة ً الدم التي لم تستطع أن تشفى على يد الأطباء وحكماء هذا العالم لكنها وجدت شفاءها في صلتها مع المسيح. تشهد الرواية عل سيادة يسوع على المرض وقدرته على الشفاء.


كتاب أناجيل ورسائل الأعياد السيدية والثابتة
دير مار مخائيل - بسكنتا
تعاوني النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع م.م. 2005